← المكتبة إكويليبريوم equilibrium-system.com

ضباب معرفة التنانين كتاب 3 تيون مارِيز












تعاليم التولتك
Tom 3. ضباب معرفة التنانين


مقدمة


ردا على الرسائل الكثيرة التي وردت من أولئك الذين قرأوا كتابي الأولين، تجدر الإشارة إلى أن التولتك ليسوا جميعا متشابهين، وأنه ليس كل من يسلك طريق المحارب تولتكا بأي حال. ومع ذلك، ونظرا إلى أن التولتك كانوا «طيورا وحيدة» لمدة طويلة لا تصدق من الزمن، فليس مستغربا على الإطلاق أن يكون العالم بأسره قليل المعرفة جدا بنا وبأنشطتنا، إن لم يكن على معرفة بها أصلا. في الواقع، إن بعض أولئك القلائل الذين سمعوا بنا قرروا عاجلا أو آجلا أننا مجرد أسطورة، بينما يميل آخرون (ولا سيما أولئك الذين عرفوا بنا من كتب كارلوس كاستانيدا) إلى اعتبارنا سحرة. وتبقى الحقيقة الدامغة أن كارلوس كاستانيدا، وكذلك كتّاب معاصرين آخرين يعلنون ارتباطهم بمضمون كتب كاستانيدا، يعكسون في الواقع تقليد التولتك بمفاهيم السحر العملي. ومع ذلك، فإن التولتك الحقيقيين لا يشجعون بأي حال النزوع إلى السحر الذي يثير في أيامنا هذه مثل هذا الفضول. إن التولتك أناس معرفة، ورغم أنه لولا إلمامنا بالسحر لكانت معرفتنا ناقصة، فإنني ملزم بالتأكيد على أن الممارسات السحرية ليست سوى جزء صغير جدا من منظومة معرفتنا الشاملة. علاوة على ذلك، يدرك التولتك الحقيقيون أن السحر لا يؤدي إلى الحرية، بل على العكس يدفع الناس إلى استعباد طويل الأمد. ومنذ فناء أطلانطس انقسمت أخوية التولتك إلى مجموعتين رئيسيتين: أولئك الذين كرسوا أنفسهم حصرا لتطور الإنسان وبالتالي لحرية الإنسان، وأولئك الذين لا يهتمون إلا بتطور الوعي من أجل أهدافهم الأنانية الخاصة. تنتمي إلى المجموعة الأولى أولئك منا الذين يسيرون على طريق الحرية. وتضم المجموعة الثانية أعضاء الأخوية الذين يتبعون ما يسمونه طريق المغامرة العظمى. وينقسم ممثلو المجموعتين إلى رتب أو مستويات مختلفة من الإتقان والخبرة؛ وللتسهيل أُدرجت هذه الفئات في الملحق. وبوجه عام، لا توجد إلا رتبتان لمن انطلقوا على طريق المغامرة العظمى، وهما: محاربو الانتباه الأول ومحاربو الانتباه الثاني. وباختصار، فإن الانتباه الأول هو كامل طاقات ما يمكن تسميته الوعي العقلاني أو الطبيعي، وهو ذلك الطاقم الذي لم يبدأ الناس العاديون بعد حتى في تنميته. أما الانتباه الثاني فيعني مستوى وعيا غير عقلاني بالمرة، لا يملك عنه الناس العاديون في الواقع حتى تصورا غامضا، ناهيك عن إمكانية استكشافه. إنه مجال وعي لا حدود له حقا، يتجاوز تماما آفاق العقل العقلاني لدى الإنسان الضيقة نسبيا والمحدودة إلى حد كبير. والانتباه الثاني هو تحديدا موطن قوة أولئك من إخواننا الذين يسيرون على طريق المغامرة العظمى. وعلى هذا الطريق يمكن أن تصادف كل تلك الجوانب الساحرة من تقليد التولتك التي لا تؤدي إلى الحرية والتي تتسم بما يمكن وصفه على أفضل وجه بأنه تجليات سحر وشعوذة مخيفة ومبهجة في آن، بالمعنى الذي يفهمه معظم الناس. وقد طوّر التولتك الذين اختاروا هذا الطريق مهاراتهم في إطار الانتباه الأول والانتباه الثاني حصرا، ويسمون إتقانهم في مجالي الوعي هذين حلقة القوة الأولى وحلقة القوة الثانية على التوالي. غير أن قلة قليلة جدا من أولئك الذين تثير اهتمامهم الممارسات القديمة في تقليد التولتك والذين يحاولون بطرق شتى تجسيد هذه التعاليم في الممارسة، يتأملون في أن المعرفة الناقصة تكون دائما معرفة خطرة. وهذا يصح بوجه خاص في ما يتعلق بالممارسات السحرية. وفي الحق أن عددا قليلا من أولئك الذين يجذبهم النزوع إلى هذا الشكل من المعرفة قد شككوا يوما في فعالية هذه الممارسات التي تفرض على الممارس، بحكم طبيعتها ذاتها، أن ينقل قوته إلى شخص أو كائن ما. فهل يمكن لمثل هذه الممارسات أن تؤدي إلى الحرية؟ ومع ذلك فمثير للدهشة العدد الهائل من النفوس التائهة التي تتشبث بعناد بممارسات عتيقة تماما، مثل التعاون مع كائنات غير عضوية أو تجميع الطاقة بالطقوس والمواد الهلوسية، معتقدة أن مثل هذه الممارسات سترفع قوتها، أو بالأحرى ستجعلها أقوى من إخوانها. ولا يدرك هؤلاء الممارسون إطلاقا أن حلقة القوة الأولى ولا الثانية ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة ضرورية تقود الإنسان إلى الكشف عن طاقاته الكامنة، أي الانتباه الثالث، ذلك الشكل من الوعي الذي يتجاوز الثاني ولا يتاح إلا لمن اجتاز تدريب طريق الحرية. ويكاد يكون من المستحيل وصف الانتباه الثالث بكلمات قليلة؛ ويكفي القول إن الانتباه الثالث هو ذلك الجزء من الكون المتجلي، ذلك المستوى من الوعي حيث يندمج وعي المتجلي وغير المتجلي معا ويصبح تجليا لتعاون عاقل تماما. هذا هو المفارقة الأساسية للانتباه الثالث، ولكن هذه المفارقة بالتحديد هي التي تتيح الوصول إلى مخطط تركيب الكون نفسه، وتسمى حلقة القوة الثالثة. وهذا الشكل من القوة مجهول تماما لمن ينمون فن السحر وحده. ومن يبلغ حلقة القوة الثالثة لا يحتاج إطلاقا إلى اللجوء إلى ممارسات سحرية صغيرة إلى حد ما، ولا إلى تلك القوى الساحرة التي تصادفها على طريق المغامرة العظمى، لأن مثل هذا الإنسان يكون حرفيا على مسافة ذراع من المفاتيح النهائية للخلق والفناء. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يوجد سحر أعلى من هذا. وبالتالي لا يحتاج محارب الانتباه الثالث إلى قذف البرق على الأعداء أو إلى الاستعانة بكائنات غير عضوية، إذ يكفيه أن يستخدم مجرد فكرة موجهة إلى الدروب الخفية للوعي البشري. ولهذا السبب بالتحديد لا يتاح هذا النوع من القوة لمن لم يكتسب بعد الرؤية الشاملة اللازمة لكي لا يستخدم مثل هذه القوة في مصالح شخصية. وتتمثل مهمة محاربي الانتباه الثالث في استخدام قوتهم لتدمير تلك الأشكال التي تسلب الحرية والقوة. ويجب على هؤلاء المحاربين أن يوفروا للبشرية كل المعارف اللازمة لكي يتمكن كل إنسان من أن ينمي نفسه وينمي في الوقت ذاته من حوله. وينبغي إدراك أن كل ما هو حي مترابط ترابطا وثيقا لا ينفصم، ولذلك فهو في تفاعل وتكافل دائمين. وهكذا يستطيع محاربو الانتباه الثالث، بل ويريدون، أن يتحدوا كل ما يقف في طريق أي كائن قادر على المطالبة بحقه في القوة والحرية اللاحقة. وفي ضوء ما سبق ينبغي إدراك أنه إذا كنت، أيها القارئ، عازما بجدية على السير على طريق المحارب، فمن الضروري جدا أن تكون قادرا على التمييز بين طريق الحرية وطريق المغامرة العظمى. كثيرا ما يُطرح السؤال عن الشيء الذي ينبغي التحرر منه تحديدا. وسأضطر إلى التكرار مرة أخرى بأنه من الصعب جدا الإجابة عن هذا السؤال في إطار هذه المقدمة، لأن مفهوم الحرية لا حدود له حقا. ويكفي القول إنه ينبغي السعي إلى التحرر من العدد الهائل من الأوهام التي يولدها نقص المعرفة لدى الإنسان، ومن تكييفه الاجتماعي وجهله بطبيعته الإلهية. وقد أدرك قليلون فقط أن الإنسان ليس كائنا ماديا محكوما عليه بالوجود في حدود المستوى المادي، بل هو مخلوق بالغ الأهمية للكون بأسره، وهبه الله السحر والقوة. ولهذا السبب، فإن محاربي الانتباه الثالث، وهم يوجهون الآخرين نحو الحرية، يعملون في تعاون وثيق مع الناغوال الذي يتولى القيادة؛ وهم معا يدفعون الناس إلى إدراك طاقاتهم الكامنة الحقيقية، وإلى ميراثهم الحقيقي ككائنات سحرية في الكون. أنا نفسي تولتك من الانتباه الثالث، وتتجلى صلاحياتي الرسمية بين التولتك في المنصب الذي شغلته بصورة دورية على مدى حيوات كثيرة (وإن لم تكن متعاقبة دائما)، وهو منصب التنين-الذئب. وباختصار، تتمثل واجبات التنين-الذئب في أن يجلب إلى العالم ملكة التمييز التي تتيح لنور الصحو أن يضيء طريق تطور الوعي. وهكذا يرتبط نشاط التنين-الذئب بفصل النور عن الظلمة، والرافع عن القامع، والجوهري عن الفارغ، والمغذي عن المهلك، أي بفصل كل ما يجلب الحرية عما يقود إلى الأغلال والاستعباد؛ وما يهب الحياة عما يدمر. غير أن القوة ولا السلام ولا الحرية يمكن منحها أو إهداؤها. فلا بد من النضال من أجل كل ذلك، ومن المطالبة به. ونتيجة لذلك يصبح التنين-الذئب ذلك الكائن الذي يعلّم الناس، أولا، ما الذي يبقيهم تحديدا في الأغلال. وثانيا، أن لا أحد يمكن أن يقع في فخ دون موافقته على ذلك. وثالثا، يساعد التنين-الذئب على فهم أن الناس قادرون على المطالبة بحقهم في القوة بالنضال من أجل تحررهم. وهكذا يتبع التنين-الذئب دائما شريط عريض من ملكة التمييز والنضال، لكنه في الوقت ذاته أثر للأمل والشجاعة المتجددة التي يولدها احترام الذات. وكان سبب توليّ المنصب مرة أخرى في هذه الحياة حاجة ملحة إلى إظهار الإمكانات الهائلة للتغيير والحرية التي تتسم بها ظروف العالم المعاصر. وفي هذا الصدد ينبغي إدراك أن الناس بدأوا في كل مكان يستبد بهم اليأس، لأن عالمهم السابق المريح والمأنوس يواصل التفكك. فتنامي القسوة والجريمة في العالم بأسره، وهشاشة الوضع الاقتصادي، وتدمير المعايير الأخلاقية والعلاقات الإنسانية بوجه عام والعلاقات الأسرية، وتحريف الحقيقة لأغراض أنانية، والتلاعب الفج بالوعي الذي يلجأ إليه لا سياسيون معينون ووسائل الإعلام فحسب، بل أيضا معالجون وعرافون ومتكهنون يدّعون النبوة، كل ذلك يدفع البشرية إلى طريق مسدود تام ويجعلها تلتصق بظهرها إلى الحائط. ونتيجة لذلك، وقد لم يعد الناس يعرفون بمن يثقون وإلى من يستمعون، بلغ سكان العالم بأسره وضعا يائسا بما يكفي ليبدأوا النضال من أجل حريتهم. وفي الواقع، يوجد في العالم المعاصر عدد هائل من الناس يتوقون بشدة إلى تنمية عضلاتهم النفسية ويسعون بحماسة إلى تحقيق النجاح في هذا العالم، لكنهم في الوقت ذاته تكبحهم رؤية غير واضحة بما يكفي، وانعدام المعارف الضرورية عن الطبيعة الحقيقية للحياة والعالم بأسره، والجهل بميراثهم السحري. ونضف إلى ذلك كله القيود المنهكة للتكييف الاجتماعي. وليس مستغربا على الإطلاق أن يعيش في العالم المعاصر عدد كبير من المحبطين، أولئك الناس الذين كانوا سيغيرون حياتهم والعالم المحيط بهم ببالغ السرور لو عرفوا فقط كيف يفعلون ذلك ولم يشعروا بأنهم عاجزون إلى هذا الحد. أما التولتك فأمورهم تسير على نحو رائع، لأن الإنسان لا يستطيع، إلا حين يُدفع إلى الحائط، أن يتأمل ولو للحظة في أن ربما توجد طريقة أخرى للتفكير والشعور والعمل. وبعد ذلك فقط يصبح الإنسان قادرا على الحصول على شحنة عاطفية تكفي للبدء بالنضال من أجل ما يؤمن به ويسعى إليه. ولهذا السبب بالدرجة الأولى قرر محاربو الحرية، الذين يسمون التولتك، أن يشغلوا من جديد في العالم المكان الذي يخصهم بحق. علاوة على ذلك، فإننا، نحن المخلصين لطريق الحرية، مستعدون تماما وبصدق للاستفادة من نزوع الإنسان إلى التغيير، ومن رغبته العميقة في السلام، ومن بحثه الدؤوب عن الرفاه، وقبل كل شيء من رغبته المتزايدة في العثور على المعارف التي تتيح للإنسان أن يطالب بحقه في القوة، لأنه شخص له الحق في أن يفكر ويتصرف باستقلالية ولخير نفسه. غير أن الإنسان، لكي يبلغ ذلك، سيتعين عليه أن يواجه ماضيه وجها لوجه وأن يدمره؛ وهذا يشمل النضال من أجل التحرر من قيود التكييف الاجتماعي التي تسلب القوة. تنشأ اليوم تخمينات كثيرة فارغة عن نهاية العالم ومجيء عصر جديد. ومن وجهة نظر التولتك، فإن احتمال انتهاء العالم بالصورة التي هو عليها الآن حتمي، ولو لسبب واحد هو أن الإنسان بلغ سن الرشد، وعليه، بدلا من أن يواصل بناء قلاع من الرمل ثم تدميرها بعجرفة طفلية، أن يتحمل مسؤولية الإنسان الراشد وأن يبدأ في أداء دور مهم حقا في تلك الأحداث اللامحدودة المرتبطة بتطور الوعي. وسيتعين عليه أن يتحمل المسؤولية أيضا عن كونه في جوهره كائنا سحريا يملك قوة الخلق والدمار. وعندما يتحمل الإنسان المسؤولية عن ميراثه، فسنرى حقا ولادة عصر جديد تماما وعالم جديد تماما، لن ينزلا من السماء، بل سينشآن على أساس أن الإنسان سيبدأ بأداء دوره الحقيقي في الكون بمسؤولية كاملة. وهكذا، وعند الحديث عن محاربي الحرية، ينبغي إدراك أننا، على خلاف أولئك من إخواننا الذين يتبعون طريق المغامرة العظمى ويكرسون أنفسهم للممارسات السحرية، نكرس أنفسنا كليا للحرية ونعتزم الاستفادة بكاملها من هذه المرحلة ومن الوضع الحالي في العالم لخير كل ما هو حي. ولهذا السبب فإن أمورنا مكرسة تماما للحرية وتحسين الذات واحترام الذات ورفاه جميع الأشخاص، من البشر وغيرهم من المخلوقات. ولهذا الهدف بالتحديد أؤدي دوري في نقل ميراث التولتك إلى البشرية.

زعيمكم من واشنطن يعلن أن أحدًا اشترى أرضنا. زعيمكم يرسل إلينا رسالة صداقة وحسن نية.
إنه طيب جدًا، لأننا نعلم أن صداقتنا ليست إلا ثمنًا صغيرًا لعطفه. ومع ذلك سنفكر في اقتراحكم، لأننا نفهم أننا إذا لم نبع الأرض، فسيأتي الأبيض بالبنادق ويأخذها بالقوة.

كيف يمكنكم شراء السماء أو دفء الأرض؟ هذه الفكرة غير مفهومة لنا. إذا كنا لا نتحكم في نضارة الهواء واندفاعات الماء، فكيف يمكنكم شراؤها منا؟

بالنسبة لشعبي، كل شبر من هذه الأرض مقدس. كل مخروط صنوبر لامع، وكل شاطئ رملي، وكل خصلة ضباب في الغابة المظلمة، وكل مرج وكل بعوضة صغيرة، كلها مقدسة لذاكرة شعبي ومشاعره. النسغ الجاري في جذوع الأشجار يحمل في داخله ذاكرة الحمر.

عندما يسلك الأموات من البيض طريقًا بين النجوم، ينسون بلد ميلادهم. أما أمواتنا فلا ينسون أبدًا هذه الأرض الجميلة، لأنها أم الحمر. نحن جزء من هذه الأرض، وهي جزء منا نحن أنفسنا. الزهور العطرة أخواتنا، والغزال والحصان والعقاب الكبير إخوتنا، وقمم الجبال والمروج الخصبة وجسد الحصان البري الدافئ والإنسان، كلهم أسرة واحدة.

عندما يقول الزعيم الكبير من واشنطن إنه يريد شراء أرضنا، فإنه يطلب منا الكثير جدًا. يعلن الزعيم الكبير أنه سيترك لنا مكانًا نعيش فيه براحة. سيصبح لنا أبًا ونصبح نحن أطفاله. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن هذه الأرض مقدسة بالنسبة لنا.

هذا الماء اللامع الجاري في الجداول والأنهار ليس مجرد ماء، بل هو دم أسلافنا. إذا بعناكم الأرض، فعليكم أن تتذكروا أنها مقدسة، وعليكم أن تعلموا أطفالكم أنها مقدسة، وأن أي انعكاس شبحّي في مياه البحيرات الصافية يحكي عن أعمال الحياة وذاكرة شعبي. خرير الماء هو صوت أبي أبي. الأنهار إخوتنا، وهي تروي عطشنا. الأنهار تحمل زوارقنا وتطعم أطفالنا. إذا بعناكم الأرض، فعليكم أن تتذكروا وأن تعلموا أطفالكم أن الأنهار إخوتنا وإخوتكم؛ وعليكم من الآن فصاعدًا أن تعاملوا الأنهار بنفس اللطف الذي تعاملون به أخاكم.

لم يكن الأحمر المتجانس إلا يتراجع دائمًا أمام الأبيض المتقدم، كما يتراجع ضباب الجبل أمام شمس الصباح. لكن رفات آبائنا مقدسة. قبورهم أماكن مقدسة، ولذلك أصبحت هذه التلال والأشجار وقطع الأرض مقدسة لنا. نحن نعلم أن الأبيض لا يفهم أفكارنا. بالنسبة له، لا تختلف قطعة أرض عن أخرى، لأنه غريب يأتي ليلًا ويأخذ من الأرض كل ما يريد. بالنسبة له، الأرض ليست أخًا بل عدوًا، وهو يتقدم غازيًا إياها. يترك قبور آبائه خلفه، لكن ذلك لا يقلقه. يسرق الأرض من أطفاله، لكن ذلك لا يقلقه. ينسى قبور آبائه وحقوق أطفاله. يتعامل مع أمه الأرض وأخيه السماء كأشياء يمكن شراؤها وسلبها وبيعها، مثل خروف أو خرز لامع. جشعه يلتهم الأرض ويترك خلفه صحراء.

أنا لا أفهم… أفكارنا تختلف عن أفكاركم. مشهد مدنكم ألم لعين الأحمر. ربما يحدث ذلك لأن الحمر متوحشون، وهم لا يفهمون الكثير. في مدن الأبيض لا يوجد صمت. ليس فيها مكان يمكن فيه الاستماع إلى البراعم وهي تتفتح في الربيع، وإلى حفيف أجنحة الحشرات. ربما أنا مجرد متوحش ولا أفهم الكثير. يبدو لي أن الضجيج لا يفعل سوى أن يهين السمع. هل هذه حياة إذا لم يستطع الإنسان أن يسمع الصرخة الوحيدة لنور تائه أو جدال الضفادع الليلي عند البركة؟

أنا أحمر، ولا أفهم الكثير، فالسكان الأصليون يفضلون الصوت الرقيق للريح فوق مياه البركة، ورائحة هذه الريح المغسولة بمطر الظهيرة والمشبعة بعبير راتنج الصنوبر.

بالنسبة للأحمر، الهواء كنز، لأن كل الكائنات الحية تتنفس نَفَسًا واحدًا؛ فالحيوان والشجرة والإنسان يتنفسون نَفَسًا واحدًا. الأبيض لا يلاحظ الهواء الذي يتنفسه. إنه لا يشعر بالرائحة الكريهة، مثل إنسان يموت منذ أيام كثيرة.

لكن إذا بعناكم أرضنا، فعليكم أن تتذكروا أن الهواء كنز بالنسبة لنا، وأن الهواء يشارك روحه مع كل الكائنات الحية. تلك الريح التي نفخت الحياة في أجدادنا تقبل آخر أنفاسهم. وعلى هذه الريح أن تملأ روح الحياة في أطفالنا.

إذا بعناكم أرضنا، فعليكم أن تبتعدوا عنها وأن تعاملوها كمقدسة، كمكان يستطيع حتى الأبيض أن يأتي إليه ليذوق طعم الريح برائحة زهور المروج،

سنفكر في اقتراحكم بشراء أرضنا. إذا قررنا قبوله، فسأضع شرطًا واحدًا؛ على الأبيض أن يعامل حيوانات هذه الأرض كإخوته،

أنا متوحش، ولا أستطيع أن أفكر بطريقة أخرى. لقد رأيت آلافًا من البيسون الميت في السهول، تركها الأبيض الذي أطلق النار من قطار عابر.

أنا متوحش، ولا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لحصان حديدي ينبعث منه الدخان أن يكون أهم من البيسون الذي نقتله، وقد نجد أنفسنا على حافة الهلاك. ماذا سيحدث للإنسان إذا لم تعد هناك حيوانات؟ إذا ماتت كل الحيوانات، فسيموت البشر من الوحدة الكاملة للروح. فمهما حدث للحيوانات، يحدث للإنسان أيضًا. كل شيء مترابط.

عليكم أن تعلموا أطفالكم أن الأرض تحت أقدامهم هي رفات أسلافنا. حينها سيبجلون هذه الأرض ويخبرون أطفالهم أن في الأرض تكمن حياة عشيرتنا. علموا أطفالكم ما نعلم أطفالنا، ونحن نقول لهم إن الأرض أمنا. فمهما حدث للأرض، يحدث لأطفالها. عندما يبصق الإنسان على الأرض، فهو يبصق على نفسه.

هذا ما نعرفه؛ ليست الأرض ملكًا للإنسان، بل الإنسان ملك للأرض. هذا ما نعرفه؛ كل شيء في العالم مترابط، كالدم الذي يوحد العشيرة بأكملها. كل شيء مترابط. فمهما حدث للأرض، يحدث لأطفالها. ليس الإنسان هو من ينسج شبكة الحياة، بل هو مجرد خيط واحد فيها. وإذا فعل شيئًا بالشبكة، فإنه يفعله بنفسه أيضًا.

ومع ذلك سنفكر في اقتراحكم بالانتقال إلى تلك المحمية التي أعددتموها لشعبي. سنعيش بعيدًا عنكم، وسنعيش بسلام. ليس مهمًا جدًا أين سنقضي بقية أيامنا. أطفالنا رأوا آباءهم أذلاء بالهزيمة. محاربونا شعروا بالعار. بعد الهزيمة تحولت حياتهم إلى بطالة، وهم يدمرون أجسادهم بالطعام الحلو والشراب القوي.

ليس مهمًا جدًا أين سنقضي بقية أيامنا. لم يبق منها الكثير. بضع ساعات فقط، وبضع شتاءات فقط، ولن يبقى ابن واحد من القبائل العظيمة التي أحبت هذه الأرض يومًا كثيرًا والتي تتجول الآن في جماعات صغيرة في الغابات. لن يستطيع أحد أن ينعى ذلك الشعب الذي كان يومًا قويًا ومليئًا بالحياة مثل شعبكم. فلماذا أنعى موت شعبي؟ القبيلة مجرد بشر، لا شيء أكثر. البشر يأتون ويذهبون كأمواج البحر.

حتى الأبيض، الذي يسير إلهه بجانبه ويتكلم معه كصديق، لا يستطيع تجنب المصير المشترك. في النهاية، ربما نصبح يومًا إخوة، فلنرَ.

لكننا نعلم شيئًا على الأبيض أن يعرفه يومًا ما؛ لدينا نحن وأنتم إله واحد. الآن تعتقدون أنكم تملكون إلهكم كما تريدون أن تملكوا أرضنا، لكن الأمر ليس كذلك.

إنه إله جميع الناس، وهو يرحم بالتساوي ذوي البشرة الحمراء وذوي الوجه الشاحب. عند هذا الإله هذه الأرض كنز، وإلحاق الأذى بهذه الأرض يعني رفع اليد على خالقها. وذوو الوجه الشاحب سيرحلون هم أيضاً، وإن كان ذلك ربما بعد غيرهم من القبائل، فواصلوا تلطيخ مضجعكم، وفي إحدى الليالي ستختنقون في فضلاتكم. ولكنكم في هلاككم ستتوهجون بسطوع، محاطين بلظى إله قادكم إلى هذه الأراضي، ومنحكم لسبب خاص ما سيادة على هذه الأرض وعلى ذوي البشرة الحمراء.

بالنسبة لنا، هذا المصير لغز، لأننا لا نفهم لماذا يجب قتل البيسون، ولماذا يجب ترويض الخيول البرية، ولماذا يجب انتهاك أفكار الغابة الغامضة برائحة حشد من الناس الثقيلة، ولماذا يجب تلطيخ سفوح التلال بأسلاك ناطقة.

أين الأدغال؟ إنها ليست هنا. أين النسر؟ إنه ليس هنا. لماذا يجب أن نودّع المهور السريعة والصيد. هذه نهاية الحياة وبداية البقاء.
سننظر في عرضكم لشراء أرضنا. وإذا وافقنا، فسنكون في أمان في المحمية التي وعدتم بها.

هناك سنستطيع أن نعيش بقية أيامنا القصيرة كما نشاء نحن. وعندما يختفي آخر ذي بشرة حمراء من هذه الأرض، ولن يبقى منه في الذاكرة سوى ظل سحابة تحلق فوق السهول العشبية، فسيظل روح شعبي كامناً في هذه الضفاف والغابات، لأنه يحب هذه الأرض كما يحب المولود الجديد نبض قلب أمه.

إذا بعناكم هذه الأرض، فأحبوها كما أحببناها. واعتنوا بها كما اعتنينا بها. واحفظوا في ذاكرتكم صورة هذه الأرض كما كانت عندما أخذتموها. وبكل قواكم، وبكل أفكاركم، وبكل قلوبكم، صونوها لأطفالكم، وأحبوها كما يحبنا الله جميعاً.

نحن نعلم أمراً واحداً؛ لنا إله واحد أنا وأنتم. عند هذا الإله هذه الأرض كنز. حتى ذو الوجه الشاحب لا ينجو من المصير العام، وفي النهاية قد نستطيع بعد ذلك أن نصير إخوة. لنرَ…

ألقى زعيم الهنود سياتل هذا الخطاب في عام 1854. وهو ليس محاولة لمنع المحتوم، لأن سياتل كان يدرك تماماً أنه لم يبق شيء يمكن تغييره. وبدلاً من ذلك، حوّل سياتل خطابه إلى تحذير مرير من خطر الجهل البشري ومن عدم احترامه التام لكل ما يتجاوز حدود الجشع المتمركز حول الذات.

غير أن الدافع العميق وراء اقتباسي لهذا الخطاب لم يكن فقط الرغبة في لفت انتباه القارئ إلى الجشع البشري النهم، بل أيضاً السعي إلى إظهار أنه حيث يسود الفهم الحقيقي لترابط كل ما هو حي، لا يمكن أن تنشأ أي اتهامات، للسبب البسيط أن عالمنا في حقيقته لا يضم منتصرين ولا مهزومين. وقد عبّر سياتل عن هذه الفكرة بوضوح شديد في خطابه، لأنه كان يفهم علاقات الترابط بين كل ما هو حي ويتعلمها.

إنه لا يبرر أفعال الغزاة، وعلى الرغم من أنه لا يستطيع فهمهم، فإنه لا يتخذ موقفاً متصلباً ومتعالياً يتهم فيه الأمريكيين البيض. وبدلاً من ذلك، يوكد بإصرار حقيقة أن هناك حياة واحدة وحقيقة واحدة فقط، وأن السبب الوحيد للانقسام والاختلافات هو الجهل.

وهكذا فإن سياتل لا يلعن الأمريكيين البيض، بل يعبّر صراحة عن رأيه وعن تصورات شعبه، وبذلك يوضح بوضوح للأمريكيين البيض أنهم مخطئون في أفعالهم، لأنهم لا يأخذون في الحسبان الترابط بين كل ما هو حي.

كان سياتل يدرك أن شعبه وهو ليسوا ضحايا، حتى لو رتّب القدر حياتهم على نحو مختلف تماماً عما كانوا يريدون. وهو يُظهر بمنهجه روح المحارب المتكامل: كان سيكون من السهل جداً عليه أن يقع في فخ تصورات مفادها أن ذوي البشرة الحمراء جُعلوا ضحايا، لكنه يفضّل أن يعترف بأن شعبه خسر المعركة بالفعل، وأن المنتصر وفقاً لقواعد الصيد يأخذ كل شيء.

يتحمل سياتل بتكامل تام اختبار القدر ويتصالح معه، ولا يفقد كرامته ورشاقته بوصفه محارباً حقيقياً يؤمن بأن روحه لا تُقهَر. وهو لا يأسف إلا لأن بعض محاربيه، على ما يبدو، لا يتصفون بهذا الشعور بالكرامة الذاتية، ولذلك سمحوا لأنفسهم بالاستغراق في العار والشفقة على الذات.

وبالإضافة إلى ذلك، يجعل خطاب سياتل واضحاً أنه لا يعدّ البيض منتصرين، لأنه يدرك أن أفعالهم الخاطئة بدأت بالفعل تقوّض هذه النجاحات المؤقتة. وهو يوكد من جديد أهمية السلوك، لأنه لا أحد غير المتعصبين العميان سينكر أننا جميعاً والعالم الذي نعيش فيه نتاج أفعالنا. وإذا كنا نُهزَم، فذلك فقط لأننا نجعل من أنفسنا ضحايا لأفعالنا، الجسدية والعاطفية والفكرية.

وفي هذا الصدد ينبغي أن يُفهم أن سياتل وشعبه خسروا معركة واحدة فحسب، لكن الأمريكيين البيض في هذه المعركة سقطوا ضحايا للإحساس بتفوقهم وللجشع ولعدم احترام الحياة؛ وعلى الرغم من أن سياتل وقبيلته اضطرا إلى مفارقة كل ما كان عزيزاً عليهما، فإن البيض ما زالوا يواصلون حتى الآن دفع الثمن لأنهم صاروا ما يُسمى «المنتصرين»، والضحية الحقيقية في ذلك اليوم لم يكونوا ذوي البشرة الحمراء، بل ذوي الوجه الشاحب.

لا شيء في الكون يُمنح مجاناً. لكل شيء ثمنه.
للهزيمة في المعركة ثمنها، وللانتصار فيها ثمنه. ولهذا السبب من السخيف تماماً أن يعدّ المرء نفسه ضحية إذا كان في حقيقة الأمر مضطراً ببساطة إلى دفع ثمن الهزيمة في معركة. وكما سبق أن قيل، فإن مبدأ التقسيم إلى منتصرين ومهزومين لا معنى له على الإطلاق بالنسبة للمحارب الحقيقي، أي لمن يعترف بترابط كل ما هو حي ويدرسه.

الأمر الوحيد المهم بالنسبة للمحارب هو مدى تكامل فعله. لا يهم المحارب سوى ذلك، وذلك وحده هو معركته.

ينظر المحارب إلى أي اشتباك بوصفه معركة من أجل النقاء الذاتي. فإذا نجح دائماً في الحفاظ على نقائه الذاتي، فإنه ببساطة لا يستطيع أن يُهزَم، حتى لو خسر بعض معاركه. ولهذا السبب لا يستطيع المحارب أن يعدّ نفسه ضحية للمضطهدين، لأنه يفهم تماماً أنه لا يمكن أن يصير ضحية من هذا القبيل إلا إذا آثر أن يفكر ويتصرف كما لو كانت أفعال إخوته قادرة على أن تملك سلطاناً عليه وتحوّله إلى ضحية.

غير أن الاستغراق في مثل هذه التصورات والأفعال غير مقبول على الإطلاق بالنسبة للمحارب. وبدلاً من ذلك، يفضل المحارب أن ينظر إلى أفعال إخوته بوصفها مصدراً غنياً لفرص تطوير نقائه الذاتي.

هذا مبدأ بالغ الأهمية، وفهمه الكامل ضروري تماماً لكي يتمكن القارئ من الاستفادة الحقيقية مما سيلي من عرض. فعلى مدى قرون طويلة، اضطر عدد هائل من الناس وشعوب بأكملها إلى أن يختبروا قسوة أناس آخرين، ومع ذلك يُظهر مثال سياتل وقبيلته أن للإنسان دائماً خياراً في الموقف الممكن من مثل هذه الحالات. يمكن للمرء أن يركز على أفكار عن نفسه بوصفه ضحية، ولكن في المقابل يمكنه أن يولي اهتمامه الأساسي للنقاء الذاتي للروح المحاربة.

غير أن الإنسان لا يستطيع أن يتبع طريق المحارب إذا واصل بإصرار اعتبار نفسه ضحية أو الإيمان بعجزه أمام قوى الخصم غير المتكافئة. فكل تجارب الحياة تنشأ لكي يتمكن الإنسان من إدراك المعنى الحقيقي لهبة الحياة التي لا تُقدَّر بثمن، وأن يتحمل تلك المسؤولية الهائلة التي يجلبها مثل هذا العلم.

ويظل هذا صحيحًا بصرف النظر عما إذا كان الإنسان يعدّ نفسه من «المهزومين» أو من «المنتصرين». وهكذا، فإن أراد بلوغ كمال روح المحارب، فلا يمكنه أن يسمح لنفسه بإدراك ظروف الحياة إدراكًا سطحيًا — بل عليه أن يبحث عن هبات القوة التي تحملها هذه الظروف في طياتها.

على ما يبدو، لم يحدث اليوم، بعد مئة وأربعين سنة من خطاب سياتل المؤثر، تغيّر يُذكر — على الأقل للوهلة الأولى. فالإنسان ما زال أنانيًا متمركزًا حول ذاته، وطمعه ما زال نهمًا لا يشبع كما كان من قبل. ومدفوعًا بهذا الطمع، يواصل الإنسان استنزاف الثروات الطبيعية لكوكبنا واستغلال إخوته وسائر المخلوقات، من دون أن يفكر إطلاقًا في العواقب المحتملة.

هذه العواقب قد تجلّت منذ زمن طويل، وهي الآن لا تتراكم فحسب بوتيرة متسارعة، بل تقترب أيضًا على نحو مخيف من النقطة الحرجة. وعندما تُبلغ هذه النقطة، ستجلب هذه العواقب على الإنسان كوارث محددة تمامًا، لأنه، كما حذّر سياتل، «واصلوا تلويث مضجعكم، وستختنقون ذات ليلة في قمامتكم».

لا سبيل البتة إلى الإخلال بالتوازن الدقيق لكل ما هو حي مع تجنب العواقب الوخيمة في الوقت ذاته. وقد استوعب ذلك كل تولتيك جيدًا منذ زمن أتلانتس. ففي تلك العصور السحيقة أخلّ الأتلانتيون بتوازن الطبيعة إلى حد أن أتلانتس دُمّرت في نهاية الأمر بكارثة طبيعية. وفي أيامنا هذه يخرّب الإنسان المعاصر توازن الحياة بقوة تجعل كوارث لا تُصدّق ولا رجعة فيها تلوح في العلاقات بين كل ما هو حي.

حقًّا، لقد وصف الإنسان دائرة كاملة، والآن ما بدأ في زمن أتلانتس سيبلغ خاتمته حتمًا. غير أنني، رغم المعنى الحرفي لهذه التصريحات، لست نبيًّا بنهاية العالم على الإطلاق. بل على العكس، أنظر إلى الفترة المعاصرة باعتبارها مقدمة لأكثر الاختبارات إثارة التي واجهتها البشرية يومًا.

لو لم يتجه البشر إلى هذا الطريق المحزن لتدمير الذات، ولو لم يزجّوا بأنفسهم في هذه الزاوية المسدودة التي لا تترك خيارًا، لما نشأت أمامهم تلك الفرص المذهلة التي تظهر اليوم.

طبيعة الإنسان أنه لا يغيّر طريقة تفكيره أبدًا حتى تصبح حياته نفسها في خطر. وهذه السمة الإنسانية العامة تمثل إحدى نتائج التطور الملحّ للعقل العقلاني — ذلك التطور الذي قاد الإنسان إلى الإدراك التدريجي لقدراته الكامنة الشبيهة بالآلهة على البناء والتدمير، وإلى الإغراء الذي تبعه بتجربة كلٍّ منهما.

ومن جهة أخرى، ينبغي أن نفهم أنه لا حيلة في هذا؛ ففي محاولاته تعلّم المشي يسقط الطفل الصغير مرارًا ويتعرض للرضّ — وكذا كان لا بد للبشرية أن تمر عبر كثير من الأحداث المؤلمة التي بلغت ذروتها في الحالة الراهنة لعالمنا. هذا هو الثمن الذي كان لا بد من دفعه لكي يتعلم الإنسان التفكير بنفسه وأن يأخذ بجدية وحزم في تنمية إمكاناته الكامنة.

وهكذا فإن هذا الكوكب المشوّه، واستنزاف ثرواته الطبيعية، والإبادة القاسية للحيوانات، والسلوك اللاإنساني للإنسان تجاه إخوته، والدمار الذي خلفته الحربان العالميتان، كلها تمثل نتائج مسيرة البشرية على طريق التطور.

مع أن حُرّاس العرق يملكون قوة كافية، وكان في وسعهم تمامًا منع مثل هذه الأفعال القاسية. فإنهم يفضلون عدم التدخل، والتنحي جانبًا، والسماح للبشرية الفتية بالنمو بنفسها. لقد عرف التولتيك دائمًا أنه، رغم أن لا أحد منا، بمن فيهم حُرّاس العرق أنفسهم، يملك الحق في تقييم أفعال البشر، علينا أن نرضخ لفهم أن هذا هو السبيل الوحيد القابل للحياة لتطور البشرية.

رغم أن أي تولتيك يدرك تمام الإدراك العواقب المفزعة لهذا القرار الذي اتخذه حُرّاس العرق، فإننا نعلم أيضًا أن عواقب قرارات أخرى كانت ستكون أشد كارثية. كانت تلك في المعنى الحرفي للكلمة حالة يُضطر فيها المرء إلى الاختيار بين شرّين، لكننا، استنادًا إلى تجربتنا الشخصية، لم نشكّ قط في حكمة القرار الذي اتخذه الحُرّاس.
يجب أن نفهم أن تطور الوعي بلغ مستوى يبدأ فيه الإنسان بتعلم التفكير بنفسه، ونتيجة لذلك بالكشف عن إمكاناته الكامنة الحقيقية. وعندما حدث ذلك، بدأ تطور الوعي يتحرك بسرعة أكبر مما كان متوقعًا، وواجه حُرّاس العرق والتولتيك فجأة تلك الاختبارات التي أثارها بلوغ البشرية سن الرشد.

وأصبح أهمها مسألة كيف يمكن على أفضل وجه إعداد الإنسان لدخول حيازة إرثه المذهل عندما يحين الوقت المناسب. ومن الطبيعي أن على البشرية، لكي تدخل في هذه الحقوق الموروثة، أن تتحمل مسؤولية هائلة عن قدرتها الفطرية على البناء والتدمير، وهي جوهر طبيعتها الغريزية. وإذ أدرك الحُرّاس هذه الحقيقة إدراكًا كاملًا، فقد فهموا أنه لم يكن أمامهم في الواقع خيار آخر غير الطريق الذي قرروا أن يسلكوه.

ومهما كانت عواقب قرارهم فظيعة، ينبغي أن نفهم أن حتى حُرّاس العرق لا يقدرون على تغيير الطبيعة الغريزية للإنسان. بل حتى لو كان ذلك في مقدورهم. لما رأوا من المقبول مثل هذا التدخل الجاهل، وهذا الخرق الفجّ لحقوق الإنسان، لأنهم جميعًا بلا استثناء مخلصون لطريق الحرية. وكل ما استطاع الحُرّاس فعله، حين واجهوا المآل الحتمي لتطور الإنسان، هو أن يتخذوا قرارًا بالتنحي جانبًا والسماح للتطور بأن يسير في مجراه الطبيعي.

والآن، إذ نراقب تطور الوعي في مجمله، من السهل جدًا فهم حكمة القرار الذي اتخذه الحُرّاس. وفي الوضع العالمي القائم، يبدأ الناس في العالم كله بالتشكيك في كل ما كانوا يقبلونه من قبل على أنه نقد صحيح، من دون أي تفكير. فالناس العاديون يستيقظون ببطء لكن بثبات، ويدركون أن الإنسان ظل طوال حياته يحاول التهرب من المسؤولية، وكان دائمًا راضيًا بأن يسلّم قوته إلى «أخ أكبر» ما، تتعارض مصالحه الخاصة بوضوح مع احتياجات الناس. وقد أصبح الفساد منتشرًا إلى حد بعيد في جميع مجالات النشاط البشري حتى إن الناس باتوا يعتبرونه ظاهرة طبيعية. والأنظمة السياسية القائمة في العالم ذات سمعة سيئة بسبب تجاوزاتها الفجّة في السلطة وبسبب الأموال التي لا تعود إلى السياسيين.

بسبب إحساسهم المفرط بأهميتهم الذاتية وشعورهم بالسلطة العليا، فقدت الأنظمة القانونية منذ زمن طويل كل الاعتبارات السليمة عن العدالة الحقة. فالعاملون في التعليم يهتمون بسمعة المدارس والمعلمين أكثر من اهتمامهم بالتنوير الحقيقي ورفاهية الطلاب. والرجال الدينيون مسؤولون أيضًا عن نشر تلك التفسيرات والفلسفات التي يبدو أنها تفترض أن جميع الناس يولدون ناقصي القدرات العقلية. وحتى في المؤسسات العلمية والطبية يوجد عدد كبير جدًا من «المتخصصين» الذين يتركون غرورهم يتغلب على واجبهم المهني.

في ظل هذه الظروف، يبدأ الناس العاديون في إدراك أن «الأخ الأكبر» ظالم أكثر مما هو حامٍ. ولكن ما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟

في الواقع، الجواب على هذا السؤال بسيط ومباشر جدًا. نحن كأفراد، وكذلك العالم الذي نعيش فيه، نتاج أفعالنا، وإذا جرى تحويلنا إلى ضحايا، فإن ذلك يحدث فقط لأننا نجعل من أنفسنا ضحايا لأفعالنا. لهذا السبب، إذا لم يعجبنا ما يحدث، فعلينا أن نغيّر أفعالنا، وأي إنسان قادر على ذلك بسهولة.

من المهم أن نفهم أنه رغم أن الفرد بحد ذاته يبدو عمومًا عاجزًا جدًا عن تغيير النظام الحكومي أو، مثلًا، النظام القانوني لبلد بأكمله، فإن حتى إنسانًا واحدًا يمتلك قوة لا يمكن تصورها. الشيء الوحيد الذي يجعل الشخص عاجزًا هو اقتناعه بهذا العجز. والناس غير قادرين على تغيير أي شيء فقط لأنهم يؤمنون بإصرار بأنهم لن يتمكنوا من التغلب على نظام هو في الحقيقة تجسيد لأفعالهم. ونتيجة لذلك، يغرق الإنسان العادي في اللامبالاة بأبشع صورة، وهو بذلك يمنح ظالميه قوة أكبر.

لو كفّ كل إنسان عن الإيمان بأنه عاجز، وبدلًا من ذلك تحمّل المسؤولية عن حياته، مطالبًا من جديد بحقوقه في القوة، لأمكن أن تتغير الحالة في العالم المعاصر في غضون يوم واحد تقريبًا.

لتوضيح هذه الفكرة، لنستخدم تشبيهًا: لنقارن قوة الفرد بلهب شمعة. من السهل جدًا القول إن لهب شمعة واحدة يبدو بائسًا بالمقارنة، مثلًا، بقوة النظام القانوني لبلد بأكمله، لكن إذا اتحد جميع الناس في العالم الذين يشعرون بأن مثل هذه الأنظمة القانونية غير عادلة، فإن مجموع قوة ملايين الشموع سيصبح فلكيًا حقًا.

غير أن الناس، كما هو معروف، لا يتحدون أبدًا على هذا النطاق، ولذلك يستمرون بشكل غير مباشر في دعم كل ما يجلب لهم من الحزن الكثير. ولماذا يحدث كل شيء على هذا النحو بالضبط؟ فقط لأن الإنسان يفكر ويشعر ويتصرف انطلاقًا من اعتبارات الانفصال، وحيث تسود الفرقة لا يمكن أن يكون هناك لا وحدة ولا توحد. وهكذا، اقتنعنا مرة أخرى بأن أفعال الإنسان الشخصية هي التي تجعله عاجزًا وضعيفًا إلى هذا الحد.

لهذه الفكرة عواقب كثيرة — لا سيما الآن وقد بلغت البشرية ككل سن الرشد، لأن الإنسان المعاصر أصبح قادرًا على التفكير بنفسه. وبالطبع، يجب أن نشكر على ذلك تطور العقل العقلاني.

غير أن الآن، وقد أصبح لدى الناس هذه القدرة، من الضروري تحويل الخاصية الفاصلة للعقل إلى قدرة على التمييز. ومع ذلك ينبغي أن نفهم أن القدرة الحقة على التمييز لا علاقة لها بالأفعال الجائرة القائمة على أحكام مسبقة عنصرية أو غيرها من الأحكام المسبقة التي يرتبط بها هذا المفهوم؛ بل على العكس، تعني هذه القدرة تمييز الإنسان للقيم بوضوح. وما كان يُسمى حتى الآن إقامة الفروق كان يعني في الحقيقة عواقب الانفصال المتحيز.

إن تحويل الانفصال إلى قدرة على التمييز ضروري حيويًا لكي يتعلم البشر كيفية التعامل مع تلك الاختبارات المرتبطة بدخولهم في حقوق ميراثهم. وإذا لم يتعلم الإنسان التمييز بحكمة، أي فرز الصادق من غير الواقعي، والحقيقة من الكذب، وما يمنح القوة من القامع، فإن إرثه سيجد نفسه بلا شك في أيدي «الأخ الأكبر».

وإذا حدث ذلك، فسيشهد العالم إساءة استخدام للقوة وقمعًا لم يُرَ له مثيل حتى الآن، لأن تعاليم التولتك تمثل منظومة لا حدود لها حقًا وقوية، وهي، مثل كل شيء آخر، قد تتشوه بشكل مروع وتُستخدم لأغراض سيئة. وإذا استمر الناس، الآن وقد بدأت هذه التعاليم تنكشف، في الانصياع لامبالاتهم وإحساسهم بعجزهم، فإن الإرث الذي يملكونه بحق سيُستخدم كسلاح ضدهم أنفسهم من قبل تلك المنظمات ذاتها التي كان يُفترض أن تحمي الإنسان.

بالمناسبة، لا ينبغي للقارئ أن يهدهد نفسه بإحساس أمان زائف وأن يظن أن أهم المؤسسات الاجتماعية ستتجاهل تعاليم التولتك معتبرةً إياها حيلًا روحية. على العكس، سيدرك القارئ المتمرس سريعًا أن مثل هذه المنظمات تتكون من أفراد — أفراد لديهم ليس فقط منظومة معتقداتهم الخاصة، بل وطموحات شخصية ومخططات خفية أيضًا؛ وبالنسبة لهؤلاء الناس، فإن منظماتهم ليست سوى وسيلة لتحقيق أهدافهم.

يجب ألا ننسى أيضًا أن العديد من المؤسسات الأرثوذكسية نفت في الماضي علنًا اهتمامها بأي مجال، لكنها اعترفت لاحقًا بأن هذه النفيات كانت محاولة لإخفاء مهام خاصة أو تجارب في ذلك المجال.

بما أن هذا في مقدور التولتك تمامًا، فسيسعون إلى التأكد من ألا يقع إرث الإنسان في أيدٍ سيئة وأن يبقى إلى الأبد ذلك الذي يملكه جميع الناس بحق ولادتهم الإلهي. يمكن تحقيق ذلك جزئيًا بطريقة نقل التعاليم، لكن قدرات التولتك لها حدودها أيضًا. فهم لا يستطيعون تحمل المسؤولية عن
لامبالاة الناس. إذا لم يبدأ الناس أنفسهم بالإيمان بذواتهم، ولم يرغبوا في النهوض والوقوف على أقدامهم ليصبحوا محاربين، فلن نستطيع فعل أي شيء، لأن الشخص لا يمكن إجباره على المطالبة بحقوقه في القوة.

وفي هذا الصدد، فقد تحقق الكثير مما يمكن فعله من قبل البشرية نفسها بعد أن اتخذ حراس الجنس البشري قرارًا بالغ الأهمية بالتراجع إلى الظل والسماح للإنسان بالنمو بنفسه؛ وقد سرّعت هذه العملية تطور الحالة في العالم، التي هي الآن كسيف داموقليس معلق فوق الرأس.

كل شيء جاهز للفعل، ولم يبق الآن سوى شيء واحد ضروري: أن يبلغ الناس في العالم كله درجة كافية من اليأس ليبدؤوا بالإيمان بأنهم قادرون على المطالبة بحقوقهم في القوة — وأن يفعلوا ذلك.

إذا تمكن الإنسان من مواجهة هذا الاختبار بشجاعة، فستنهار فورًا الحواجز السياسية والدينية والعنصرية، لأن الناس في كل مكان سيتوحدون بروح الديمقراطية الحقة ليعلنوا: «كفى! نريد أن نستعيد قوتنا وأن نحدد بأنفسنا كيف سيكون العالم الجديد والحياة الجديدة». هذا هو مفترق الطرق الذي تحدثت عنه كتاب «عودة المحاربين» — فرصة مذهلة حقًا تنفتح أمام كل إنسان للمطالبة بحقوقه في القوة والحرية وفي ما يملكه بحق ولادته الإلهي.

إن حراس الجنس، ونحن التولتيك، نؤمن إيمانًا راسخًا بأن الناس العاديين مستعدون بالفعل لقبول ميراثهم والمطالبة بحقوقهم في القوة. هذه هي اللحظة التي حلموا بها ودعوا من أجلها ما دامت لهم ذاكرة، والتي عمل من أجلها محاربو الحرية والحراس.

هذه ساعة قوة البشرية، هذه صرخة العُقاب — لحظة عابرة من الفرصة لا يستطيع الإنسان ببساطة أن يسمح لنفسه بإهدارها.
التولتيك مستعدون للقيام بدورهم وتقديم أي مساعدة في وسعهم، لكن عليّ أن أطرح على القارئ سلسلة من الأسئلة.

هل أنتم مستعدون لقبول ما نعرضه عليكم والاستفادة منه؟

هل أنتم مستعدون للتخلي عن الحياة في الأغلال وتحقيق الحرية؟ هل تريدون أن تستبدلوا العجز بالقوة؟

هل تريدون أن تصبحوا منتصرين، لا مهزومين؟

هل ترغبون في مفارقة حياتكم المملة والمعتادة من أجل رحلة مشرقة من الأمل؟

هل تريدون أن تنهضوا وتصبحوا تلك القوة التي يجب أن يُحسب لها حساب، بدلًا من أن تبقوا جزءًا غير ملحوظ من الحشد؟

هل تريدون أن تعيشوا، لا أن توجدوا فحسب؟

هل أنتم مستعدون لتحمل المسؤولية عن حياتكم، أم تفضلون أن تبقى قوتكم في أيدٍ غريبة؟

هل أنتم مستعدون للإيمان بأنفسكم؟

هل تريدون، بصفتكم أفرادًا، أن تؤمنوا بأن القوة ملك لكم منذ الولادة؟

وقبل كل شيء، هل تريدون تغيير أفعالكم، وتجاوز حدود الانقسام، والأخذ بأيدي من يحلمون بالحرية للجميع؟

إذا كنتم تعتقدون أن لديكم كل ما يلزم للنجاح، فانهضوا وقفوا إلى الجانب. كفّوا عن الاستسلام لأحاسيس العجز وانعدام الإرادة. فمهما كان الإنسان ضئيلًا وضعيفًا، فإن كل شخص يستطيع أن يفعل شيئًا، وأستطيع أن أؤكد لكم أن أصغر الإنجازات تحظى في زمننا هذا الذي يشهد حاجة ماسة بأهمية هائلة. إن تجاوز ذلك الاختبار الذي تواجهه البشرية سيتطلب كل إنسان بصرف النظر عن قدراته ومواهبه، — ولهذا السبب بالذات فإن هذه الفرصة غير مسبوقة تمامًا. وهكذا فإن الحد ليس السماء، بل فقط إيمان الإنسان بنفسه.

نحن لا ندعوكم إطلاقًا إلى بدء صراع مع الدولة أو حمل السلاح — بل نقترح محاربة التكييف الاجتماعي والتسلح بالرصانة والشجاعة وروح المحارب.

لا حاجة إلى حرب عالمية جديدة، بل إلى ثورة عالمية — ثورة في طريقة تفكير الإنسان ونظام معتقداته. لا حاجة إلى إسقاط الحكومات؛ على الناس في العالم كله أن يطالبوا فقط باستعادة قوتهم وألا يودعوها بعد الآن لدى أنماط غير شريفة مشغولة حصرًا بطموحات شخصية وتستخدم لهذا الغرض مفهوم الديمقراطية.

الأمر ليس إبادة النظام القانوني، لأن البشرية في هذه الحالة ستعمها فوضى لم تُرَ من قبل؛ في الحقيقة على الناس فقط أن يشككوا في تلك العقائد التشريعية المتقادمة بشكل مذهل التي تستند إلى التكييف الاجتماعي للإنسان.

علينا أن ندرك القانون الكوني ونتبعه، لكن لا يوجد في الوقت ذاته أي مبرر لإنزال ظلم فادح وإذلال بالفرد عبر قوانين اخترعها الإنسان نفسه وقائمة على الجهل والتحيز، — ولا سيما تلك القوانين الشائعة التي تنتهك دستور البلاد وإعلان حقوق الإنسان فيها.

وبالمعايير ذاتها ينبغي مقاربة جميع مجالات النشاط البشري الأخرى — الدين والعلم والتعليم والطب، لأن الممارسة القانونية ليست سوى انعكاس للحال في هذه المجالات.

حان الوقت لأن يتوقف الناس في العالم كله عن إيداع حياتهم ومستقبلهم لدى ما يسمى «المتخصصين»؛ علينا أن نبدأ باستخدام قدرات التفكير والتمييز بأنفسنا.
كل هذا مرتبط بنسبة مئة في المئة بمسؤولية كل فرد، بحيث لا يستطيع إلا الإنسان نفسه أن يطالب بحقوقه في قوته. لن يفعل ذلك أحد آخر عنا أو باسمنا.

إذا استجاب الناس في العالم كله لتلك الفرصة التي تنفتح أمامنا عند هذا المفترق، فسنرى جميعًا ما يسميه التولتيك معرفة التنانين وقد تحقق في الحياة.
ليس من السهل وصف مفهوم معرفة التنانين بمصطلحات عقلانية؛ يكفي أن نقول إنه يمثل نتيجة تفعيل ذلك الجزء من الوعي الذي يُسمى القدرة على التمييز. تنبع معرفة التنانين من الرصانة، وتنتهي بما لا يمكن تسميته إلا تعبيرًا أصيلًا عن الإمكانات الشبيهة بالإله لدى الإنسان بوصفه كائنًا سحريًا في الكون.

جعلت التصورات الخرافية والأوهام الإنسان يعتقد أن السحر يتحقق بعملية خارقة للطبيعة، لكن الأمر ليس كذلك. ينشأ سحر الإنسان بفضل تجلي الرصانة، التي تؤدي في النهاية إلى فعل النيّة. ولهذا السبب فإن ما يبدو لغير المطلع سحرًا ليس في حقيقته إلا فعل النيّة — تلك القدرة الكامنة الملازمة لأي إنسان، حتى الطفل.

ينبغي أن ندرك أن الحمقى وحدهم يجمُدون في خشوع وهم يراقبون من يُظهر إمكاناته الكامنة. لا يقف أي عاقل، كأبله القرية، محدقًا في لاعب تنس محترف وهامسًا بعض التفاهات عن «الخارق للطبيعة». يمكننا أن نصفق بإعجاب وابتهاج لمهارة لاعب التنس وتدريبه، أما النظر إلى مهارته بوصفها شيئًا خارقًا للطبيعة فلن يعني سوى الجهل المحض.

تمثل معرفة التنانين تعبيرًا عن الطبيعة الحقيقية للإنسان. غير أن التحول إلى لاعب تنس محترف يستلزم سنوات طويلة من التدريب المثابر — وبالمثل، لبدء اكتشاف الطبيعة الحقيقية للإنسان حياة كثيرة من إعداد أشق.

غير أنه ينبغي إدراك أيضًا أن البدء لا يمكن أن يكون إلا من المكان الذي نقف فيه الآن، وإن لم نخطُ الخطوة الأولى فلن نبرح هذا المكان أبدًا. وهكذا، على الرغم من أن الطبيعة الحقيقية للإنسان قد تبدو الآن شيئًا غامضًا يقع «في مكان ما هناك»، فإن اللحظة الراهنة هي بالذات بداية الإنسان الأصيل، لحظة ميلاد نجم جديد.

إن أعظم الكائنات العاقلة، التي تتجلى من حين لآخر في تلك المساكن التي نسميها النجوم، تبدأ وجودها الفيزيائي باستخدام نيّتها لجمع الغازات الباردة والمخلخلة حولها. ثم، باستخدام ذلك الجانب من نيّتها الهادف الذي يُسمى في العلم قوة الجاذبية، تبدأ هذه الكائنات في تجسيد ما سيصبح نجمًا من تلك الغازات.

الإنسان الأصيل، العالم الصغير في العالم الكبير، هو في الحقيقة كائن شمسي. سيبلغ الكائن البشري يومًا ما في تطوره ذلك المستوى الذي ستتمكن فيه طبيعته الداخلية الحقيقية من التجلي في الحياة على المستوى الفيزيائي الكثيف، — وعندئذ، مثل سلفه، سيبدأ اللب الداخلي للكائن البشري في توجيه نيّته وجمع ما يُسمى ضباب معرفة التنانين حول نفسه. تلك هي بداية ميلاد الإنسان الأصيل — الكائن السحري الذي يمتلك كل الإمكانات الكامنة، وكل قوة نجم حقيقي.

كما سبق أن قيل، كل شيء جاهز للبداية: البشر في مجملهم مستعدون بالفعل لبدء مسيرتهم، لكن لا ككائنات بشرية، بل كبشر حقيقيين، كنجوم في الكون.

استجابةً لنية البشرية، بدأت الضباب تتكاثف بالفعل؛ فلم يعد ممكنا إيقاف مدّ التطور، لكن هذا التطور، شأنه شأن عملية ولادة نجم، غير مستقر إلى حد لا يُصدق، ولذلك قد تكون له عواقب خطيرة، تماما كما هي الحال في الفترة الحالية من تاريخ البشرية التي تشير إلى اقتراب الأزمة. ولهذا السبب بالضبط تصبح القدرة على التمييز في الوقت الحاضر بالغة الأهمية — فنجاح هذه الولادة يعتمد كليا على الفرد البشري.

لفهم كل ما قيل أعلاه فهما كاملا، ينبغي ألا ننسى أن هناك حياة واحدة ووعيا واحدا فقط. كل شخصية هي جزيء من هذه الحياة الواحدة والوعي الواحد. بعبارة أخرى، كل إنسان يشبه جزيئا من غاز — فجزيء واحد كهذا لا يمكن أن يصبح نجما لسبب بسيط هو أن الميكانيكا المرتبطة بتكوين النجوم تتطلب تفاعل عدد لا يعبر عنه من الجزيئات. والأمر نفسه ينطبق على الإنسان، ولهذا بالضبط يمتلك حالمو البشرية وعيا جماعيا حصرا.

لا يمتلك الوعي الجماعي الحقيقي أي شيء مشترك مع تلك المشكلات الأخلاقية التي يربطه بها معظم الناس، فأساساته تقوم على التعاون العاقل المستند إلى التكافل والتفاعل، وبالتالي إلى الترابط بين كل الكائنات الحية. وهو لا يعني إطلاقا أن الشخصية لا تستطيع أبدا أن تصبح إنسانا حقيقيا مستقلا، بل على العكس، لكي تحقق ذلك، يجب على الشخصية أن تنبذ تصورات الانفصال وأن تنصهر في الوعي الجماعي. ولهذا السبب يُولى في هذا الكتاب اهتمام كبير لتلك الخطوات التمهيدية التي تؤدي إلى الوعي الجماعي وتكون ضرورية تماما للتحول إلى إنسان حقيقي، وبالتالي لكل أشكال السحر الحقيقي.

بعد توضيح كل هذا، أستطيع أن أحكي بمزيد من التفصيل عما قصدته بالضبط حين أكدت أن التولتك سيفعلون كل ما في وسعهم لكي لا تُستخدم تعاليم التولتك أبدا سلاحا ضد أفراد أو جماعات، مع بقائها في الوقت نفسه ملكا للجميع ولكل واحد.

ما قيل أعلاه كافٍ تماما لفهم أن لدى كل شخصية فرصا حقيقية تماما لتحرير قدراتها الكامنة الحقيقية، لكن في الحالات التي يتم فيها ذلك بقوى الشخصية نفسها حصرا، تنشأ حتما إغراءات إساءة استخدام القوة المكتسبة. ومع أن الحصول على مثل هذه القوة يتطلب شكلا أو آخر من الوعي الجماعي، ينبغي فهم أن هناك أشكالا كثيرة من هذا القبيل، كما أن هناك دوافع كثيرة تدفع إلى السعي وراء القوة.

بعبارة أخرى، الوعي الجماعي بحد ذاته لا يضمن الإيثار ولا الغياب التام للضرر. والشكل الوحيد من الوعي الجماعي الذي يضمن الإيثار وسلامة أعضائه هو ذلك الشكل الذي يستند إلى اتحاد الإنسان من جديد بجوهره الداخلي، ذلك أن حالمي البشرية يدركون إدراكا تاما تلك الأخطار المرتبطة بالأنانية.

وإدراكا لذلك، يرفض جميع محاربي الحرية في أيامنا هذه بازدراء أي جوانب من تراثهم الواسع من الممارسات التي تستند أو تفرض مجرد الإيحاء بالانفصال. وللسبب نفسه، فإن الشكل الذي أنقل به هذه التعاليم في كتبي يضمن أن القارئ سيضطر، لكي يستفيد منها استفادة حقيقية، إلى اللجوء إلى الوعي الجماعي لحالمي البشرية.

إن نقل هذه التعاليم بأي طريقة أخرى سيصبح عملا غير عاقل بقدر ما هو، على سبيل المثال، محاولة إعطاء الأطفال قنبلة ذرية لإطلاق الألعاب النارية؛ لقد دوّى صرخة النسر بالفعل، وأصبحت الفرص التي انفتحت الآن أمام كل إنسان لا حدود لها حقا.

بدأت ضباب معرفة التنانين تتكاثف، وسأحكي في هذا الكتاب عن تلك الخطوات التمهيدية التي ينبغي اتخاذها في بداية الكشف عن قدراتك الكامنة الحقيقية. غير أنه لكي يستفيد القارئ من هذه التعاليم، عليه أولا وقبل كل شيء أن يحاول على الأقل استيفاء ثلاثة شروط.

أولا، عليك أن تبدأ بالإيمان بنفسك؛ وثانيا، أن تحاول التخلص من الإحساس بالانفصال؛ وثالثا، أن تنهض بروحك وتتحلى بالشجاعة وتضم يديك في تعبير صادق عن الديمقراطية الحقيقية المستندة إلى الوعي الجماعي الذي يولده التعاون العاقل، وهو بدوره يقوم على الترابط بين كل الكائنات الحية.

الجزء الأول
الحلم

في النوم العميق سيعوم أبناء البشر، ملامسين بين الحين والآخر بإيجاز القوة الواحدة، ومنزلقين أحيانا بجانب الرمح، لكنهم عادة لا يفهمون ما كانت عليه تلك اللقاءات العابرة التي كانت تومض في جوهرهم الأعظم. وبعد أن يفقدوا ذكرى ما يعنيه أن يكونوا بشرا، سيكون على أبناء البشر أن يوقظوا في أنفسهم من جديد القدرات على صنع المعجزات.

فعصرا بعد عصر ستظل السماء فوق أبناء البشر نقية وباردة، كأنها حلم رمادي عابس شبحي، ولن يلمع إلا نادرا في مكان ما شرار من الضوء، حين يستيقظ أحدهم ويتذكر جنون حلمه.

لكن… عند تذكر هذا الجنون، يكبر اللهب الصغير… يومض فجأة وبعنف… لهب ضئيل… نعم، ضئيل جدا… بالغ الصغر… ومع ذلك فهو لهب… أمل صغير في أن الحلم لن يستمر إلى الأبد.

ببطء… ببطء… كل وميض صغير من اللهب يكتنفه رذاذ ضئيل من الضباب… انظروا!… استجابة لهذه الجزيئات من الضباب، يبدأ النائمون في النوم بقلق!

من نبوءات بلا اسم


المسلمات الأربع للستالكينغ


شَقاء الوجود الإنساني يكمن في أن محدودية العقل المتناهي تجعله ينظر إلى ألغاز الكينونة بوصفها ظواهر يومية مملة لا شأن لها.

إن كون ضباب معرفة التنانين قد بدأت تتكاثف يثبت أن البشر بدأوا يدركون قدراتهم الكامنة الحقيقية، وإن كان ذلك يحدث حتى الآن على أعمق مستوى من الفهم، وهو المستوى غير الواعي. غير أنه إذا كان على الإنسان أن يطور كل إمكاناته الكامنة، فإنه يحتاج حتما إلى أن يشعر واعيا بهذه التغيرات العميقة، لأن ذلك سيتيح له فهم أنه يتعين على البشر استخدام أي اختبار، بما في ذلك الأحداث العالمية المعاصرة، وسيلةً لاستخراج قدراتهم الكامنة الخفية.

في الكتابين السابقين وُضعت الأسس اللازمة للحديث عن مبادئ أكثر تطورًا من تعاليم التولتكيين، وبات بالإمكان الآن البدء في وصف الأساليب العملية. وسنضطر مع ذلك إلى العودة إلى تلك التقنيات التي سبق الحديث عنها، لنتناول معناها الأعمق، لأنها هي التي تُنبِت الممارسات المتقدمة على طريق المحارب.
وبالنظر إلى هذا المعنى العميق، وإلى ما قيل في مقدمة هذا الكتاب، ينبغي إدراك ما يلي: إذا كانت البشرية تنوي التقاط لحظة الفرصة العابرة، فمن الضروري جدًا للإنسان أن يتحرر من نهجه العقلاني المتطرف في الحياة وأن يلتفت بأكثر الطرق وعيًا ومعنى إلى لغز كينونته.

يكمن المعنى الحقيقي لمفهوم «الفرصة» في فهم تلك الإمكانات الكامنة في هذا الاختبار أو ذاك؛ والتقاط لحظة الفرصة العابرة يعني في جوهره تحقيق أقصى استفادة من تلك الإمكانات. والقدرة على التقاط لحظة الفرصة العابرة تعني الفعل والتحقق معا، ولأن ذلك يتطلب قوة، فمن المناسب تماما أن أبدأ هذا المجلد بالشمال — اتجاه القوة والفعل والتحقق في نهاية المطاف. غير أنه لأن الشمال هو بطبيعته أيضا ميدان معركة المحارب، فإن التوجه إلى هذا الجانب من العالم يستلزم دائما الدخول في المعركة، وهذا يتطلب استخدام درع المحارب.

سبق أن وُصِف طابع مبدأ استخدام درع المحارب ومبادئه في كتاب «عودة المحاربين»، ولكن بما أن ذلك السرد كان مقدمة موجزة، علينا أن نعود إلى هذا المبدأ المهم وأن ننظر فيه بعمق أكبر. من الضروري أن نفهم أن استخدام درع المحارب ليس على الإطلاق ما يبدو عليه للوهلة الأولى، لأن جميع أعمال المحارب ذات طابع استراتيجي. وينبغي أيضاً إدراك أن جميع الاستراتيجيات هي في الواقع تقنيات (تكون مركبة أحياناً)، وكل تقنية من هذا القبيل هي أداة متعددة الأغراض تسمح بتطبيقات متنوعة. وهذا ينطبق بوجه خاص على درع المحارب؛ فمع أن تطبيقه الظاهر مشروح في «عودة المحاربين»، فإن أحد أعمق أشكال استخدام درع المحارب يؤدي إلى اللافعل، وهو ما يرتبط بالطبع بفن التتبع. إن فن التتبع سر من أسرار القلب، وعند التأمل في ماهيته الحقيقية يتضح سبب اعتبار هذه التقنية واحداً من الفنون الثلاثة اللازمة لسلوك طريق المحارب. وعند إخضاع التتبع لفحص أدق، من المهم أن نفهم أن أساساته تكمن في فعل الإدراك، أحد أعظم الألغاز المعروفة للإنسان.

على الرغم من أن معظم الناس يعتبرون فعل الإدراك عملاً عادياً تماماً، فإن هذه الظاهرة البالغة الأهمية أثارت دائماً اهتمام التولتك، الذين أدركوا أنها تنطوي على مفتاح كوني لجميع تجليات القوة الحقيقية. فلماذا يدرك أشخاص مختلفون الحدث نفسه بطرق مختلفة، ولماذا يستطيع بعض الناس إدراك شيء لا يلتفت إليه آخرون، هذان سؤالان فقط من بين عدد هائل من الأسئلة التي شغلت أكثر العرّائين خبرة من التولتك جيلاً بعد جيل. ومع ذلك، وعلى الرغم من أشد الأبحاث تفانياً، لم يقترب التولتك المعاصرون من كشف سر الإدراك كثيراً عما كانوا عليه في فجر عملهم. لم يتمكنوا إلا من تحقيق براعة أكبر في أفعال الإدراك، ونتيجة لذلك راكموا خبرة هائلة، وبالتالي معرفة هائلة؛ غير أن حل لغز هذه الظاهرة الأساسية ذاتها لا يزال يفلت من كل إنسان.

بما أن فعل الإدراك يتضمن لغز النية، فهو نفسه لغز أيضًا. وتفاعل هذين السرّين يولّد ضباب المعرفة التابع للتنانين.

كما يؤكد هذا القول المأثور، فإن سبب عدم تمكن العرّائين من التولتك من حل لغز الإدراك بعد يكمن في أنه مرتبط بتلك القوة الغامضة التي تُسمى النية. وهكذا، فهذا حرفياً مثال على لغز داخل لغز: أحدهما يتفاعل مع الآخر ويولّد عندئذ سراً ثالثاً، ألا وهو تلك الظاهرة التي أطلق عليها التولتك اسم ضباب معرفة التنانين.

سبق في مقدمة هذا الكتاب أن ذُكِر أن معرفة التنانين ليس من السهل التعبير عنها في الفئات المنطقية التي يتطلبها العقل العقلاني للإنسان. في الواقع، من الأسهل في نواحٍ كثيرة بكثير إجراء استدلالات عقلانية حول فعل الإدراك، بل وحول قوة النية، مما هو الحال مع ضباب معرفة التنانين.

سبب ذلك هو أن مبدأ معرفة التنانين يمثل واحداً من تلك المفارقات الغريبة التي يولّدها العقل العقلاني نفسه، لأن هذا المبدأ يحمل معنى بالغ العمق، لكن في اللحظة ذاتها التي تُطبَّق عليه المنطق يبدأ فجأة في الظهور بمظهر غير عقلاني تماماً. ولهذا السبب، فإن كل ما قيل حتى الآن عن فن التتبع يتيح بسهولة فهم سبب اعتباره لغزاً. إن فعل الإدراك، الذي يبدو للوهلة الأولى منطقياً وعادياً جداً، هو في الواقع ثلاثة ألغاز في ظاهرة واحدة؛ ولأن التتبع ينبع من هذا السر الثلاثي، فلا يمكن إدراكه بالمعنى الحرفي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه لغزاً خاصاً.

لا يمكن حل اللغز بالنظر إليه من الخارج. فإذا أراد الإنسان أن يفك أي سر، فعليه أن يغوص فيه بكليته. لأنه بهذه الطريقة وحدها يستطيع أن يرسم خريطة المجهول.

المعنى الحرفي لهذا القول المأثور واضح بذاته، إذ يشير إلى أن أي لغز يعني المجهول، والمجهول لا يمكن أن يصبح معلوماً ما لم يبحث فيه الإنسان. وينطبق المبدأ ذاته على رسم خريطة لمنطقة مجهولة. فلكي يتمكن رسّام الخرائط من رسم مثل هذه الخريطة، عليه أن يوجد فعلياً في تلك المنطقة. غير أنه إذا كان التوغل المادي في منطقة مجهولة واستكشافها أمراً سهلاً نسبياً، فإن الانتقال إلى مناطق مجهولة في الروح البشرية مهمة مختلفة تماماً في صعوبتها، وهذا بالضبط ما يتيح تقدير عمق معنى القول المأثور المذكور.

يكمن مفتاح هذا المعنى العميق في عبارة «على الإنسان أن يغوص كلياً في هذا اللغز». هذا أحد المبادئ الأصعب على التلميذ فهماً، لأن مضمونه الحقيقي في الواقع لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. ونتيجة لذلك، يرتكب كل تلميذ في البداية خطأً بظنه أن الغوص الكامل في اللغز مجرد تعبير مجازي. غير أن التلميذ الموهوب يدرك بسرعة كافية أن المتتبعين، كقاعدة عامة، لا يستخدمون الاستعارات، ولكن حتى في الحالات التي يضطرون فيها إلى ذلك، تكون هذه الاستعارات دائماً تعبيرات عن واقع مجرد يتجاوز حدود العقل المحدود. وهكذا، فإن عبارة «يغوص كلياً في اللغز» تتجاوز بكثير المعنى العادي لمفاهيم «الغوص» أو «الاهتمام العميق» أو «توجيه كل الأفكار». في الحقيقة، تحمل هذه الكلمات في طياتها مفتاح فن التتبع الحقيقي، وبوجه خاص فن تتبع الذات، أي اللافعل.
من اللافت بشكل خاص أنه عندما يتعلق الأمر باللافعل، فإن التلميذ عادةً يدرك هذه التعاليم بالمعنى الحرفي، وهكذا يقع في فخ الفهم المفترض. وكما هو الحال مع جميع المبادئ والتقنيات الأخرى، لا يمكن الحديث عن اللافعل إلا في فئات عقلانية.

لا يمكن لكل إنسان إلا أن يبدأ من المستوى الذي يوجد فيه في اللحظة الراهنة؛ ولأن جميع التلاميذ يبدأون من مستوى الانحصار الكامل في منطق العقل العقلاني، فمن الطبيعي تماماً أن يتعاملوا في البداية مع هذه التعاليم من موقف عقلاني. وهذا ينطبق بوجه خاص على تلك التقنيات التي تؤثر في وعي الجانب الأيمن، لأن التلميذ يفترض دون وعي تقريباً أن من حقه تطبيق هذه الممارسات
عقله العقلاني فقط. فهو لا يخطر بباله ببساطة أنه لم يستوعب بعد تماماً الطبيعة الحقيقية لوعي الجانب الأيمن، لأن التلميذ يعتبر من المسلمات أن إدراكه الخاص المميز لوعي الجانب الأيمن لا بد أن يكون صحيحاً. ونتيجة لذلك، يُدرَك فن اللافعل حتماً بالمعنى الحرفي، ويثبت هذا الفهم لفترة طويلة.

إن التتبع وعدم الفعل كلاهما يؤثران فعلًا في وعي الجانب الأيمن، لكن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بإدراكهما إدراكًا حرفيًا. والسبب الحقيقي في تأثير هاتين التقنيتين في وعي الجانب الأيمن يتضح عند مزيد من التأمل في معناهما الأعمق، لكن يكفي الآن القول إن المعنى الحقيقي لكلا التقنيتين هو أنهما تؤثران في فعل الإدراك، الذي لا يستطيع معظم الناس ملاحظته إلا في حالة الوعي العادية.

ومع ذلك، وخلافا للناس العاديين، لا يرتكب المحاربون خطأ الافتراض بأن إدراكهم لأي شيء هو الواقع النهائي. فقد استوعبوا من تجربتهم الخاصة حقيقة أن فعل الإدراك يعكس دائما نظرة الإنسان إلى العالم، لذا لا يأخذون إدراكهم على أنه حقيقة خالصة، لأنهم يعلمون أنه مع أي تغيرات في النظرة إلى العالم تحدث تغيرات أيضا في الطريقة التي يدرك بها الإنسان العالم وذاته. ولهذا السبب يقبل المحاربون ما يدركونه وفي الوقت نفسه لا يقبلونه، ويصدقون إدراكهم دون أن يثقوا به. هذا هو عدم-فعل المحارب؛ وبفضل هذه الممارسة يتجنب الاستحواذ عليه بالمعنى السطحي للظواهر — سواء كان مسألة، أو تجربة ممتعة، أو تأكيدا من شخص آخر، أو سلوك المحيطين، أو مبدأ ما، أو تقنية من تعاليم التولتيك.

وبناء على ذلك، عندما يتعلق الأمر بأن على الإنسان أن يغوص كليا في لغز ما، يفهم المحارب دون ظل شك أنه واجه وصفا استعاريا لواقع ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. وإدراكا منه لذلك، يدرك المحارب أنه من الغباء التام طرح سؤال عن الكيفية التي ينبغي بها تحقيق ذلك — فلو كان ذلك قابلا للتفسير بالكلمات، لما نشأت أي حاجة إلى استخدام الاستعارة. وبدلا من ذلك، يمارس المحارب عدم-الفعل، أي يبدأ بتعقب إدراكه لهذا القول. وفي هذه اللحظة بالتحديد ينقلب العقل العقلاني للتلميذ حتما رأسا على عقب — وحتى دون أن يفكر في ذلك، يطرح التلميذ سؤالا غير مناسب: «كيف؟»

تعقب إدراك المرء ليس بالصعوبة التي يبدو عليها تفسير هذا الفعل. وبصفة عامة، ينطبق ذلك على كل ما يفعله المحاربون، لكن ما دام الإنسان لم يفهم كيف يُفعل ذلك بالضبط، يبدو هذا المبدأ بالغ التعقيد — ولكن فقط لأن العقل العقلاني يصر على تعقيد كل شيء. فبمجرد أن يفهم الإنسان كيف يُفعل شيء ما بالضبط، يكتشف أن المعقد لم يكن الفعل نفسه، بل تفسيره لمن يميل إلى تعقيد كل شيء. وقد وضع التولتيك إرشادات معينة للتلاميذ تتيح لهم أن يفهموا بأنفسهم ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. وتسمى هذه الإرشادات مسلمات أو مقدمات؛ وعادة ما تُقدَّم في مجموعات. والمجموعة من المقدمات التي تُعطى للتلاميذ عونا في دراسة معنى تعقب إدراك المرء تسمى مسلمات التعقب الأربع. وتُقدَّم تقليديا في صورة القول التالي:

ينبغي أن يُفهم أولًا أن العالم كله وما يتضمنه يمثل لغزًا لا نهائيًا؛
ثانيًا، أن واجب المحارب هو حل هذا اللغز، وإن كان عليه ألا يستسلم أبدًا لرجاء أن ينجح في ذلك؛

ثالثًا، يدرك المحاربون اللغز اللانهائي المحيط بهم، ويعدّون أنفسهم جزءًا منه، وإذ يعلمون أن واجبهم هو حل هذا اللغز، يصبحون متحدين معه؛

رابعا، وإذ يكونون متحدين مع هذا اللغز، يصل المحاربون إلى فهم أن أساس السر هو الغموض اللامتناهي لوجود كل الكائنات — الذرة، والحجر، والنبات، والحيوان، والإنسان، أو الكائن فوق البشري.

عند بلوغ هذا الوعي، يكتسب المحارب تواضعا حقيقيا، لأن الجميع متساوون في هذا اللغز الوجودي.

وغني عن القول إنه يصعب على التلميذ في البداية جدا أن يجسد هذه الإرشادات عمليا في حياته اليومية. فليس سهلا عليه أن يعتبر هذا العالم لغزا، لأنهم علموه أن كل شيء يقبل التفسير العقلاني؛ وليس سهلا عليه أن يعتبر نفسه جزءا من هذا اللغز، لأنه آمن طوال معظم حياته بأنه يعرف نفسه. وبالمثل، ليس سهلا عليه أن يعتبر الحشرة مساوية له، لأن في التلميذ رُبِّيت الثقة بأن البشر هم أعلى شكل من أشكال الحياة. غير أن التولتيك وضعوا مسلماتهم لهذه الأسباب بالذات. وإذ يدركون تمام الإدراك أن التلاميذ لا يستطيعون العيش وفق هذه المبادئ، ظل الناغوال منذ أزمنة لا تُحصى يتعقبون تلاميذهم ويدفعونهم إلى التعلم الحقيقي بمنحهم هذه المسلمات.

لفهم كيف تعمل، ينبغي إدراك أنه خلال الصراع من أجل تجسيد هذه المسلمات عمليا لا يبقى للتلميذ سوى خيار واحد: أن يسأل نفسه لماذا يفشل في ذلك مرة بعد مرة. وعندما يأتي مثل هذا التلميذ إلى ناغواله ويسأله لماذا لا ينجح في تجسيد هذه الإرشادات عمليا، يجيبه الأخير عادة بأن التلميذ ربما لا يرغب في الحقيقة في التغير، أو لعل طريق المحارب ليس طريقه ذا القلب. وإذ يواجه هذا التحدي، يبذل التلميذ فورا وفي يأس تام كل قواه ليقنع الناغوال بأن هذا مع ذلك طريقه ذو القلب، وأنه يرغب حقا في التغير. وبالطبع، فإن التلميذ في هذه الحالة لا يقنع الناغوال بل يقنع نفسه، وهذا يقوده إلى الأسس الحقيقية لكل الصعوبة. فلو لم يكن الناغوال مقتنعا بصدق التلميذ، لقطع تعليمه فورا، والتلميذ يدرك ذلك أيضا. ومن الواضح تماما أن الناغوال، بجعله التلميذ يواجه نفسه، يتعقبه. غير أن كل جمال هذه المناورة يكمن في أنه حتى إذا فهم التلميذ أنه يتعرض للتعقب، فإنه يدرك تماما أيضا أن المتعقب لا يكذب أبدا، ونتيجة لذلك يجد نفسه في وضع حرج، لأنه يقع ضحية سؤاله غير السليم.

لا يملك التلميذ الواقع بين نارين سوى احتمالين: إما أن يأخذ كلام الناغوال حرفيا (وفي هذه الحالة عليه أن يعترف بأن ما يعيقه فعلا هو انعدام الاجتهاد الواجب)، أو أن يفهم أنه يتعرض للتعقب (وفي هذه الحالة يسلّم بأن في إرشادات الناغوال حقيقة ما لا يزال لا يستطيع إدراكها). غير أنه أيا كان الخيار الذي يتخذه التلميذ، فسيؤدي ذلك على أي حال إلى أنه سيتعين عليه إعادة تقييم دوافعه وإنجازاته. وبقيامه بذلك مستقلًا وبمساعدة الناغوال، يبدأ التلميذ دون إرادة منه في تعقب إدراكه لذاته وللظروف المحيطة. وأخيرا، وإذ يدرك أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأخذ إدراكه على أنه حقيقة خالصة، يبدأ التلميذ في رؤية قناعاته وسلوكه في ضوء مختلف تماما. وبفقدانه الاطمئنان إلى أنه يعرف نفسه، يبدأ هذا التلميذ في التشكيك بلا رحمة كافية في جميع صفاته.

غير أن المعنى الحقيقي لهذه المناورة يمتد أبعد بكثير من كل هذه التفسيرات. فبمنحه التلميذ سلسلة إرشادات من المعروف مسبقا أن التلميذ لن يستطيع أبدا تنفيذها، يخدع الناغوال تلميذه خداعا فعليا: إذ يدفعه، أولا، إلى تعقب إدراكه، وثانيا، إلى أن يبدأ دون وعي تقريبا في اعتبار نفسه لغزا، وثالثا، إلى تكثيف ضباب المعرفة للتنانين حول نفسه. وينشأ هذا التأثير الثلاثي سواء لم يعرف التلميذ شيئا عنها مسبقا، أو كان واعيا تماما بأنه يتعرض للتعقب. وفي هذا تكمن معجزة العقل العقلاني للإنسان.

لقد أصبح العقل العقلاني في تطوره على قدر من الذكاء بحيث يقع بسهولة لا تصدق في فخ عقله الخاص. وبوجه عام، فإن العقل العقلاني «عقلاني» إلى حد أنه مستعد للتعاون مع مناورة كهذه إذا شُرحت له مسبقًا، لأن العقلانية يسهل خداعها بمنطقيتها الخاصة، وبإحساسيها بالخوف والغرور، حتى حين يعرف أنه فخ! وفي النهاية، فإن القدرة على الإيقاع بالعقل العقلاني في فخ بمساعدة ذكائه الخاص أو خوفه أو غروره هي بالضبط فنّ الستالكر الحقيقي. غير أن الإنسان ما زال لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يأخذ هذا على أنه حقيقة مسلّمة، لأن الستالكر لا يبلغ الإتقان إلا بالتمرّن على نفسه.

من المستحيل أن يتعلم المرء تتبّع الآخرين وهو لا يعرف كيف يتتبّع نفسه؛ ولهذا السبب، فبمجرد أن يبدأ التلميذ في فهم كيف يعمل عقله الخاص، وإلى أي حد يسهل الإيقاع به في فخ عبر الرغبة المرهقة والمثابرة في أن يكون في المقدمة، يصبح هذا التلميذ قادرًا على تتبّع الآخرين. والأهم من ذلك أن التلميذ، حين يبدأ في رؤية محدودية إدراكه الخاص وذلك الجدّ المفرط الذي يؤمن به الإنسان دائمًا بصوابه، يجد نفسه في الوضع الذي يتيح له أن يتتبّع إدراكه حقًا، وبالتالي عقلانيته الخاصة.

حين يتوقف التلميذ عن اعتبار إدراكه ثابتًا لا يتغير، يكتشف سريعًا أن مكافآت هذه الحرية تتجاوز بكثير كل الجهود التي استلزمها بلوغ هذا المستوى. أولًا، تبدأ الرغبة في تقييم أفعال الآخرين في التلاشي، ونتيجة لذلك لا يبدّد التلميذ وقته الثمين وقوته الشخصية في محاولات تبرير آرائه وأفعاله أو إدانتها. وبدلًا من ذلك يبدأ في فهم حماقته الخاصة، ومع هذا الوعي تأتي أيضًا القدرة الحقيقية على الضحك على نفسه. ثانيًا، إذ يدرك من تجربته الشخصية أن الناس كائنات غامضة حقًا، يتعلم التلميذ كيف يتخلص من القلق بشأن ما لم يبلغ فيه فهمًا كاملًا بعد. وببطء لكن بثقة، يدرك أن حياة واحدة لن تكفي أبدًا لحل أحجية وجوده الخاص حلاً كاملًا؛ وبعد ذلك يبلغ التلميذ تدريجيًا تلك الحالة الذهنية التي لا يمكن وصفها إلا بالصبر الحقيقي. ثالثًا، إذ يتأكد من فائدة التتبّع نفسه، لم يعد التلميذ يتمرّن على اللافعل — بل يبدأ في أن يحيا اللافعل، ويتعلم في أثناء ذلك أن المبدأ نفسه ينطبق على كل ما سواه مما يواجهه في طريق المحارب.
على عكس ممارسة التعاليم، فإن القدرة على الحياة بالتعاليم تمثل مفهومًا يكون الطالب أقل ما يمكنه أن يسمح لنفسه بفهمه فهمًا حرفيًا، لأن الحصيلة الكلية للقدرة على الحياة بالتعاليم تمثل ظاهرة غامضة تُسمى معرفة التنانين، وهو المبدأ الذي أعود إليه باستمرار، كما لاحظ القارئ الفطن. وأسهل ما يُفهم كل ذلك هو بالتفكير في القول التالي:

في البداية يبدو مبدأ المحارب للطالب مجرد مثَل أعلى رومانسي، ومع تقدم التدريب يبدأ الطالب في التخمين: هل يمكن أصلًا إنجاز كل المهام المطروحة أمامه؟ ونتيجة لذلك يفقد قناعته السابقة التي كانت ملازمة له في البداية. غير أن الطالب، إذ يفقد قناعته، يقع لا محالة في الفخ الذي أعده له ناغوال، ومن دون أن يدرك ذلك يبدأ في اعتبار طريق المحارب أسطورة. وفي اللحظة التي يدرك فيها ناغوال ذلك، يعرّض قناعة الطالب لشتى أنواع الاختبارات: فإذ لم يجد الطالب مخرجًا سوى خوض المعركة، يحاول بإصرار أن يقنع ناغوال بأنه يبذل قصارى جهده، لكنه بذلك يجد نفسه في فخ الأسطورة التي صنعها بنفسه. وإذ يقع في مطب هذه الأسطورة، يبدأ لا شعوريًا في أن يحيا بها سعيًا إلى أن يكون بلا عيب، ويظل يحيا بها إلى أن يصبح هو نفسه هذه الأسطورة.

بالنظر إلى كل ما قيل أعلاه، فليس من الصعب إطلاقًا فهم معنى هذا القول المأثور. كلنا ندخل طريق المحارب بعتادنا الخاص، وهذا العتاد لا يختلف كثيرًا عن عتاد إنسان آخر، لأن محتواه هو الأحكام المسبقة والتصورات الجاهزة المتراكمة بفعل التكييف الاجتماعي. وربما كان الأكثر ضررًا بين كل هذه الأمتعة هو الأمل في أن يُعلَّمونا كيف نصبح محاربين. فما دام التلميذ متعلقًا بهذه الفكرة، فإنه لا يتعلم تقريبًا أي شيء — أولًا، لأن التعاليم الحقيقية لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، وثانيًا، لأن القوة هي ذلك المعرفة التي لا يمكن استيعابها إلا بالتجربة الشخصية. علاوة على ذلك، بما أن التلميذ يأمل في أن يُعلَّم كل شيء، فإنه لا يجسّد التعاليم في الممارسة، بل يجلس ببساطة وينتظر حتى يسلّمه الناغوال التعاليم.

غير أنه ينبغي أن يُفهم أن المعرفة، شأنها شأن القوة، لا يمكن نقلها. فلكي ينال المرء القوة، عليه أن يستميلها عبر التجربة الشخصية. ولهذا السبب فإن كل ما يستطيع ناغوال أن يقدمه هو الإرشاد في كيفية استقبال اختبارات المرء على أفضل وجه واستخلاص عطايا القوة الخاصة به منها.

ربما كان هذا واحدًا من أصعب المواقف التي يواجهها أي تلميذ، لأن التلاميذ لا يرغبون في تصديق أن كل المعرفة وكل القوة التي يمكن أن يأملوا فيها يمكنهم أن يجدوها في الحياة اليومية. على أي حال، لا بد أن يأتي التلميذ إلى الناغوال آملاً في أن لديه عصا سحرية ما؛ فهم يتوقعون أنه في اللحظة التي يقرر فيها الناغوال أن التلميذ صار جاهزًا، سيُخرج تلك العصا السحرية ويحوّل التلميذ إلى محارب مهيب. للأسف! فرغم أن بعض الأشخاص غير الشرفاء يدعمون هذه الخرافة كي يفرّغوا محافظ تلاميذهم، فإن التولتكيين لم ينجحوا حتى الآن في العثور على عصا بهذه القوة، على الرغم من كل معرفتهم وقوتهم.

الناغوال كائنات قوية حقًا، ويمكنهم، بحسب أشكال التدريب المحددة، أن يمتلكوا قدرات غير عادية على الإطلاق. غير أن الناغوال، أيًا كانت قوته، لا يستطيع أن يستخدم قوته لتحويل ذلك التلميذ الذي لا يؤمن بنفسه. فإذا أراد الناغوال، يمكنه (وقد حدث هذا كثيرًا في الماضي) أن ينظم شيئًا أشبه بالجري المتواصل في دائرة حلبة السيرك، آملاً في أن يدفع ذلك التلاميذ إلى التعلم. وهو قادر على دفع التلاميذ إلى الوعي المتزايد وانتزاعهم منه، كأنه يلعب بلعبة يويو يابانية. ويمكنه أن يدهشهم ويخيفهم بأن يبدّل طقسًا مثيرًا بطقس آخر. وبمجرد رنين صوته يستطيع أن يزحزح نقاط تجمّع تلاميذه، فيصيبهم الدوار ويبدأون في الضحك أو البكاء. وهو قادر على تغيير إدراكهم بأن يشدّ انتباههم بنظرة فقط. وإذا أخفقت كل هذه الحيل، يمكن للناغوال أن يلجأ إلى قدراته كراءٍ فيبث في تلاميذه الخوف من الجحيم. لكن في النهاية، ورغم كل دهشة التلاميذ، ورغم أنهم سيجلسون في زاوية ليتهامسوا وهم حابسون أنفاسهم عن كل تلك العجائب التي شهدوها، ورغم كل ذلك، فإنهم لن يصبحوا أكثر حكمة قيد أنملة، وسيبقون كما كانوا من قبل عاجزين تمامًا.

في الواقع، لا يستطيع الناغوال أن يفعل لتلاميذه سوى شيء واحد: أن يوجّههم إلى دراسة قدراتهم الداخلية الخاصة، وأن يوضح لهم كيف يستفيدون من هذه القدرات كي يطالبوا بحقوقهم في القوة. لكن هذا لا يكون ممكنًا إلا حين يرغب التلميذ في البدء بالعمل على تغيير حياته، وبذلك يُحرّك تلك الجوانب من التعاليم التي تهمه في مرحلته الحالية. وأي جزء من التعاليم يُتلقّى ينبغي تجسيده في الممارسة، ما دام يمكن أن يعود بفائدة ما، إذ إنه من المستحيل تمامًا التمرّن على تلك المواقف التي لا يمكن استخدامها لتجاوز الاختبارات. وهنا يكمن أعظم صعوبة، لأن التلاميذ لا يلاحظون أبدًا اختباراتهم الحقيقية، بل حتى إذا نجحوا في ذلك فإنهم يفضّلون أن يؤدي الناغوال حيلة سحرية ما، بدلًا من أن يواجهوا هذه الاختبارات بأنفسهم ويستخرجوا منها عطايا القوة.

إن أول ما يضطر الناغوال إلى فعله مع تلميذ جديد هو أن يزيل ثقته بأن الناغوال سيفعل كل شيء عنه. فإن لم يحدث ذلك، بقي التلميذ إنساناً معتمداً على غيره ولن يستطيع أبداً أن يطالب بحقه في القوة؛ ومن ناحية أخرى، إذا نفض الناغوال تلك الثقة من التلميذ بعنف مفرط، فإنه يعرّضه لخطر فقدان الثقة بنفسه، فيصبح التلميذ في النتيجة معتمداً على غيره بالقدر نفسه. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يُقاد التلميذ إلى وضع يستطيع فيه أن يفهم بنفسه أن جميع معتقداته ليست سوى آمال طائشة تستند إلى نظرة إلى العالم خاطئة في معظمها؛ وفي الوقت نفسه ينبغي أن يُراقَب باهتمام بالغ ألا يفقد التلميذ صوابه حين يبدأ في إدراك أن حياته كلها كانت قائمة على الكذب والتصورات الخاطئة.

لا يستطيع الناغوال أن يوجّه التلميذ إلا بطريقة واحدة: أن يضبطه بهذه المناورة الماكرة بحيث يبدأ التلميذ، على نحو شبه لا واعٍ، في النظر إلى التعاليم باعتبارها شكلاً من أشكال الأسطورة. وينبغي أن يُفهم أن الأسطورة هي شيء لا يستطيع معظم الناس أن يحسموا موقفهم منه، أيتعاملون معه بجدية أم لا يولونه أي اهتمام. وهذا مبدأ بالغ الأهمية، لأنه حين يبدأ التلميذ في النظر إلى التعاليم بهذه الطريقة، فإنه يُسلَب آماله دون أن يدرك ذلك؛ ومن ناحية أخرى، هو غير متأكد مما إذا كان ينبغي أن يصدّق ما يحدث، ولذلك لا يتهدده فقدان الثقة بنفسه وبأحكامه. غير أن التلميذ، وهو غير متأكد لا من أنه سيتاح له يوماً أن يتعلم شيئاً قيّماً حقاً، ولا من أنه سيستطيع، بعد إنهاء التعلم، العودة إلى نمط حياته السابق، يجد نفسه في فخّ أسطورة صنعها بنفسه، وبمشاركة خفية من الناغوال بالطبع.

بعد ذلك يبدأ الناغوال في تعقّب التلميذ ودفعه نحو المزاج الصحيح، بنقل مسلّمات التتبع الأربع، ويُفعل ذلك عادة في البداية على نحو ضمني، لأن النقل الرسمي لهذه المسلّمات إلى التلميذ يجري بحسب التقليد في مراحل متأخرة من التعلم.
حين يجد التلميذ نفسه في فخّ هذه الأسطورة، يواصل الناغوال ترتيب هذا الاختبار أو ذاك له، حتى يضطر التلميذ في النتيجة إلى خوض معركة من أجل كرامته الذاتية. بل إنه، بمحاولاته المتواصلة إقناع
إن إقناع الناغوال بأنه يريد فعلاً أكثر من أي شيء في العالم أن يصبح محارباً، هو في الحقيقة إقناع دائم من التلميذ لنفسه بأنه قادر على ذلك وجدير به وسيفعل كل شيء لتحقيق النجاح فيه.

إن هذا المزاج الجميل هو الشرط الوحيد الذي يضمن أن التلميذ سيبذل فعلاً كل الجهود المطلوبة لكي يعيش كالمحارب. والجهود المبذولة لكي يعيش المرء كالمحارب هي ما يُسمى التطبيق العملي للتعاليم؛ وعلى خلاف نمط حياته السابق، فإن الممارسة الحقيقية للتعاليم هي عدم الفعل الحقيقي للتلميذ، حتى وإن لم يكن على وعي بذلك. وينبغي أن يُفهم أن أي شكل من أشكال عدم الفعل الواعي عند التلميذ يحمل معنى عملياً واحداً: فهو يعزز جهوده في التمرّن على حياة المحارب.

في هذه المرحلة من تعلمه، يدرك التلميذ بوضوح شديد أنه يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يعيش كالمحارب، لكنه ما يزال بعيداً جداً عن المستوى الذي يستطيع فيه أن يعلن عن هذه المكانة، والناغوال لا يفتأ يذكّر التلميذ بهذه الحقيقة. وبعبارة أخرى، يفهم التلميذ أنه يعيش أسطورة، لكنه، وهو في فخّ هذه الأسطورة، يدرك أيضاً أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالتخلي عن كل شيء، ولذلك يبقى أمامه مخرج واحد: أن يبذل كل قواه لكي يعيش هذه الأسطورة دون عيب. وهذا يعني عملياً أن التلميذ لم يعد مجرد من يحاول التمرّن على عدم الفعل من أجل بلوغ مثال رومانسي ما، بل إنه يصبح مستغرقاً إلى حدّ أنه نادراً ما يستطيع تحت الضغط المتواصل من الناغوال أن يتمكن من مواصلة محاولاته، فتبدأ حياته سعياً منها للبقاء، بحيث أنه لا يعرف إن كان هذا الجزء من حياته قد أصبح متعة أو عبئاً.

في اللحظة التي يبدأ فيها التلميذ بالعيش كما لو أن حياته كلها عدم فعل، فإنه يطلق تفاعلاً متسلسلاً داخلياً لم يعد ممكناً إيقافه. ومنذ هذه اللحظة يتعقّب إدراكه دون توقف، ولم يعد يشعر بالحاجة إلى طرح أسئلة غير سليمة، بل يبدأ في صياغة أسئلة يشعر بأنها ستقوده إلى فهم أعمق لإمكاناته الكامنة.

الآن، وقد كفّ عن الجلوس متجهّم الوجه لأن الناغوال لا يرقى إلى مستوى توقعاته، بل تحمّل بدلاً من ذلك المسؤولية الكاملة عن حياته وعن معارفه، وبالتالي عن قوته، يستطيع التلميذ أن يوجّه كل جهده إلى أن يعيش حياة المحارب التي لا عيب فيها؛ وهو في أثناء ذلك يدرك أن هذا لا يمكن تحقيقه إلا في إطار حياته اليومية.

إن هذا التحول الصارخ في مزاج التلميذ يعلّم نقطة تحوّل ذات أهمية قصوى، هي التي تبدأ عندها عملية التحول، وهي لا تحدث لأن الناغوال لوّح بعصا سحرية، بل فقط لأنه دفع التلميذ نفسه، بمكر، إلى أن يبدأ هذه العملية في داخله، فحمله على أن يصارع من أجل البقاء والحفاظ على رجاحة العقل، وفي النهاية من أجل احترامه لذاته. هذه هي أعظم هدية من هدايا القوة يستطيع الناغوال أن يقدمها إلى التلميذ. فالتحرر من قيود التكييف الاجتماعي المستنزِفة، واستعادة الإيمان بكرامته الذاتية وقدراته الكامنة، هما في الحقيقة عطية هائلة، لكن حتى هذه العطية تصبح باهتة ضئيلة بالمقارنة مع عطية التحول التي يمنحها التلميذ لنفسه في تلك العملية التي تقوده إلى نقطة التحول هذه.

إن الجانب الأهم في فعل التحول هذا هو الظاهرة العسيرة الإدراك المسماة ضباب معارف التنانين. وآمل أن القارئ، بعد هذه المقدمة الضرورية، لن تساوره بعد الآن رغبة في التعامل مع هذا المبدأ تعاملاً سطحياً، بل سيشتعل فيه الشوق إلى معرفة الكثير من تلك التفاصيل الدقيقة المعقدة التي يحاول الناغوال عبثاً منذ أزمنة سحيقة أن يصفوها بالكلمات.

إن المبدأ الأصعب في التعبير عنه بالكلمات، من بين المبادئ المرتبطة بمعارف التنانين، هو حقيقة أن الإنسان يمتلك القدرة على تجسيد أحلامه في الواقع. ويسهل على معظم الناس فهم ذلك من خلال أمثلة الأشياء الملموسة. فمثلاً، كثيرون سيوافقون عن طيب خاطر على أنه إذا حلم إنسان يوماً بأن يفتح عملاً خاصاً به، أو يشتري سيارة رياضية أو بيتاً رائعاً، فإن الجهود المثابرة الكافية ستساعده على تحويل هذه الأحلام إلى واقع. وسيوافق كثيرون أيضاً على أن من يحلم باختراع نوع جديد من الطائرات، أو حتى مبدأ جديد للسفر في الفضاء، يستطيع فعلاً أن يفعل ذلك إذا كرّس حياته كلها لمثل هذا الأمر. غير أن الحديث حين يدور عن إمكانية تجسيد إمكاناته الحقيقية ككائن سحري في الكون في الواقع، فإن معظم الناس يلزمون الصمت فجأة ويبدأون في النظر بارتياب إلى من يحاول أن يشرح لهم أن هذا في مقدور كل إنسان. ومع ذلك، فهذا تحديداً هو ما تتألف منه الإمكانات الحقيقية الكامنة للإنسان.

مهما بدا ذلك غير معقول، فإن كل إنسان لديه إمكانية تجسيد أحلامه في الواقع بوساطة السحر. فالإنسان كائن سحري، ولذلك فإن السحر، كتعاليم التولتك أيضًا، ملك له بحق الميلاد. في حياة أي إنسان إمكانيتان. فمن ناحية، يمكنه أن يستمر في الإيمان بأنه ضحية ظروف مولده وحياته، وأنه لا يقدر على تغيير ذلك، وأنه لا وجود له قبل الميلاد ولا بعده. وإذا سلّمنا بكل ذلك، فإن الحياة على المستوى المادي تصبح انشغالًا بلا معنى، لا غاية خاصة له ولا أهمية ما.

من ناحية أخرى، قد يعتقد الإنسان أنه موجود خارج العالم المادي أيضًا، وأن السبب الوحيد لظهوره من حين إلى آخر على المستوى المادي هو أنه بحاجة إلى أن يتعلم تجسيد جميع إمكاناته الكامنة في واقع العالم المادي الكثيف، متجاوزًا في أثناء ذلك الاختبارات العديدة التي يجلبها له هذا الشكل من الوجود. وإذا كان ذلك صحيحًا، فإن أي إنسان لا يمكن ببساطة أن يكون ضحية للظروف؛ وإذا لم يكن ضحية، فإنه يمتلك بالطبع القدرة على تغيير نفسه وحياته معًا. غير أن هذه القدرة تعني السحر بالمعنى الأصدق للكلمة، بصرف النظر عما إذا كان الإنسان يستخدم لذلك عصا سحرية أم سحر التحويل والتبديل والتجلي.
الأسباب الوحيدة التي تجعل الناس لا يؤمنون بقدراتهم السحرية هي إما أنهم يبحثون في تمسكهم بالخرافات وحكايات الجدات عن عصا سحرية، وإما أنهم يرون أنه يمكن تفسير كل شيء تفسيرًا عقلانيًا.

على أي حال، السحر في نهاية الأمر ليس مهارة إخراج الأرانب من القبعة أو تجسيد زوج من الأقراط من العدم؛ فالسحر الحقيقي هو القدرة على الخلق والتدمير — قدرة الإنسان على تحويل عيوبه إلى قوة، وقدرته على تحويل نفسه إلى محاربين مثاليين للروح، وإمكانية أن يتجلى الإنسان إنسانًا حقيقيًا، عالمًا صغيرًا في عالم كبير. وفي هذا تكمن أعظم قوة الإنسان بوصفه كائنًا سحريًا في الكون.

كما سبق أن قيل في «عودة المحاربين»، يوجد شكلان رئيسان للسحر يُسمَّيان حلقة القوة الأولى وحلقة القوة الثانية. وفي الوقت الحاضر، يمثل كلا الشكلين جزءًا لا يتجزأ من تقليد التولتك، غير أن محاربي الحرية لم يعودوا يعلّمون حلقة القوة الأولى، لسبب بسيط هو أن هذا الشكل من السحر لا يقود إلى الحرية.

لم نتعمق في التعاليم إلى حد يتيح لنا الآن توضيح الفرق كله بين هذين الشكلين من السحر؛ وربما يكفي في الوقت الحاضر تشبيه واحد. فحلقة القوة الأولى يمكن مقارنتها بانشطار الذرة، أما حلقة القوة الثانية فبالاندماج النووي. فالشكل الأول من السحر ينتزع: يفصل ويقسم ويُزيل، وبوجه عام يدمّر أي شيء. أما الشكل الثاني فيضيف، أي يجمع ويصلح ويأتي بما لم يكن موجودًا من قبل، وبوجه عام يدعم ويحسّن ويخلق. فالشكل الأول من السحر يمثل قوة التونال، أي المادي، بينما يمثل الثاني قوة ناغوال، أي الروحي. وإذ يمتزج هذان الشكلان معًا ينتجان شكلًا ثالثًا هو معرفة التنانين، قوة الإنسان الحقيقية.

مما سبق ينبغي أن يكون واضحاً أن محاربي الحرية رفضوا حلقة القوة الأولى لا بسبب خاصيتها المدمِّرة، لأن التدمير له مكانه في المخطط الكلي للوجود؛ بل فعلوا ذلك بالأحرى كي لا يقعوا هم أنفسهم ولا تلاميذهم في فخ هذا الشكل من السحر. وعلاوةً على ذلك، إذا بدأ تطوير حلقة القوة الأولى قبل حلقة القوة الثانية، فإن الطابع الفاصل لقوة هذا الشكل من السحر لا يتيح للتلميذ إتقان حلقة القوة الثانية. ومع ذلك، ينبغي أن ندرك أن إرادة روح الإنسان تتمثل في تجسيد كامل طاقاته الكامنة على المستوى الكثيف، المستوى المادي، ومن ثم فهي تتضمن القدرة على الخلق والتدمير معاً؛ وهذا يعني أن بلوغ حلقة القوة الثانية يؤدي بذاته إلى استخدام حلقة القوة الأولى.

من غرائب العقل البشري الغريبة أن الناس يؤمنون بالنفي أسرع من إيمانهم بالإثبات. ولهذا السبب، إذا قيل لشخص لم يمارس السحر قط إنه قادر عليه، فإن هذا الإنسان إما لن يصدق ببساطة، وإما، والأسوأ من ذلك، سيجلس بعينين مفتوحتين على اتساعهما منتظرًا أن يُعلَّم كيف يفعل ذلك — على الأقل إلى أن تكف هذه الأسطورة عن إثارته.

غير أن من غرائب العقل الغريبة الأخرى، التي لا تقل مفارقة، أن روح التمرد تستيقظ في الإنسان عند مواجهته بالاختبار. فمثلًا، إذا سيطرت فكرة ملحة على أحدهم، ثم قيل له إن نجاحها مشكوك فيه إلى حد بعيد، فإن الحزن الصادق قادر على رفع هذا الإنسان إلى مرتفعات لا تُصدق، حتى وإن كان يفعل ذلك فقط ليُثبت أن جميع الآخرين كانوا مخطئين.

إذ يعرف الناغوال المخلص لطريق الحرية بوجود هذه الغرائب الغريبة في العقل البشري، فإنه يدفع تلاميذه دائمًا إلى القتال من أجل حق البقاء لما يدركونه — وعندئذ يبدأون في تجسيد إمكاناتهم الكامنة في الواقع. بعبارة أخرى، في محاولاتهم للبقاء تحت ضغط الناغوال أو في سعيهم لإثبات أنه مخطئ، يبدأ التلاميذ في تكثيف أضباب معرفة التنانين من حولهم. في الحالتين يبدأ التلاميذ لا شعوريًا في تجسيد شيء ما في الواقع، باستخراجه مما كان في السابق عدمًا.
لا أستطيع التعبير عن هذا المبدأ بكلمات أخرى، لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن على الإنسان في الممارسة أن يبدأ من الصفر، لأن إمكانات التلميذ الكامنة موجودة فيه دائمًا. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الإمكانات التي لم تتحقق بعد في الواقع لا تختلف شيئًا عن العدم — إلى أن تصبح شيئًا ما. وهذا «الشيء ما» هو ما يُسمى تلك الأضباب التي ستتحول مع الوقت إلى معرفة التنانين — قوة الإنسان الحقيقية.

ربما يتساءل القارئ الآن لماذا قررت أن أحكي كيف يتعقب الناغوال تلميذه ويدفعه إلى أفعال معينة، لكن الحقيقة أن ما يعرفه التلميذ أو القارئ مسبقًا ليست له أهمية كبيرة. لقد قررت أن أحكي عن هذا التكتيك لسببين. فأولًا، بما أن قراء كتبي لا يعملون على الأرجح مع ناغوالات، فإن السبيل الوحيد المتاح لي لأن تُفيد كتبي القراء كان في وصف هذه المناورة التكتيكية. والسبب هو أن معظم القراء قد قرروا العمل باستقلال — وإلا لما كانوا يضيعون وقتهم في القراءة، بل كانوا يحاولون العثور على ناغوال خبير.

إن كون هذا التكتيك معروفًا للقارئ مسبقًا لا أهمية له على الإطلاق، لأنه يعمل بالنجاح نفسه سواء عُرف عنه أم لم يكن لدى التلاميذ أي شك فيه. وثانيًا، إذ أكشف هذا المناورة التكتيكية، أستطيع لا أن أشرح معنى مفهوم «أضباب معرفة التنانين» فحسب، بل أن أُظهر أيضًا المحتوى الأعمق للتتبع واللاأداء — وبالمناسبة، ينبغي في ما يتعلق بهذين المفهومين إجراء التوضيحات الأخيرة.

التوضيح الأول يتعلق بما وصفته بإخراج الأرانب من القبعة أو تجسيد زوج من الأقراط. إذا استثنينا حالات خفة اليد، فإن هذا السحر موجود حقًا، لكن الأشخاص القادرين على إتيان مثل هذه المعجزات نادرون جدًا ولا يتخذون تلاميذ عادة. والسبب في ذلك أن البشرية ككل لا تزال بعيدة جدًا عن القدرة على إدارة هذه القوة بحكمة، ونتيجة لذلك فإن حالمي البشرية أنفسهم يوقفون تطورها واستخدامها.

في الحقيقة، لا ينتمي هذا الشكل من القوة إلى ذلك السحر الذي يمكن تعليمه بالمعنى التقليدي — بل هو بالأحرى النتيجة النهائية لحياة عديدة مثالية عاشها المرء على نهج محارب أتم إعداده بالكامل. وللأسف — أو على العكس، لحسن الحظ — لا يوجد سبيل آخر لاكتساب قوة كهذه. فلو كان موجودًا، لكان العالم الحديث مليئًا بعدد كبير من البسطاء المشغولين حصرًا بإشباع جشعهم للثروات المادية، حتى لتوقف أي تطور للوعي تمامًا؛ ومن ناحية أخرى، لكان الناس قد شرعوا بمثل هذا الحماس في تخليص العالم من أولئك الذين يعتبرونهم نماذج منفرة، حتى لم يبقَ على الكوكب أصلًا أي أشكال للحياة ضرورية لتطور الوعي.

يتعلق التوضيح الثاني بتعرّف التلميذ المبكر على المسلمات الأربع للاقتفاء، وينبغي الإشارة إلى ما لم يُقَل بعد. ففي البداية يكون التلميذ ببساطة عاجزًا عن استيفاء المتطلبات التي تُفرض عليه، ولكن بعد أن يبدأ بالعيش بالتعاليم، وبالتالي بتكثيف ضباب معرفة التنانين حوله، تأتي لحظة يكون فيها التلميذ مستوفيًا لهذه المتطلبات فعلًا. أقول هذا لكي لا يصل القارئ إلى استنتاج خاطئ مفاده أن المسلمات الأربع للاقتفاء مجرد حيلة تكتيكية للقاتل — فهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. فالمسلمات الأربع للاقتفاء ليست حيوية فقط لقاعدة القاتل التي سنتناولها في الفصل التالي، بل تمثل أيضًا جوهر ضباب معرفة التنانين ذاته. ولإدراك ذلك، خير ما يُفعل هو الرجوع إلى نظرة موجزة إلى تدريب التلميذ بأكمله.

وفي تقدمه على طريق المحارب، يمر التلميذ بمراحل السعي إلى المثل الرومانسي، وفهم الأسطورة، والقدرة على العيش بهذه الأسطورة، ثم يصبح هو نفسه الأسطورة. وبعبارة أخرى، حين ينجح التلميذ في رؤية هذه الأسطورة، يكتسب رجاحة كافية ليودع الرومانسية ويعترف بحقيقة أن أمامه عملًا كثيرًا. في هذه اللحظة يبدأ بتجسيد التعاليم في الممارسة ويُشغّل عملية التحول. وفي هذه المرحلة يبدأ بالعيش بالتعاليم لا بمجرد التمرن عليها، موليًا حياة المحارب اهتمامًا ظاهريًا فقط. وحين يبدأ العيش بهذه الأسطورة، فهو لا يُشغّل عملية التحول فحسب، بل يبدأ أيضًا بتكثيف ضباب معرفة التنانين.

وأخيرًا، بفضل الحياة الطويلة على نمط المحارب، يعبر التلميذ عتبة غير مرئية تتحول بعدها حياته كلها إلى لافعل، وتتبدد آخر بقايا التاريخ الشخصي كدخان شبحاني. في هذه اللحظة يمكن القول إن التلميذ قد أصبح أسطورة؛ وإذا واصل انتهاج نمط حياة المحارب الكامل الذي لا تشوبه شائبة، فإن النتيجة النهائية ستكون تحولًا كاملًا.

بحلول هذا الوقت تكون القوة في متناوله، ويكون التلميذ قد أتمّ تعلّمه من كل الوجوه. لقد بلغ نهاية رحلته ككائن بشري، ولم تعد اللحظة التي سيطرح فيها التلميذ شكله البشري وينتقل إلى تلك الحالة من الوعي التي تُسمى كمال الجوهر سوى مسألة وقت. يمثّل هذا الانتقال بداية رحلة جديدة نهائية للمحارب. في هذه الرحلة الجديدة، التي تمثّل رحلة الإنسان الحقيقية، يدرك المحارب أننا جميعاً كائنات في الكون نمتلك حلقتَي القوة، وأن طبيعتنا الإلهية تمثّل سحر معرفة التنانين.

يتجلى ما لا يُعبَّر عنه كازدواجية لا تُدرَك بين الناغوال والتونال — حلقتين من القوة. بين هاتين الحلقتين ينتصب الإنسان — تلك نقطة الاتحاد التي يتجمع فيها إدراك الناغوال وإدراك التونال. في البداية يكون نية الإنسان مشتتة وهشة إلى حد أنه يبدو كضباب شبحاني يتفاعل مع الحلقتين الخارجيتين، ولكن مع تركيز الإنسان لنيته يصبح الحلقة الثالثة الرابطة بين الحلقتين الأخريين، موحِّدًا إياهما. تشكل هذه الحلقات الثلاث كمال الجوهر — اندماج القوى القائم على معرفة التنانين.



الفصل الثاني
الغباء المُتحكَّم فيه


نحن واقعون في فخ الحلم. إذا اعتبر الإنسان هذا الحلم واقعاً، فإن أفعاله غباء محض.

حتى الآن تناولنا المبادئ الأربعة للاقتفاء تناولاً مقتضباً فقط، لكننا الآن ننتقل مباشرةً إلى تلك التعاليم المرتبطة بفن الاقتفاء، لأن التطبيق العملي للتعاليم وحده هو ما يتيح إدراك المضمون الحقيقي لهذه المبادئ فائقة الأهمية. غير أنه ينبغي ألا يغيب عن البال أننا سنعود من وقت إلى آخر إلى المبادئ الأربعة للاقتفاء، ومع كل تكرار من هذا القبيل سنغوص أعمق في الحقائق الكامنة فيها؛ وهذا الغوص بدوره سيكفل فهماً أعمق لقاعدة القاتل، وفي نهاية المطاف لفن الاقتفاء ذاته. وطوال ذلك ينبغي ألا ننسى أن المبادئ الأربعة للاقتفاء وقاعدة القاتل يعتمد كل منهما على الآخر. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن توجد قاعدة القاتل دون المبادئ الأربعة للاقتفاء، والعكس بالعكس.

ما قيل أعلاه حيوي لفهم هذا القسم من التعاليم، ولكن قبل أن يُشرح هذا المبدأ بمزيد من التفصيل، ينبغي الحديث عن مسألة أخرى: لكي يُدرَك قاعدة القاتل على نحو صحيح، لا بد من معرفة أن المسلمات الأربع للاقتفاء تقابلها الجهات الأربع (الشكل 1).

مع مرور الوقت، وعند العودات اللاحقة إلى المسلمات الأربع، سيدرك القارئ لماذا الأمر على هذا النحو وما يترتب على ذلك، لكن يكفي الآن التأكيد على أن المسلمات الأربع للاقتفاء لا يمكن إدراكها حقًا إلا بتجسيدها في الممارسة؛ فهي ليست تقنية واحدة من تقنيات الاقتفاء، بل هي في الحقيقة أربع تقنيات جوهرية تحددها، بطبيعة الحال، الاتجاهات الأربعة للقوة (الشكل 2). بعد هذا التوضيح لنعد إلى مناقشة الترابط بين المسلمات الأربع للاقتفاء وقاعدة المتدرب.

يمكن مقارنة المسلمات الأربع للاقتفاء بالقماش الذي يُستخدم أساسًا للتطريز، بينما تُقارن الجوانب السبعة لقاعدة القاتل بأنواع الغُرز المختلفة في ذلك التطريز (الشكل 3).

تُستخدم في هذا التطريز خيوط الحياة، ويتحدد نمطه بالاختبارات الصغيرة والكبيرة العديدة التي تواجه الإنسان على مدى حياته. والنتيجة النهائية هي، بطبيعة الحال، التطريز نفسه؛ وهو يمثل، في إطار تشبيهنا، حياة المحارب التي لا تشوبها شائبة، المبنية على ما يُسمى المسلمات الأربع للاقتفاء. ومن الواضح أن الجودة العامة لحياة المحارب تعتمد على مدى براعته في تطبيق قاعدة القاتل، وهذا بدوره يعتمد على مدى فهم المحارب للمسلمات الأربع للاقتفاء. وهكذا فإن المسلمات الأربع للاقتفاء وقاعدة الاقتفاء واختبارات الحياة وجميع الفرص التي تظهر في الحياة تشكل أربعة أجزاء متلازمة لا تنفصل، وكل واحد منها يعكس مضمونًا أعمق للمسلمات الأربع للاقتفاء. وتُسمى هذه الأجزاء الأربعة تقليديًا الأجزاء الأربعة للحلم.

الشكل، 3،

الأجزاء الأربعة للحلم

يتيح هذا التشبيه إدراك أن الحياة ليست على الإطلاق ما يعتقده معظم الناس. وكما يشير القول في بداية هذا الفصل، فإن حياة الرجل والمرأة العاديين أشبه بحلم، وأفعالهما ليست أكثر من حماقة. ومع ذلك، هذا لا يعني البتة أن الحياة غير واقعية أو قد تكون غير واقعية، ولا أن أفعال الإنسان بلا معنى. بل إن هذا القول يعني في حقيقته أن الحياة ليست ما يعتقده الناس، وإذا كانت أفعالنا تستند إلى تصور زائف ما عن الواقع، فإنها تصبح حماقة شاء الإنسان أم أبى.

الحياة ليست شيئاً. إنها فوضى لا نهائية من الاحتمالات. باختيار بعضها، ننسج شبكة عنكبوت لا يمكن معرفة نمطها مسبقاً. هذا الاختيار للاحتمالات، أو نسج الشبكة، أو الشبكة نفسها، يعدّه الناس خطأً حياة. غير أنه ينبغي إدراك أن الحياة تبقى منذ الأزل بمنأى عما ينسجه الإنسان. نحن نفهم الحياة كما نشاء، لكنها في حقيقتها تيار لا يُدرَك في حالته، عارٍ من الشكل، لكنه يولّد كل الأشكال.

يصف هذا القول الحياة وصفًا بديعًا، مع أنه يمثل، على الأرجح، واحدًا من أكثر التأكيدات جوهرية التي يتعين على التلميذ التعامل معها. فالناس مشروطون إلى حد بعيد باعتقادهم أنهم يفهمون الحياة، حتى إنه يصعب عليهم جدًا التخلي عن التصورات الخاطئة العديدة والآراء المسبقة والأحكام المسبقة التي غرسها فيهم التنشئة.

أفضل طريقة لإدراك الطابع الحقيقي للحياة هي العودة إلى التشبيه المستخدم سابقاً. فيه تقابل «خيوط الحياة» عدداً لا نهائياً من الاحتمالات الموجودة في اللحظة الراهنة فقط؛ ويختار الإنسان منها ما يجذبه أكثر بوصفه شخصية. ومن الطبيعي أن يكون هذا الاختيار خاضعاً دائماً لتأثير طبيعة الاختبار الذي يواجهه الإنسان في اللحظة الراهنة. والاحتمال المختار يمثّل بالمعنى الحرفي خيط الحياة، وبالمعنى المجازي ذلك الخيط الذي يدخله الإنسان في إبرته و«يطريز» به، أي يرتكب الأفعال التي تشكّل حياته. غير أنه ينبغي إدراك أن الاختبار نفسه يحدده القدر وفي نهاية المطاف الغاية المنشودة؛ ولهذا السبب يكون الاختبار جزءاً من نمط معيّن لا يعرفه الإنسان مسبقاً ويظهر تدريجياً مع كل اختبار جديد. وتبعاً لمدى اتباع الإنسان لهذا النمط اتباعاً صحيحاً، تكون النتيجة النهائية — ما يُسمى الحياة — إما صورة خالية من العيوب وإما فوضى تامة.

إن العبارة التي تصف طبيعة الحياة تتيح فهم أن هذه العملية تُشبَّه في التقليد بنسج شبكة العنكبوت، لكنني شخصياً أفضّل استخدام تشبيه التطريز — فهو لا يسهّل فحسب فهم قاعدة المتتبع، بل يرسم أيضاً بوضوح أكبر الفرق بين مسلَّمات التتبع الأربع، التي تُصوَّر كأساس التطريز، وقاعدة المتتبع، التي تجسدها الغُرز المتشابكة التي ترسم نقش القدر.

وفي استمرار لهذه المقدمة، لا بد من النظر بعمق أكبر في معنى كل هذا، غير أنه من المناسب قبل ذلك إيراد نصيحة واحدة. فرغم أن فن الاقتفاء يُنسب بحق إلى الجانب الأيمن من الوعي، لا ينبغي أن ننسى أنه لغز القلب، والقلب مرتبط بالمشاعر لا بالعقلانية. وهذا يعني أن فن الاقتفاء يتيح للإنسان العمل مع الجانب الأيسر من الوعي العادي أيضًا. وهو في نهاية المطاف يختزل إلى رسم خريطة للمجهول واستخلاص فائدة عملية منه على المستوى المادي. غير أننا، حين نتحدث عن الجانب الأيسر من الوعي العادي، نقيّد أنفسنا كما هو الحال دائمًا على نحو هائل بمجموعة غير ملائمة من الكلمات. وفي هذا الصدد ينبغي أن يُفهم أن الصعوبة لا تكمن بقدر ما تكمن في استحالة إيجاد كلمات مناسبة لوصف معارف الجانب الأيسر وصفًا مُرضيًا، بل في أن الجانب الأيسر يحمل في طياته مضمونًا فلكيًا في اتساعه إلى حد أن الكلمات تعجز ببساطة عن التعبير عن هذا اللاتناهي.

يتيح هذا فهمًا واضحًا لأين يكمن بالضبط فخ إدراك الكلمات بمعناها الحرفي، وفيما يتمثل المأزق الذي يقع فيه أي ناغوال عندما يضطر إلى شرح الجانب الأيسر بالكلمات. والنتيجة النهائية هي أنه إذا لم يرغب الناغوال في أن يضيع في محاولات التعبير عن اللاتناهي الكامن في الجانب الأيسر، فإن أفضل ما ينجح فيه هو التعبير اللفظي عن مفاهيم مبتورة.

غير أن التعبير اللفظي عن هذه المفاهيم المبتورة يعني انتزاعها من سياقها، وكل ما يُنتزع من سياقه ينتهي حتمًا إلى أن يكون موضوعًا لتفسيرات خاطئة. ولتقليل هذه التفسيرات إلى الحد الأدنى، يحاول الناغوال دائمًا التعبير عن أكبر قدر ممكن من هذه المعلومات المبتورة، معرضًا نفسه بذلك لأن يُتهم بالثرثرة الفارغة. فما من ناغوال واحد يثرثر عبثًا، لكن سعيه إلى الإفصاح عن أكبر قدر ممكن من المعلومات المبتورة والنظر إليها من كل وجهة ممكنة كثيرًا ما يبدو أحاديث غير مترابطة، أو لفًا ودورانًا، أو ثرثرة فارغة عن أشياء تبدو للوهلة الأولى تفاصيل تافهة.

بحكم طبيعة التعاليم نفسها، سيتناول عرضها اللاحق كثيرًا مبادئ ستجرفنا إلى أعماق الجانب الأيسر. وفي هذا الصدد أود أن أنبه القارئ الآن مباشرة إلى أنه سيبدو كثيرًا كأنني أقفز من موضوع إلى آخر أو ألف وأدور. غير أن القارئ إن لم ينسَ ما قيل بشأن طبيعة الجانب الأيسر فسيتجنب إغراء أن يصفق بيديه حائرًا أو أن يستخدم هذا الكتاب كرة قدم في نفاد صبر تام. فالقدرة على إدراك الجانب الأيسر متاحة لكل إنسان، لكنها تتطلب وقتًا وصبرًا، وقبل كل شيء مهارة مطورة على الشعور بالقلب بدلًا من الفهم بالعقل الرشيد. وبهذا المعنى لا ينبغي للقارئ أن ينسى أن الحياة شعور، لا تمرين فكري.

بوجه عام، يبدد الناس حياتهم عادةً بدلًا من أن يعيشوها؛ وهم لا يدركون أن ذلك الشيء الذي يعدونه حياة ليس حياة على الإطلاق. فالناس ميالون إلى الاعتقاد بأن الحياة هي الظروف المحيطة بهم والأحوال التي يجد الإنسان نفسه فيها، لكنها في الحقيقة مجرد اختبارات تشكّل النمط الذي يلزم الإنسان أن يبني عليه حياته. وبالإضافة إلى ذلك، يظن الناس عادةً أن أفعالهم وسلوكهم، وكذلك أفعال الآخرين وسلوكهم، هي التي تشكل الحياة، غير أن أفعال الإنسان ليست سوى تجسيد في الواقع لتلك الاحتمالات التي يختارها، وسلوكه ليس سوى إعادة إنتاج مستمرة لهذه التجسيدات أو التجسيدات المحتملة.

غير أن أضرّ هذه التصورات جميعًا هو الاعتقاد بأن الحياة عملية فكرية ينبغي مقاربتها بعقلانية. فهذا الاعتقاد المهلك يمنع النظر إلى الإدراك والوجود بوصفهما لغزين، ونتيجة لذلك لا يكون لحياة الإنسان أي معنى حقيقي على الإطلاق. فبعدم إقرارهم بأن الحياة شعور لا عملية فكرية، لا يتخذ الناس أساسًا لحياتهم لا لغز وجودهم الحقيقي ولا مسلّمات التتبع الأربع.

وبدلًا من ذلك، تستند حياتهم إلى فكرانية خالية من المشاعر الحقيقية والمعرفة غير العقلانية. ونتيجة لذلك، لا تمتلك حياة هؤلاء الناس «نسيجًا أساسيًا»، أي لا يوجد فيها شيء يمكن أن يمسك «الغرز» بإحكام، فلا أساس للفعل، ولا قاعدة تدعم أفعالهم. ولهذا السبب ليس مدهشًا على الإطلاق أن يكتفي الناس بتجريدات فكرية فارغة وأحاديث لا تنتهي ونقاشات فلسفية مثقفة لا تجد أي انعكاس في أفعالهم.

الاستسلام لكل الاعتقادات السالفة الذكر يعني الوقوع في فخ الحلم، ذلك الحلم الذي أصبح لكثير من الناس كابوسًا، أو هو على الأقل قريب جدًا من التحول إلى كابوس ليلي. فباتخاذهم هذا الحلم واقعًا، لا يستطيع الناس التصرف بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن التصرف في حالة غير واقعية أمر مستحيل ببساطة. وحين يستحوذ الوهم على الإنسان، فإن أي فعل يقدم عليه لن يحدده إلا ذلك الوهم، ولهذا السبب تحديدًا ينبغي عدّ هذا الفعل في ذاته حماقة تامة. ولأن الناس لا يستطيعون القيام بأفعال حقيقية، لم يبق لهم سوى مخرج واحد: أن يمدّوا هذه الحماقة إلى الأبد، بردّ فعل متواصل على كل شيء وكل أمر في حياتهم.

في نهاية المطاف يعود هذا إلى سلوك إعادة الإنتاج المستمر المتولد عن التكييف الاجتماعي. وبالطبع فإن هذا التكييف الاجتماعي ناتج عن حلم البشرية المشترك، أي الوهم الجماعي للبشرية كلها.

وهكذا يتضح أن الوهم ليس الحياة نفسها، بل إدراك الإنسان للحياة. فالحياة ليست أصلًا شيئًا، ولذلك لا يمكن أن تكون وهمًا، لأن الوهم بحكم التعريف شيء يُظن خطأً أنه شيء آخر. غير أننا الآن تأكدنا من جديد من الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الإدراك البشري، وكم مرة يظن الناس أنهم يفهمون بدلًا من أن يتحققوا مما يبدو لهم أنهم يدركونه. وبهذا المعنى يعدّ معظم الناس الوهم عادةً لا شيء، وهذا يثبت جهلهم وعدم انتباههم إلى معنى الكلمات.
كل وهم يقوم على شيء ما.

مثلًا، إذا كان شخص يسير في الظلام ولاحظ أن شيئًا يتحرك أمامه في الأدغال، فمن الممكن تمامًا أن يفترض أنه صادف إنسانًا آخر أو حيوانًا ما أو حتى شبحًا. أما إذا تفحص بعناية ما رآه فوجد أنه مجرد كيس بلاستيكي قديم علق بالأدغال ويرفرف في الريح، فيمكن الاستنتاج أن فكرة الإنسان أو الحيوان أو الشبح كانت مجرد وهم. غير أن هذا الاستدلال خاطئ، لأن الكيس البلاستيكي واقع تمامًا وليس وهميًا على الإطلاق، فالوهم كان الإدراك الأولي لهذا الكيس. ومن جهة أخرى ينبغي أن ندرك أن هذا الوهم استند إلى إدراك الإنسان لشيء ما، وهو في هذه الحالة الكيس البلاستيكي.

مع أن المثال المذكور أعلاه يتعلق بالوهم المادي، فإن المبدأ نفسه ينطبق على الأوهام العاطفية والفكرية. فالناس، إذ لا يتأملون قط في أن العالم ليس كما يبدو، يصلون بسرعة إلى استنتاجات مبنية على فهم مفترض. وحين يقعون في فخ الافتراضات الفكرية، لا يقدرون على القيام بأي أفعال انطلاقًا من واقع الحياة؛ بل يضطرون بدلًا من ذلك إلى إعادة إنتاج أنماط سلوكهم السابقة باستمرار. فهؤلاء الناس لا يعيشون بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل يبددون ببساطة قدراتهم على العيش، مكررين حماقتهم الخاصة مرارًا وتكرارًا.

فلنبدأ من أننا جميعاً واقعون في فخ الحلم الشامل، الوهم المشترك، ونتيجة لذلك ليست كل أفعالنا سوى حماقة. وقد أُقرّ هذا الوضع بقوة. وهذا الوضع توحش حقيقي بالمعنى الكامل للكلمة، لأننا من جهة غير قادرين على تغييره، لكننا من جهة أخرى نملك من القوة والحرية ما يكفي لتغييره كلياً. وربما في هذا تكمن المفارقة الأهم — مفارقة بالغة التعقيد إلى حد يُوقع في الحيرة التامة، ومع ذلك تكمن فيها حقيقة تذهل ببساطتها.

إن الحقيقة الكامنة في هذه المفارقة تشكل الجوهر المكنون لتقليد التولتك — ذلك الجوهر الذي هو المصدر الأول للقوة. ويمكنه أن يصبح مفتاحاً للحرية، ومفتاحاً للسحر، ومفتاحاً للخلق والدمار. هذا المفتاح هو الآزوت، أعظم سر لهيرميس تريسْميجيستوس. وهو أيضاً إكسير الحياة الأسطوري، وهو ذاك Lapis Philosoforum، حجر الفلاسفة، الذي يبحث عنه الكيميائيون منذ زمن طويل. وهو أيضاً عصا موسى العجائبية، وإكسكاليبور غير الأرضي، سيف الملك آرثر. وهو ميولنير، مطرقة ثور، لكنه في الوقت نفسه أيضاً الأفعى المكسوة بالريش — عصا السحر العجيبة لإله التولتك الأعظم كيتسا-كواتل.

كل هذه الأساطير والخرافات نشأت حول الحقيقة المستكنة في هذا المفارقة الأعجب بين كل المفارقات المذهلة؛ ومع ذلك، ونظرًا إلى طبيعتها، ليس مدهشًا على الإطلاق أن تولّد حقيقة واحدة هذا العدد الكبير من الأساطير والخرافات. وسبب عدّ التولتك لهذه الحقيقة نواة تقاليدهم هو أن الوعي بها بكاملها وتجسيدها في الممارسة بعد ذلك يولّدان قوة مزدوجة تُسمى استعاريًا رمح القدر القديم عندما تُمسّ باليد اليسرى، والسيف الذي لا يُقهر للقوة عندما تُمسّ باليد اليمنى.

لأنها سر الخلق والتدمير، جعل عدد هائل من الناس على مدى عصور طويلة البحث عن هذه النواة الهدف الوحيد لحياتهم. غير أنه لا يمكن الجزم بأن جميع هؤلاء الباحثين كانت دوافعهم نقية.

بوجه عام، كانت دوافع الغالبية الساحقة من هؤلاء الناس بعيدة جداً عن النقاء. أما أولئك الذين حالفهم الحظ منهم فقد هلكوا قبل أن يجدوا النواة المكنونة. وأصبح أولئك القليلون الذين تمكنوا مع ذلك من العثور عليها تعساء، إذ جعل الطمع والغرور لمسهم لهذه الحقيقة بالغ القِصر. غير أن هؤلاء الأوغاد التعساء كان عليهم أن يدفعوا ثمناً باهظاً حتى مقابل هذا اللمس العابر، مقابل هذه اللحظات القصيرة من النعيم: فقد فقدوا صوابهم.

هذا هو طابع هذا الجوهر. إنه بحق مصدر كل قوة — القوة في أنقى صورها، التي بلغت من القدم حداً لا يُصدق، مع أنها تتجدد باستمرار لأنها مضطرة إلى الانقلاب على ذاتها تحت ضغط لا يُتصور للوعي الكامن فيها وقوة دافعة مذهلة بحق للوعي المتطور.

إن لمس هذه النواة يعني بلوغ «مركز العالم» — تلك الحالة من الوعي التي تُسمى نقطة دوران حلقات القوة الثلاث. وهذا المستوى من الوعي، الذي يتجلى في صورة وحدة تُسمى روح الإنسان، أو الناغوال، يتطلب اكتمال الكينونة، وللقيام بالرحلة إلى هذا المركز لا بد من إتقان لم يكن قادراً عليه على مدى التاريخ كله إلا قليلون. ولهذا السبب بالذات، قبل كل شيء، اضطُر محاربو الحرية إلى قطع الصلة بالتقاليد الموروثة والبحث عن تلك المعارف التي تنمّي الإتقان أفضل من أي شيء آخر. فمن وجهة نظرهم، لا معنى البتة لاكتساب القوة إذا كانت هذه القوة قادرة على تدميرك.

في سعيهم نحو مستوى الإتقان المطلوب، اكتشف محاربو الحرية مضموناً أعمق خاصاً بالانتباه الثالث. لقد فتح هذا المضمون أمامهم جوانب من التعاليم لم تكن قد نُظر إليها من قبل قط — فقد بدت بسيطة إلى حد أن الرائين القدماء رفضوها باعتبارها أموراً مبتذلة. ومع ذلك، فإن هذه الجوانب «المبتذلة» من التعاليم بالضبط هي التي دفعت محاربي الحرية بسرعة لا تُصدق نحو بُعد جديد كلياً من المعرفة.

نتيجة لنشوء هذه المعارف الجديدة، غيّر محاربو الحرية مرة أخرى بنية التعاليم كلها، وخصّوا هذه المرة بالاهتمام الأساسي لا اكتساب القوة، بل بلوغ القدر المطلوب من الإتقان، وهو بحد ذاته يولّد مستوى من القوة الشخصية بالغ الدقة والرفعة. وقد أدى هذا التحول في التركيز إلى نشوء طريقة جديدة في التعليم تخضع لها أيضاً طريقة عرض هذه التعاليم في كتبي.

لقد لاحظ القارئ النافذ أن العرض يخصّص اهتماماً ثابتاً للبراءة المطلقة، لأن تقليد التولتك لا يُكشف، ولا يصبح تطبيقه العملي آمناً، إلا ببلوغ المستوى المناسب من البراءة المطلقة. وبعد ذلك فقط يمكن أن تنشأ كمال الكينونة، وبعد ذلك فقط يستطيع المحارب، دون أن يفقد عقله، أن يضمّ إلى يده رمح القدر، ودون أن يلقى الهلاك، أن يتسلح بسيف القوة.

نعود من جديد إلى مناقشة النواة، غير أنه في سياق التكييف الاجتماعي يصعب جداً إدراك الأهمية الكاملة لهذا المبدأ. فالقول بأننا جميعاً واقعون في فخ الحلم الشامل وأن نتيجة أفعالنا ليست سوى الحماقة أمر يختلف عن القول بأن إيجاد مخرج من هذه الحالة سهل كالاستيقاظ من النوم. فبالنسبة للعقل العقلاني، تكاد هذه الكلمات لا تحمل أي معنى، ومع ذلك يخفي كلا القولين في طياته حقيقة الحقائق كلها. غير أنه للوصول إلى فهم حقيقي لهذا المبدأ، من المهم للغاية أن نتذكر العبارتين التاليتين:

الإنسان ليس سوى حلم حالِمه. الإنسان ليس جسداً. ولا عقلاً، ولا حتى شرنقة مضيئة. لأن كل هذه ليست سوى الأجزاء المكوّنة الأساسية التي تنشأ في حلم العقاب وتتكاثف بفعل الحالم عبر تركيز النية. يبقى هذا التكاثف ثابتاً طوال الحياة كلها بسبب تلك الشدة التي يُبقي بها الحالم انتباهه على موضوع حلمه — على الإنسان نفسه. وكل خصائص التونال الخاصة بالإنسان، بما فيها مهاراته وقدراته الأساسية، تعتمد على البؤرة وعلى الشدة. وفي اللحظة التي تنزاح فيها البؤرة أو تتغير فيها الشدة، يتغير التونال أيضاً.

معنى هاتين العبارتين واسع جداً — إلى حد أن كتاباً واحداً لا يكفي لمناقشته بالكامل. ورغم أن بعض هذه النتائج قد شرح في المجلدين الأولين وسيُناقش في هذا الكتاب، سيبقى مع ذلك عدد كبير من الدقائق التي لا يمكن الحديث عنها إلا في المجلدات التالية.

من بين النتائج — وقد سبق عرضها في «صرخة النسر»*، لكنها لم تُسلَّط عليها الأضواء بعمق يُذكر، مع أنها بالغة الأهمية — مبدأ التعاون العاقل. ولهذا السبب، سيفترض في شرح هاتين العبارتين لاحقاً أن القارئ ملمّ إلماماً جيداً بالأسس الأولية لهذا المبدأ، إذ يتعين علينا الآن أن نبحث التعاون العاقل بحثاً أكثر تفصيلاً بكثير.

قبل أن نتمكن من المضي قدماً، من المهم جداً أن نوضح ما هو حالم الإنسان. ينبغي إدراك أن مساحة الوهم التي وقع الإنسان في فخها تستند إلى حقيقة أن الناس العاديين لا يعرفون طبيعتهم، ونتيجة لذلك يعتبرون أنفسهم الجسد المادي أو العقل أو كليهما في آن واحد. غير أن الإنسان، كما ورد في العبارة الأولى من العبارتين قيد البحث، ليس جسده ولا عقله. فالإنسان في جوهره كائن روحاني في الكون، يُسمى روح الإنسان، أو الناغوال. ويجب العناية الشديدة بالفهم الصحيح لهذا القول: فالتلاميذ كثيراً ما يرتكبون خطأً فيظنون أن عبارة «روح الإنسان» تعني أن لكل إنسان ناغوال خاصاً به.

بمعنى معين، فإن هذا الافتراض الذي يطرحه التلاميذ صحيح تمامًا، لكنه ليس صحيحًا تمامًا بالمعنى الدقيق، لأن هناك حياة واحدة فقط يتطور خلالها وعي واحد بواسطة الكون المادي الواحد. وبعبارة أخرى، لا يوجد سوى ناغوال واحد، وروح واحدة وعيها متعدد الأوجه، وأحد هذه الأوجه يمثل الكائن المسمى الإنسان.

بمعنى خاص، يُظهر وعي الناغوال نفسه في عدد لا يُعبَّر عنه من حقول الطاقة، مجموعة في مجموعات متنوعة من الحزم — إحدى هذه الحزم تشكل الشريط الكوني الكبير الذي يسمى الإنسان.

يُسمى هذا الشريط الكوني الكبير للإنسان، للتبسيط، روح الإنسان؛ ولأن مبدأ تقسيم حقوله الطاقية إلى حزم يتوافق مع مخطط بنية الكون الكبير بأكمله، فإن روح الإنسان تمثل نسخة مطابقة لتجلي الناغوال الكوني الكبير.

في نهاية المطاف، لا يوجد سوى روح واحدة للإنسان، كامنة في ملايين الملايين من حقول الطاقة، يمتلك كل منها قدرة كامنة على إظهار الوعي بذاته كشخصية. ولهذا السبب، فإن ما يعتبره التلميذ غالبًا ناغواله الخاص والشخصي هو في الواقع حقل الطاقة الوحيد ضمن تلك الكلية الهائلة التي تسمى روح الإنسان، بينما ما أُطلق عليه اسم الحالم هو هذا الحقل الطاقي نفسه، الذي يسجل الوعي بذاته كشخصية. وبعبارة أخرى، فإن الحالم يمثل تجليًا لوعي الناغوال.

غير أنه ينبغي التأكيد على أن كل هذه الحقول الطاقية الفردية على مستوى معين تبقى في الواقع كلاً واحداً ومتناسقاً، إذ يسود بينها اعتماد متبادل وتفاعل تامان، وبهذا المعنى فإنها تشكل الأساس ذاته لترابط كل ما هو حي. والشعور الحقيقي بالانفصال لا ينشأ إلا على مستوى الحياة على المستوى المادي. وهناك أسباب معقدة كثيرة لهذه الظاهرة، لكن يكفي الآن أن نقول إن الشعور بالانفصال الفردي ينشأ جزئياً من خاصية الفصل التي يتميز بها العقل، وجزئياً لأن شرنقة الإنسان المضيئة هي أيضاً نسخة مطابقة لروح الإنسان، وهي بالطبع واحدة.

عند الحديث عن الحالم، من الضروري معرفة أن حقول الطاقة التي تشكل روح الإنسان تمتلك سرعة تذبذب خاصة بها، تحددها الوعي الكامن فيها. وكما هي حال جميع حقول الطاقة في الكون المتجلي، فإن حقول الطاقة هذه مجموعة في حزم، لكن سرعة التذبذب الخاصة التي تتسم بها قبل تكوين الحزم تصبغ أيضًا تلك التذبذبات التي نشأت عن تكوين الحزمة.

في روح الإنسان، أدت هذه العملية إلى تكوين سبعة ألوان، يشمل كل منها طيفًا واسعًا من الدرجات. وكل لون من الألوان الناشئة نتيجة تكوين الحزمة يدل على تذبذب إجمالي معين، مشابه في طبيعته لرنين الأوتار: يتألف كل وتر من نطاق هائل من الترددات المتقاربة التي تتسم بطابع النغمات المتناغمة، أو «درجات» لون واحد. تتوافق هذه الألوان السبعة مع أنواع الحالمين السبعة، والرنين المتناغم لكل درجة يحدد الغاية وفي النهاية كل أفعال الشخصية.

بفضل هذا التوضيح، ينبغي أن يكون واضحاً للقارئ لماذا يكون التقابل بين الناغوال الخاص والناغوال الغريب، أو بين الحالم الخاص والحالم الغريب، غير دقيق تماماً. على أننا، حين يتعلق الأمر بالاستخدام السليم للكلمات، نضطر إلى تشويه كثير من المفاهيم من أجل الوضوح. ولهذا السبب ينبغي للقارئ أن يتذكر أن ما يرد أدناه ليس سوى وصف لفظي تقريبي لواقع يتجاوز في حقيقته إمكانات الكلمات تجاوزاً تاماً.

فما هو الحالم؟

ببساطة، الحالم هو وعي أحد المكونات في الناغوال — الوعي الشخصي. ويُحدَّد التردد الكلي لذبذبات الحالم بإمكانات الوعي الكامنة فيه؛ وهذا التردد الكلي هو الذي يضعه ضمن أحد الأطياف السبعة، أي ضمن اللون المرئي. أما الدرجة الحقيقية لهذا اللون فتُحدِّدها درجة تطور الوعي، وبالتالي فهي تتغير تدريجياً في أثناء التطور.

لتطوير وعيهم، تستكشف المكونات الفردية للناغوال قدراتها الكامنة الخاصة بواسطة فعل الحلم — ولهذا بالضبط سُمّوا حالمين.

في هذا الصدد، يجدر بنا أن نذكر أن المهمة المباشرة لجميع أشكال الحياة العضوية على كوكبنا، وكذلك لبعض أشكال الحياة غير العضوية، هي تجسيد كامل إمكاناتها الكامنة في الواقع على المستوى الكثيف، المستوى المادي.

لتحقيق ذلك، يشدّ حالم الإنسان انتباهه من حين إلى آخر إلى المستوى المادي، ويركز عليه نيته؛ ونتيجة هذا الانتباه المكثف هي الولادة المادية. غير أنه ينبغي أن ندرك أن هذا التجسد لا يصبح ممكناً إلا إذا كان بوسع هذا الحالم أن يجد في الحياة على المستوى المادي تلك الظروف التي تعزز تطور وعيه.

وهكذا، فإن كل ولادة تستند إلى إمكانات متغيرة بلا انقطاع تحددها غاية كل ما هو حي. وهذا يعني أن التجسد الجديد يشبه في طبيعته كثيراً إمكانية التقاط لحظة عابرة من الفرص.

وبالتالي، فإن الولادة الجسدية ستكون شبه مستحيلة لولا حقيقة أنه لا يوجد سوى ناغوال واحد، وأن كل الكائنات الحية مترابطة تمامًا، وأن حالمي الإنسان يمتلكون وعيًا جماعيًا كاملًا.

وبوجه عام، وعلى الرغم من كل ذلك، تظل التجسدات الفيزيائية بالنسبة للناس العاديين بالغة التعقيد؛ وخلافاً للوعي الجماعي للحالمين، فإن تطور الوعي في هذه الفترة الزمنية مرتبط بتطور تلك الجوانب منه التي هي بطبيعتها فاصلة ولا تسهم في ترابط كل ما هو حي.

كل ما سبق ذكره يتيح لنا أن نفهم أن التعاون معقول لا لأنه ضروري للحياة فحسب، بل أيضاً لأنه يشكل الأساس ذاته لترابط كل ما هو حي، وكذلك الدعامة المتينة للتطور. ويتجلى التعاون المعقول في العديد من الأشكال المختلفة، غير أن أهم شكل بالنسبة لنا هو التعاون مع الحالم الخاص بنا.

لكي نفهم كيف نحقق ذلك، ينبغي البدء بالإدراك الأساسي بأن الإنسان ليس جسداً فيزيائياً ولا عقلاً.

يمكن تحقيق ذلك بسهولة باستخدام تقنية بسيطة جدًا. 

اجلس في مكان هادئ، واستقر في وضع مريح، وأغمض عينيك. أدرك بجميع الحواس عدا البصر الجسدي؛ أنصت إلى أصوات العالم المحيط، واشم رائحة الهواء الذي تستنشقه، وتذوق طعم ما في فمك، وانتبه إلى ملامسة الثياب لبشرتك، وإلى كيفية ضغط الجسم على المقعد والقدمين على الأرض. أدرك أن كل هذه الأحاسيس تنشأ بواسطة الجسد المادي، لكنك أنت لست هذا الجسد.

ثم ركز على عقلك. راقب أفكارك وكأنها تمر على شاشة تلفاز موضوعة أمامك. دعها تتجول بحرية، مع استمرارك في إدراك أنك قادر على مراقبتها وكأنها ليست أفكارك، بل مجرد نتاجات العقل. الآن غيّر أفكارك بنشاط ووعي كما يحلو لك؛ أدرك أن القدرة على فعل ذلك تعني التحكم في العقل؛ وبالتالي، فأنت لست العقل.
إذن، أنت لست الجسد ولست العقل. اسأل نفسك: من أنت؟ لن تنجح في إيجاد الجواب: لن تنشأ سوى أفكار، أفكار جديدة. غير أنك ستستطيع، خلف هذه الأفكار، أن تدرك شيئًا عاقلًا يبقى مراقبًا صامتًا. هذه العقلانية هي أنت.
تأملوا في أنكم إذا لم تكونوا جسداً ولا عقلاً، فلا يمكن أن تكونوا كياناً فيزيائياً؛ ولهذا السبب لا يمكن أن تكون الحياة ما كنتم تعتبرونه دائماً. إن اسمكم وظروف حياتكم ومسيرتكم المهنية ومكانتكم الاجتماعية والعائلية — كل ما لديكم لا يوجد إلا لأن لديكم جسداً فيزيائياً يخضع للعقل.

الجسد الفيزيائي هو وحده الذي يمنحكم الاسم والعمر والمكانة الاجتماعية، وهو وحده الذي يتيح لكم أن تتزوجوا وتنجبوا أطفالاً، وأن تصنعوا مسيرتكم المهنية، وأن تكسبوا المال، وأن تملكوا منزلاً وسيارة وتأميناً وكل ما عدا ذلك. كل هذا، بل الحياة كلها على المستوى الفيزيائي، لا يصبح ممكناً إلا بفضل أن لديكم جسداً فيزيائياً وعقلاً يوجهه ويتحكم فيه. غير أن خلف هذا الجسد وهذا العقل يكمن عقلانية ما.

إن الأسلوب الموصوف لا يتيح بلوغ سوى هذا العمق من الفهم، غير أن ذلك كافٍ تماماً للأغراض الراهنة.

وإذ تدركون أن الإنسان عقلانية متجسدة في جسد وقادر على التحكم بعقله وتوجيهه، فاسألوا أنفسكم هذا السؤال: «هل أتحكم بعقلي أم أنني، على العكس، ضحية عقلي الخاص؟» إن هذا الأسلوب الصغير بسيط بشكل لا يصدق، غير أن التلاميذ الذين يلجأون إليه للمرة الأولى يجدون أنفسهم دائماً مصعوقين بإدراك مذهل مفاده أنهم لا يتطابقون تماماً مع الجسد والعقل فحسب، بل والأسوأ من ذلك أنهم يقعون باستمرار ضحايا لأفكارهم الخاصة — لعقولهم!

مما سبق ذكره يلزم بالضرورة أن الانصياع لرأي المرء عن نفسه بوصفه ضحية يعدل الاعتراف بأن الإنسان هو نفسه ألد أعدائه. غير أنه إذا كانت حياته ليست على الإطلاق كما يود أن يراها، فإن السبب الوحيد لذلك هو أنه لا يتخذ أي تدابير فعلية لتغييرها. علاوة على ذلك، يجب إدراك أن الناس لا يعتبرون أنفسهم محصورين في فخ ظروف حياتهم الخاصة إلا لأنهم يعتبرون أنفسهم واقعين في فخ، أو بالأحرى لأنهم ينصاعون لقناعتهم بأن حياتهم يجب حتماً أن تحددها إرادة الظروف. وفي نهاية المطاف، لا يمكن أن يقع في فخ بالمعنى الحقيقي للكلمة سوى الجسد الفيزيائي.

والشيء ذاته يمكن أن يحدث للعقل البشري إذا ما انصاع للإيمان بأن الإنسان مقيد بالظروف الخارجية. أما الإنسان نفسه، أي العقلانية الكامنة فيه، فلا يمكن أن يقع في فخ أبداً. غير أن القناعة بإمكان حدوث ذلك تكون طاغية إلى حد أن مثل هذا الإيمان عادة لا يسلب الإنسان قواه بالكامل فحسب، بل يدفعه في الواقع إلى مواقف لا مخرج منها.

إن هذه القناعة بأننا ضحايا الظروف ومقيدون بهذه الظروف هي ذاتها وهم البشرية الشامل. وهي ذاتها ذلك الحلم الذي يشل الناس إلى أن يستيقظوا ويدركوا حقيقة أنهم ليسوا جسداً ولا عقلاً، وأن الحياة لا تعني على الإطلاق وجود اسم ومكانة اجتماعية. وينبغي القيام بفعل واحد هو الأبسط في كل الاعتبارات — أن تستيقظوا، وحتى تأمل قصير يبين بسرعة أن نتائج هذا الاستيقاظ ستكون فلكية حقاً.

لكي نفهم ما يعنيه كل هذا في الواقع، لنعد إلى الحديث عن الحالم؛ غير أنه ينبغي أولاً الإشارة إلى أن مبدأ الحالم لا يزال، من وجهة نظر القارئ، ليس سوى نظرية، ويؤدي دور فرضية مقبولة — على الأقل إلى أن تُستكمل هذه النظرية بخبرة المرء الخاصة. وسيتعين على جميع التلاميذ تجسيد التعاليم في الممارسة العملية، إن كانوا يأملون في أن يتيقنوا من صحتها يوماً ما؛ وعلى القارئ أن يفهم أن الأمر نفسه ينطبق عليه أيضاً.

كما ذُكر سابقاً، يطوّر الحالم وعيه أو، بالأحرى، يكتشف ويُظهر قدراته الكامنة عبر فعل الحلم، وهذا الفعل يشدّ انتباهه من حين إلى آخر إلى المستوى الفيزيائي.

إن مثل هذا الانتباه، الذي ينتج عنه تجسد جديد، ينشأ في كل مرة.

حين يركز الحالم نيته على جوانب معينة من حلمه المتواصل. وترتبط هذه الجوانب بتجلي كامل الإمكانات الكامنة على المستوى الفيزيائي، أي بتلك الظاهرة التي تقتضي بطبيعتها ذاتها ليس الحياة على المستوى الكثيف الفيزيائي فحسب، بل تفترض أيضاً تلك الاختبارات التي لا يمكن أن تنشأ إلا في التجسد الفيزيائي. غير أنه ينبغي إدراك أنه، بسبب الانقسام إلى حزم، فإن ذبذبات العالم الكثيف الفيزيائي أدنى بكثير من ذبذبات عالم الحالمين. ولهذا السبب يجعل التجسد الفيزيائي حلم الحالم أكثر «رسوخاً»، أي أكثر كثافة.

إن هذا التعميق والتعزيز للحلم في ظروف ذبذبات أدنى للعالم الفيزيائي، مقترناً بتركيز انتباه الحالم، يولد إيهام الإحساس بالفخ.

غير أنه لا ينبغي أن ننسى أيضاً أن التجسد الفيزيائي ليس سوى تجلٍّ مادي جزئي لوعي الحالم. وهذه «الجزيئة» الوليدة من الوعي تتكون من تلك الجوانب من الحالم نفسه التي ركز عليها نيته والتي يراها في الحلم موجودة فيزيائياً، لأنه يولى كل انتباهه لتجسده.

إن هذا التجسد المادي الجزئي للوعي هو ما يؤدي إلى أن الكائن البشري لا يفهم طبيعته الحقيقية؛ ويُعقد هذا النقص في المعرفة بحقيقة أنه في لحظة الولادة يحدث دائماً تغيم للوعي. ونتيجة لذلك يتطابق الكائن البشري تماماً مع جسده وعقله المشروط اجتماعياً — ولا عجب في أن وهم الوقوع في الفخ يكون بهذه القوة.

وطالما ظل الإنسان يعرّف نفسه تعريفا عنيدا بالعقل والجسد، فإن الحالم الواعي غير قادر على التحكم التام في نومه: ونتيجة لذلك يُظهر نظيره البشري — أي الحالم — إرادته الذاتية مؤقتا. غير أن إرادة الحالم ليست إرادة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ بل هي بالأحرى نتائج عارضة لعجز الحالم الواعي عن التحكم في نومه تحكما كاملا. ولا يمكن لهذا الافتقار إلى التحكم أن يُسمى إلا شللا نفسيا دماغيا، ونتائجه تكاد تطابق أعراض مرض جسدي مماثل، إذ ما دام الحالم الواعي لا يحقق سلطة كاملة على نومه، يعاني الحالم شيئا أشبه بـ«التشنجات».

وهكذا، فإن ما يخرج عن السيطرة ليس الحالم الواعي الذي يبقى في مستواه، بل نظيره المادي الذي يقاوم التحكم بسبب التعريف الذي حدث. والبحث عن أشكال للتحكم في نظيرنا المادي هو الخطوة الأولى نحو القدرة على نشر كل قدراتنا الكامنة على المستوى المادي، ولذلك يمثل أحد أسباب ضرورة التجسد المادي.

أنت حالمك: معارضة حالمك تعني معارضة نفسك. وهذا أمر لا معنى له على الإطلاق

من كل ما قيل سابقا يصبح واضحا لماذا يكون تعاون الإنسان وحالمه الواعي بهذا القدر من الأهمية. غير أن هذا التعاون يجب أن يكون عقلانيا، إذ لا ينبغي أن ننسى أنه رغم أن الحالم الواعي يركّز نيته على تنمية الوعي، فإن الحالم هو من يتعين عليه اتخاذ الإجراءات على المستوى المادي — الجسدية والعاطفية والذهنية. وبعبارة أخرى، يُبقي الحالم الواعي نيته مركّزة على الأهداف المرغوبة، أما الحالم فعليه أن يقرر كيف يحقق هذه الأهداف على أفضل وجه.

وخلاصة ذلك أن الحالم، بدلا من أن يقاوم مصيره، عليه أن يستسلم له استسلاما تاما، وهو ما يعادل إحراز التحكم في النوم — وفي حياته كلها.

لا يعني إحراز التحكم في النوم أن الإنسان يُخضع حالمه الواعي؛ بل يبدأ في التحكم بما يحدث في نومه. وهذا يعني أنه بدلا من أن يبقى ضحية لنومه ويسمح للحياة بأن تحدث فحسب، فإن الإنسان نفسه يحدد كيف ستتطور مجريات الأحداث في نومه بالتحديد.

في هذا الصدد ينبغي إدراك أنه بعد التجسد الفيزيائي يثبُت انتباه الحالم، ولذلك لم يعد قادراً على تغيير الهدف الذي وضعه لحلمه — فهو يصبح قدر الإنسان طوال مدة حياته؛ غير أن الإنسان قادر على تحديد كيفية بلوغ هذا الهدف، أي التحكم في مضمون الحلم.

مضمون النوم هو ما نعتبره اختبارات الحياة؛ هذه الاختبارات يصممها الحالم الواعي وتحيط بأفعال من يُرى في النوم. وبعبارة أخرى، فإن طابع أي اختبار وشكله يتوقفان على التعاون — أو غيابه — بين الحالم الواعي والحالم.

بما أن الحالم هو من يتخذ الإجراءات، فمن المفهوم تماما أنه هو نفسه من يحدد طابع الاختبار وشكله. وهذا يثبت مرة أخرى عبثية الاقتناع بأننا مجرد ضحايا للظروف. بل إن هذا يجعل من الواضح أيضا أن الإنسان، كلما كان تعاونه مع الحالم الواعي أوثق، كان تحكمه في مضمون النوم أكبر؛ وكلما كان التعاون أعقل، كانت درجة التحكم أعلى.

التحكم في مضمون النوم هو ما يُسمى الحماقة المنضبطة. وتنشأ الحماقة، أولا، لأن لدى الإنسان تصورا وهميا بأنه ضحية للظروف، وثانيا لأن الإنسان بعد التجسد غير قادر على تغيير هدف النوم. فالناس غير قادرين على تغيير النتيجة النهائية للنوم بصرف النظر عما إذا كانوا يتحكمون في حياتهم أم لا، ولذلك يجب علينا في النهاية أن نعترف بحقيقة أن أي أفعالنا ليست إلا حماقة.

ومع ذلك ثمة فرق معين: فإذا حاول الإنسان تجنب مصيره بالتهرب الدائم من الاختبارات، فإن هذا لا يؤدي إلا إلى نشوء مزيد من الصعوبات؛ وهذا يعني أن الإنسان يعقّد حماقته بالخضوع لها. ومن جهة أخرى، إذا واجه الإنسان اختباراته وهو يتحكم تحكما كاملا في حياته، فإنه لا يتحكم في حماقته فحسب، بل يقللها في جوهر الأمر أيضا.

التعاون العقلاني يعني الحماقة المتحكم فيها، وهذا الفعل يمثل مفتاحاً كونياً لجميع أشكال السحر ويؤدي إلى إدراك معرفة التنانين — إلى ذلك الفهم الذي يبعث في الحياة القدرة على قذف رمح القدر والتسلح بسيف القوة

كما يوحي هذا القول المأثور، فإن التحكم في حماقة المرء هو المفتاح الكوني لما كان يُعرَّف سابقا بتقليد التولتك. غير أنه ينبغي التشديد على أنه رغم أن مبدأ ممارسة الحماقة المنضبطة واسع الانتشار بين جميع المحاربين، فإن طريق الحرية وحده هو ما يتيح إدراك طابعه الحقيقي ومعناه بكامل اكتمالهما. وأسباب ذلك أعقد من أن تُشرح في هذا الكتاب؛ ويكفي القول إن فعل الحماقة المنضبطة يتسم بقدرة على التلاعب بقوة النية.
في «عودة المحاربين» كان قد وُضّح أن تلك الظواهر التي يدركها غير المطلع على أنها سحر هي في حقيقة الأمر معجزات ناجمة عن التلاعب بالنية.

هذا ليس سحرا في حد ذاته، وإن كان لا يمكن إنكار أن التلاعب بالنية يمثل مهارة مهيبة حقا ويبدو في الواقع شبيهًا بالسحر. ومع ذلك ينبغي أن نتذكر أن النية خاصية من خصائص وعي الحالم الواعي، ولذلك في غياب التعاون العقلاني، وبالتالي الحماقة المنضبطة، لا يمكن أن يوجد تلاعب بالنية.

لا يمكن أن ينشأ التلاعب الحقيقي بالنية إلا بشرط أن يتحكم الإنسان تحكماً واعياً وكاملاً في حماقته؛ فهذه الأفعال تفترض فهماً للترابط بين كل الكائنات الحية، إذ لا ينبغي أن ننسى أن هناك ناغوال واحداً فقط، وبالتالي فإن جميع الحالمين في البشرية يمتلكون وعياً جماعياً.

لكي نفهم هذا فهما كاملا، لنبتعد قليلا عن الموضوع مرة أخرى ونتحدث عن الفرق بين العقل وما يُسمى العقل العقلاني. كثيرا ما يفترض التلاميذ خطأ أن هذين المفهومين يعنيان الشيء نفسه، لكن يمكن أن نتذكر كيف وُضّح في «صرخة النسر» أن العقل يمثل أحد قطبي وعي الحالم الواعي، والنية القطب الآخر.

ومن جهة أخرى، فإن العقل العقلاني هو قدرة الحالم الواعي على إجراء الحسابات، أي على وضع التفاصيل العملية للحياة على المستوى المادي. وبعبارة أخرى، فإن العقل العقلاني ليس إلا التعبير المادي عن حصة ما من العقل الحقيقي.

ينبغي أيضاً تذكّر أن وظائف العقل تتلخص في التقسيم إلى أجزاء وفصل الواحد عن الآخر بغرض التطور، بينما تتمثل وظائف النية أولاً في دفع العقل إلى التقسيم وثانياً في التوحيد — أيضاً باسم التطور. وفي نهاية المطاف، فإن العقل والنية شيء واحد، ألا وهو وعي الحالم.

لهذا السبب، فإن ما يُسمى الحلقة الأولى للقوة يمثل ذلك الجانب من وعي الحالم الذي يُسمى العقل، بينما تعكس الحلقة الثانية للقوة جانبه المسمى النية. والحلقة الأولى للقوة متأصلة فيها انعكاسات النية في صورة الحث على الفصل، أو القدرة على التمييز. وهذا ناتج عن كون الحلقة الأولى للقوة سالبة الطبيعة، ولهذا يُقال إن النية الحقيقية لا تصبح فاعلة إلا عند استخدام الحلقة الثانية للقوة. لكن بما أن النية توحّد، فإنها موجبة الطابع، وهذا يعني أنه للتلاعب بالنية الحقيقية لا بد من الاستفادة عملياً من ترابط كل الكائنات الحية.

وهذا بدوره يعني أن الشكل الوحيد للنية الذي يمكن استخدامه دون التطبيق العملي لترابط كل ما هو حي هو انعكاس النية — وهو في جوهره فاصل، وبالتالي سالب.

هذا بالتحديد هو ما يمكن أن يُسمى بحق قوة العقل، في مقابل العقل العقلاني الذي لا يملك في ذاته قوة حقيقية. وقوة العقل، بطبيعة الحال، تمثل حلقة القوة الأولى؛ وهذا الانعكاس للنية يستخدمه أولئك المحاربون الذين يسيرون على طريق المغامرة الكبرى.

في المقام الأول، ولهذا السبب بالتحديد، لا يؤدي طريق المغامرة الكبرى إلى الحرية، لأنه حين يكون الإنسان مهتما بتكديس القوة لمصلحته الشخصية وحدها، فإن أي استخدام للنية يُفعّل الخاصية الفاصلة للعقل. ولا حاجة للقول إن هذا لا يزيد الانفصال إلا تعقيدا، ونتيجة لذلك يصبح هؤلاء المحاربون أكثر عزلة، أي غير متوافقين مع ترابط كل ما هو حي.

فخ طريق المغامرة العظمى دقيق حقاً، لأنه يكمن في حقيقة أن الإنسان قادر تماماً على أن يتسلح بقوة كهذه، مع أنه لا يبلغ بذلك إلا مستوى ضئيلاً من التعاون العقلاني. ولكي يُفهم هذا فهماً صحيحاً، ينبغي الإشارة إلى أنه رغم أن جميع الحالمين متحدون بلا شك بوعي جماعي، فإن الانفصال، الذي يمثل أحد جوانب وعي الحالم، يلعب دوراً حيوياً في تطور الوعي نفسه. ونتيجة لذلك، فإن المحاربين السالكين طريق المغامرة العظمى لا يقاومون إرادة حالميهم مباشرة بسبب انفصالهم.

وعلى العكس، فإنهم بانفصالهم يسهمون إسهاماً حقيقياً في تطور الوعي، لأنهم يطورون القدرة على التمييز لدى أنفسهم ولدى الناس المحيطين بهم. علاوة على ذلك، بما أن الحالمين يمتلكون وعيًا جماعيًا، وبما أن قانون الاقتصاد يحوّل دائماً أي أفعال للشخصية، سواء أكانت حسنة أم سيئة، إلى خير عام، فإن هؤلاء المحاربين قادرون عملياً على التلاعب بالجانب العقلاني لحالميهم وبقانون الاقتصاد العام معاً، محققين بذلك منفعة في سعيهم الأناني إلى القوة التي تكفل لهم تحقيق تلك الرغبات الزائفة التي لا تمت إلى ترابط كل ما هو حي بصلة.

ومع ذلك ينبغي أن يكون المرء واعياً بأن هذا الوضع، بسبب الوعي الجماعي للحالمين، لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، لا بد أن يظهر الانجذاب الفطري إلى الوحدة.

غير أن الأمر يحدث أحياناً أن يصير شعور الانفصال في تجسد معين قوياً إلى حد أن الحالم يفقد سلطته تقريبًا كلياً، ويصاب وعيه كله بضرر ملموس. فيجد مثل هذا الحالم نفسه في فخ حقيقي ناتج عن انتباهه الشديد إلى أفعال من يُرى في الحلم؛ فالوهم الذي يولده الحلم يجعله مضطرباً إلى حد أنه ينغلق على قطب واحد من وعيه، ألا وهو العقل.

إذا وقع الحالم في هذا الفخ، فإنه يُسمى نجماً خامداً، لأنه يحتاج عادة إلى عصور كاملة للخروج منه. وبالطبع، هذا الوقت بمقاييس البشر أبدية كاملة؛ ولهذا السبب يُستخدم مفهوم «النجم الخامد».

تتيح هذه التوضيحات فهم السبب في أنه يُقال إن طريق المغامرة العظمى لا يؤدي إلى الحرية، والسبب في أن طريق الحرية يولي هذا القدر من الاهتمام بترابط كل ما هو حي. وكما ذُكر آنفاً في هذا الفصل، فإن مفتاح كل هذا يكمن في التعاون العقلاني — ويمكن استخدام هذا المفتاح للفصل وللتوحيد معاً، لأنه يفتح بوابات الحلقتين الأولى والثانية من القوة، وهو في النهاية مفتاح الخلق والتدمير.

القوة المسماة الحلقة الثالثة تجعل استخدام هذا المفتاح آمناً، وتوازن بين البناء والهدم، وبالتالي تربط الحلقة الأولى والثانية للقوة معاً. وتنشأ الحلقة الثالثة للقوة تدريجياً حين يتدرب الإنسان على الصورة النهائية للتعاون العقلاني، التي تعني في الواقع درجة من التحكم في الحماقة تمكن الإنسان من التحكم في حلمه.

الحصول على سلطة على حلمك ليس بالأمر السهل كما قد يبدو للوهلة الأولى، لأن مثل هذا التحكم يعني قبل كل شيء أن على الإنسان أن يستيقظ داخل الحلم. ولا بد من فهم أنه لا يمكن الاستيقاظ من هذا الحلم للسبب البسيط أن انتباه الحالم يكون مثبتاً أثناء التجسد الجسدي، وأن اللحظة التي يختل فيها هذا التثبيت تعني الموت الجسدي، لأن الحالم يتخلى عن نيته.

وهكذا، فإن ما يُسمى باليقظة في الحلم يعني، أولاً، أن الحالم يدرك أنه يُرى في الحلم، وثانياً، أن كل ما يجري حوله هو حلم، وثالثاً، أنه يستطيع التحكم في مضمون هذا الحلم. في البداية يتعامل جميع التلاميذ مع هذا المبدأ باعتباره تجريداً محضاً، لكن هذا يحدث فقط لأن التلاميذ يميلون دائماً إلى نسيان أن تكييفهم الاجتماعي كان يحدد الحلم على نحو مختلف تماماً، مع أن أي حلم في حقيقته يمثل حالة إدراك مغيرة.

لعدم فهمهم ما يعنيه مفهوم حالة الإدراك المغيرة في الحقيقة، يبدأ التلاميذ غالباً في طرح أسئلة من قبيل: «إذن، هذا الحجر مجرد حلم؟» أو «هل يعني هذا أن هذا الحجر مجرد وهم وأنه غير موجود في الواقع؟» لا، الحجر واقع تماماً، لا يقل واقعية عن الحلم نفسه؛ فليس أي منهما وهماً بحد ذاته، لكن إدراك كلتا الظاهرتين سيتغير كلياً إذا أحدث الإنسان لديه إعدادات إدراك أخرى. وهكذا، فإن الوهم لا يكمن في الحجر ولا في الحلم نفسه، بل بالأحرى في حقيقة أننا نعتبر إدراكنا الحالي للحجر الواقع الوحيد والأصيل.

من ما سبق يسهل استنتاج ما يلي: لكي يحقق الإنسان سلطة على حلمه، عليه أن يتعلم إزاحة بؤرة الانتباه، وهذا بدوره يعني أن نقطة تجميعه يجب أن تصير سائلة كي يتمكن من إحداث حالات إدراك مغيرة لديه. ومن لا يعرف كيف يزيح يبقى بالطبع «ضحية» لحلمه. وفي هذا المعنى تنشأ الإزاحة الأولى للبؤرة في اللحظة التي يبدأ فيها التلميذ يدرك أن الحياة يمكن إدراكها على نحو آخر حتى في حال إزاحة نقطة التجميع إزاحة طفيفة. وهذا الفهم الصغير يمثل خطوة كبيرة للتلميذ على طريق اليقظة في الحلم؛ وعندما يبلغ مستوى كافياً من اليقظة، فسيبدأ في التحكم بهذا الحلم.

بعد أن يبدأ التلميذ في الاستيقاظ تحديداً، تصبح تقنية التعاون العقلاني بالغة الأهمية. فإذا أراد التلميذ أن يبلغ الحرية ويتجنب إغراءات طريق المغامرة العظمى، فعليه تماماً أن يصل إلى إدراك أن حياته جيدة كما هي، وأن عليه بدلاً من أن يصارع مصيره أن يبلغ كمال التعاون العقلاني مع حالمه.

إن اليقظة تعتمد فعلاً اعتماداً بالغاً على فهم حقيقة أن الحياة بكل اختباراتها ليست شيئاً ينبغي الهرب منه، لأنها تتيح للإنسان فرصاً لتجسيد قدراته الكامنة على المستوى الجسدي. وبالطبع، فإن هذا التجسيد الفعلي للقدرات الكامنة هو الهدف الحقيقي للحلم؛ فحالما يدرك الإنسان هذا، لا يندمج مع إرادة الحالم فحسب، بل يبدأ أيضاً شاء أم أبى في التحكم في حماقته وفي استدعاء تلك الاختبارات والنتائج التي تسهم في عملية التجسيد هذه. ولهذا السبب بالتحديد تُسمى اليقظة في الحلم أيضاً القدرة على رؤية الواقع في الحلم، أي قدرة المرء على رؤية مصيره.

من الواضح أنه لكي يرى الإنسان الواقع في الحلم، عليه أن يصقل فنه في الحلم، لأنه يمنحه القدرة على إحداث حالات إدراك مغيرة.

غير أننا، كما اقتنعنا بالفعل من مثال الوهم، لا جدوى من الانتقال إلى حالات إدراك مغيرة إذا بقي تفسير المُدرَك غير دقيق.

إن الحلم يحدث دائماً حالة إدراك مغيرة، لكن السبيل الوحيد للتأكد من أن تفسير هذا الإدراك صحيح هو تعقّب إدراك المرء لذاته وللعالم المحيط.

لكي ننصف التعاليم التأسيسية المرتبطة بفن الحلم، التي عُرضت في «صرخة العقاب»، لا بد أيضاً من تجسيد أحكام التتبع الموصوفة في هذا الكتاب على صعيد الممارسة. وبالمثل، لكي يفهم القارئ مضمون هذا الكتاب، عليه أن يتعرف على أسس التتبع التي جرى بحثها في «عودة المحاربين».

من المهم للقارئ أن يفهم أن فن الحلم وفن التتبع يمثلان في جوانب كثيرة تقنيتين مترابطتين ترابطاً لا ينفصل، وقد تجسد اندماجهما في إتقان الوعي.

في جوهره، فإن إتقان الوعي هو بالضبط ما يشير إليه اسمه؛ ففي إطار هذا المجال يُستخدم فن الحلم لرسم خرائط للجوانب غير المعروفة من الوعي. غير أنه، بما أن تطور الوعي يجب أن يجري عملياً على المستوى المادي، فإن فن التتبع يُستخدم لاستخلاص فائدة عملية من المعلومات التي تُحصَّل بفضل فن الحلم.

ينبغي ألا يُنسى أن الطابع العملي للمعارف الجديدة يكمن في فعاليتها، وبالتالي في موثوقيتها. ولا توجد مسلَّمة أصح من المثل القديم: «لكي تعرف كيف يكون البودينغ، عليك أن تتذوقه».

سيتذكر من قرأ «عودة المحاربين» أن فن التتبع يُعدّ واحداً من مجالات الإتقان الثلاثة التي يجب أن يتقنها كل تلميذ يرجو أن يصبح محارباً حقيقياً. وليس من السهل تفسير سبب إيلاء الاهتمام المتزايد في هذه الحالة لفن التتبع بدلاً من فن الحلم بكلمات قليلة، لكنني آمل أن يفهم القارئ ذلك تدريجياً في أثناء عرض هذا الكتاب.

يكفي الآن القول إن الحلم هو الحلم، وعند التعامل معه لا يبقى إلا أن يحلم المرء ويسعى إلى تحقيق خبرة متزايدة في فن الحلم. والسبب في ذلك هو أن نوم الحالم مثبَّت، ويستحيل في الحلم فعل أي شيء من شأنه أن يخل بهذا التثبيت الخاص بالحالم. وهكذا، فإن الإنسان غير قادر على تغيير نومه — فهذا، في نهاية المطاف، هو حماقته. غير أن الحماقة يمكن ضبطها، وفي أثناء ذلك يتلاعب الإنسان بمضمون النوم. إن السيطرة على حماقة المرء والتلاعب بمضمون النوم هما الغاية الحقيقية لفن التتبع ومعناه. ولهذا السبب يُعرَّف التتبع بأنه إتقان الحماقة المضبوطة، ويُعرَّف المتتبع بأنه متقن الحماقة المضبوطة.

لقد تحدثنا بالفعل عن أن السيطرة على حماقة المرء هي الشكل النهائي للتعاون العاقل، لكن تحقيق هذه السيطرة يقتضي أن يستيقظ المرء ويدرك حقيقة أنه واقع في فخ النوم. وهذا الاستيقاظ يفترض الرصانة — تلك الخصلة من الوعي التي تُربط بحق بالشرق؛ وهذه الخصلة تنشأ بفضل المراجعة. ولا يوجد سبيل أفضل إلى الاستيقاظ من أن يجري المرء مراجعة لحياته كلها وأن يتمكن من رؤيتها كما هي في حقيقتها. غير أن الرصانة تمثل شيئاً أكثر من ذلك، إذ إن حصة صغيرة منها وحدها تتيح للإنسان سريعاً أن يدرك أن لا هو نفسه ولا العالم المحيط به هما كما اعتادهما الإنسان دائماً.

وبعبارة أخرى، فإن المراجعة لا تجلب إلا الرصانة، لكنها بفضل نشوء الرصانة تكشف للإنسان أيضاً المسلَّمة الأولى للتتبع — تلك الحقيقة القائلة إن العالم وكل ما فيه لغز لا نهاية له. وبعد هذا الوعي، لن يستطيع حتى التلميذ القليل الخبرة نسبياً أن ينظر إلى حياته كما كان من قبل: فمن دون أن يدرك ذلك بعد، بدأ هذا التلميذ يتتبع نفسه.

غير أن فن التتبع لا يمكن تحقيقه إلا باتباع توجيهات القوة، لأنه من المهم أن نتذكر أن القوة، لا نحن أنفسنا، هي التي تضع القواعد. فتطور الوعي هو لعبة قوة، ولذلك فالقوة وحدها يحق لها وضع قواعد هذه اللعبة.

وكما يحدث دائماً مع كل ما يتصل بالقوة، فإن هذه القواعد بسيطة ببساطة خادعة، لكنها تولّد نتائج لا حدود لها. فمن جهة توجد قاعدة الصيد، ومن جهة أخرى توجد لوحة اللعب، أي لوحة الحياة، المبيَّنة في الشكل 3، حيث تظهر الأجزاء الأربعة المكوِّنة للنوم. وهذه اللعبة تمثل شكلاً عالمياً من أشكال السوليتير، باستثناء واحد فقط هو أن الأرباع الأربعة جميعاً في حالة ترابط وتفاعل تامَّين، وأن كل نقلة تُنجز تستجيب لها القوة المودعة في لوحة الحياة هذه. فإذا كانت نقلة الإنسان تعزز تطور الوعي، حصل على نقطة واحدة تمثل مقياس القوة الشخصية، وهذه النقطة تمنح الإنسان حرية اختيار أكبر في نقلته التالية.

ومن جهة أخرى، إذا كانت نقلة الإنسان تعارض تطور الوعي، فإنه يفقد نقطة واحدة، وهذا لا يقلل من قوته الشخصية فحسب، بل يحد أيضاً من حريته. إن هدف السوليتير هو التخلص من جميع البطاقات باستثناء بطاقة واحدة وحيدة؛ وبالمثل، فإن لعبة الحياة تتطلب أيضاً تجاوز جميع اختبارات الحياة بهدف بلوغ الوحدانية، أو الاتحاد، أو بعبارة أخرى، اكتمال الجوهر.

للعب لعبة الحياة حاجة إلى النشاط والقوة، وهاتان الصفتان مرتبطتان بالشمال. لكن لكي يكتسب الإنسان القوة ويعمل بحكمة، يجب عليه أن يتقن التتبع إتقانًا فعليًا؛ وفي المقابل، لكي يتقن هذا الفن، عليه أن يستعين بقاعدة التتبع، بتطبيق أي تشكيلات من جوانبها السبعة على كل ما يفعله في الحياة.

إن استخدام قاعدة التتبع هو ما يقرّب الإنسان ببطء ولكن بثقة من فهم المضمون العميق للمسلَّمة الثانية للتتبع. وهذه الدقائق العميقة تنقل الإنسان مباشرة إلى معرفة التنانين التي، بما أنها جوهر الحلقة الثالثة للقوة، تُربط بحق تام بالجنوب، موطن القوة والحلم.

يستحيل في كتاب واحد أن تُعرض كل الدقائق المتصلة بالمسلَّمات الأربع للتتبع وقاعدة المتتبع ومعرفة التنانين، لكن المبادئ الثلاثة تتشابك تشابكاً لا ينفصل بحيث يصبح من الضروري تماماً تقديمها على الأقل كوحدة واحدة. وقد حاولت في الجزء الأول من هذا الكتاب عرض أكبر عدد ممكن من الإرشادات بشأن أفضل طريقة للنظر في المسلَّمات الأربع للتتبع واستخدامها.

رغم أن ذلك لم يُذكر سابقاً لتجنب الالتباس المفرط، فمن المرجح أن القارئ قد أدرك بالفعل أن جميع التعاليم المنقولة في المجلدين الأول والثاني تتصل في المقام الأول بالمفاهيم التأسيسية للمسلَّمة الأولى للتتبع.

وبالمثل، فقد أوليت في هذا الكتاب حتى الآن المسلَّمة الأولى للتتبع اهتماماً أكبر من المسلَّمات الثلاث الأخرى. وكان السبب في ذلك أنه رغم ترابط المسلَّمات الأربع جميعاً، فإنها مع ذلك تتبع بعضها بعضاً، أي أن كل مسلَّمة سابقة تنشئ المسلَّمة اللاحقة. وهكذا، فإن الفهم الكامل للمسلَّمات الأربع جميعاً يقتضي النظر إليها بالترتيب الطبيعي.

سنركز لاحقاً في هذا الكتاب على قاعدة المتتبع، التي تتصل بالمسلَّمة الثانية وتقع في الشمال — في موطن القوة والفعل. وبما أن المسلَّمة الثانية تنشأ من الأولى، فإن علينا الآن أن نتناول جوانب أعمق من المراجعة، التي لا تصبح متاحة حقاً إلا عند استيعاب المسلَّمة الثانية.

رغم أننا سنواصل في هذا الكتاب التطرق إلى المسلَّمتين الثالثة والرابعة، وكذلك إلى معرفة التنانين، فإن المجلدات اللاحقة وحدها ستتيح لي الحديث بتفصيل أكبر عن هذه التعاليم الأعمق. وفي إطار هذا الكتاب يكفي أن نقتصر على قاعدة المتتبع وأن نتعلم كيف نكثّف ضباب ما سيصبح مع الوقت معرفة التنانين، إذ بدون هذا الفهم لا يبقى لدينا أمل في استيعاب هذه المعرفة يوماً ما، ناهيك عن استخدامها العملي.

نحن الآن غير قادرين على تحديد معرفة التنانين بأي وضوح يُذكر، غير أننا، بعد أن تقدمنا إلى المستوى الراهن، من الممكن تمامًا، على الأقل، أن ندرس العبارة التالية التي ستُستخدم نقطة انطلاق للعرض اللاحق.

بعد أن يتعلم تتبع نومه الخاص وأحلام المحيطين به، يدرك المحارب معرفة التنانين. ومعرفة التنانين تتيح للمحارب أن ينفذ إلى حلم النسر، وأن يتعلم في الوقت نفسه خلق إمكانيات لم تكن قد نشأت قط من قبل. وتكمن ميزة هذا الفعل في أنه في ظروف اضطراره إلى التعامل مع نزوات القوة غير المتوقعة، يصبح المحارب قادرًا على خلق أوراق رابحة متى نشأت الحاجة إليها. وهكذا فإن معرفة التنانين تمثل المعرفة النهائية لفن التتبع، أي القدرة على الخروج من أي فخاخ

لا يمكن فهم مفهوم معرفة التنانين دون ضرورة النظر في واقع العوالم البديلة، وفي هذا الصدد تخبرنا معرفة التنانين بالكثير جدًا عن ذلك العالم الذي يُسمى عالم السحرة. فمحاربو الحرية لم يعودوا يلجؤون إلى ممارسات السحر القديمة، لأن هذه الأساليب لا تؤدي إلى الحرية، ومع ذلك لم يتغير اسم هذا العالم للسبب البسيط أنه يظل الأنسب لهذا العالم.

أود أن أشير إلى نقطة مهمة: مع أن هذا الكتاب موجّه إلى القارئ الذي يخطو خطواته الأولى في القدرة على التناغم مع هذا العالم والنفاذ إليه، ينبغي أن يكون واضحًا جليًا أن عدة أبواب تؤدي إلى عالم السحرة. كلها تنفتح على متاهة — متاهة يسهل جدًا الضياع فيها، لأن وهمًا فيها يخلف وهمًا آخر.

لا يوجد سوى باب واحد صحيح — يبدو كسائر الأبواب جميعًا، لكنه يؤدي إلى قلب هذا العالم ذاته. هناك بالضبط، في مركز عالم السحرة، تُكشف للإنسان حقيقة معرفة التنانين، وهناك بالضبط يمكنه أن ينظر إلى انعكاسات نقطة دوران الحلقات الثلاث، وكذلك إلى انعكاسات رمح القدر وسيف القوة. إلى هذه الأبواب بالذات أقود القارئ — إلى هذه، لا إلى جميع الأبواب الأخرى التي يعرفها سحرة أيامنا هذه معرفةً مفرطة.

الجزء الثاني
قاعدة المتتبع


1. المحارب يختار معركته بنفسه، ولذلك فهو يقيم دائمًا بدقة بالغة الظروف وأحوال القتال المقبل


2. في سعيه إلى البساطة، يطرح المحارب أي أفعال زائدة


3. المحارب مستعد دائمًا للقتال حتى الموت هنا والآن مباشرة


4. عند الدخول في المعركة، يمنح المحارب نفسه كليًا لأفعاله، فلا يسمح لروحه بالتدفق بخفة وحرية إلا حينذاك، إذ توجهه قوى القدر فتشق له الطريق أمامه


5. حين يواجه المحارب خصمًا غير متكافئ، فإنه ينفتح على العالم المحيط ويسمح لعقله بالانشغال بتوافه الحياة


6. المحارب يضغط الوقت دائمًا. كل معركة، كبيرة كانت أو صغيرة، هي قتال ليس من أجل الحياة بل حتى الموت، وفي تلك المعركة حيث تصبح الحياة هي الرهان، تتحول اللحظة إلى أبدية، أبدية تحدد نتيجة المعركة


7. المتتبع لا يكشف أبدًا عن جوهره، حتى أمام نفسه


الفصل الثالث. الاستيقاظ في الحلم


لا يمكن تحقيق السلطة على النوم دون الاستيقاظ. والاستيقاظ يعني معرفة ما هو في الحقيقة كل وجه من وجوه الحياة. ولبلوغ هذا المستوى من الرصانة، ينبغي إجراء مراجعة للحياة كلها، من اللحظة الحاضرة إلى الوراء حتى لحظة الولادة ذاتها. ومن دون رصانة كهذه، سيظل الإنسان دائمًا يتصرف كالمهرج، مكررًا حماقته الخاصة باستمرار.

إذا كان المرء يسعى إلى تعاون عقلاني مع حالمه، فيلزمه أن يدرك أن ذلك الحلم الذي طالما رآه طويلًا ليس واقعًا، بل وهمًا تدعمه التهيئة الاجتماعية. غير أن معظم الناس، الذين كانوا قد أبدوا رغبة في أن يصبحوا محاربين، يستديرون فجأة في هذه اللحظة بالذات ويتراجعون عن الاختبار الذي نشأ. وعادةً يصعب على المرء للغاية أن يتقبل أن كل ما آمن به، وما عمل من أجله، وما أمّل فيه، هو وهم؛ وليس سهلًا حتى قبول ذلك كفرضية جائزة. لكن حتى بين أولئك القلائل الذين كانت لديهم الجرأة لمواجهة هذا الاختبار علنًا، لا يبقى إلا حفنة من الناس يملكون ما يلزم لإتقان طريق المحارب. والسبب في هذا الوضع بسيط إلى حد بعيد: الناس لا يريدون أن يتغيروا. وبالفعل، هل يتعين على كل امرئ أن يتغير لمجرد أن أحدهم يعلن نفسه ناغوال ويؤكد أن التغيير ضروري؟

لا يمكن إتقان طريق المحارب إلا إذا أصبح مسألة حياة أو موت

من السهل أن نفهم أنه ما دام الناس راضين تمامًا عن الكيفية التي تتطور بها حياتهم، فإنه لا يمكن أن تنشأ لديهم دواعٍ وجيهة لتغيير أي شيء. وبدلًا من ذلك يفضّل معظم الناس أن يتعرفوا ببساطة على أساليب جديدة تجعل حياتهم أغنى. وهناك عدد هائل من الناس لا يمانعون إطلاقًا في نيل قوة المحارب وقدراته، لكن فقط كامتيازات إضافية تثري حياتهم الراهنة. غير أنه لا يمكن بلوغ قوة المحارب دون أن يصبح المرء محاربًا، ولكي يصبح المرء محاربًا يلزم تحويل كامل لجزيرة التونال.
لا يستعد لخوض تحويل كامل إلا أولئك الذين يعترفون لأنفسهم بصدق بأنه لم يبق لديهم ما يخسرونه. غير أن لدى المرء دائمًا ما يخسره، ولذلك يقاوم التلاميذ التغيير، لكن هذه المقاومة تعني أنهم يتشبثون دون وعي بنمط حياتهم السابق.

ولهذه الأسباب بالذات لا يتعجل الناغوالات أبدًا باتخاذ أول من يلقونه تلميذًا، لا سيما أن مدة التلمذة المعتادة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عامًا. وهكذا، قبل أن يبذل الناغوال في التلميذ وقتًا وطاقة، عليه أن يتأكد — على قدر ما هو ممكن على أي حال — من أن هذا التلميذ يملك كل ما يلزم للتعلم الناجح.

هذه المسائل وثيقة الارتباط جدًا بفروع التعاليم التي يُنظر فيها في هذه اللحظة وبعصرنا ككل. في الماضي، حين كانت المهمة الأساسية لكل ناغوال هي صون التعاليم، كان ضمان استمرار خط نقله مهمة حيوية بالنسبة إليه. وكان تعذر إيجاد بديل مناسب لمجموعته هو ذاتها يعني أن المعرفة التي تصونها المجموعة ستضيع ببساطة. وفي هذا الصدد يُطرح كثيرًا سؤال عن سبب عدم تدوين التولتيكيين لتعاليمهم قط. غير أنني آمل أن تكون لدى القارئ بحلول الآن، ولو تصورات غامضة، عن سبب عدم اعتبار هذا الخيار مقبولًا قط.

قبل كل شيء، ينبغي إدراك أننا ببساطة غير قادرين على التعبير عن معظم التعاليم بالألفاظ على النحو الواجب؛ وثانيًا، إن طريق المحارب هو طريق الممارسة — فلو كانت التعاليم قد دُوِّنت في الكتب فحسب، لأصبحت مع الزمن جامدة وعفا عليها الزمن. والسبيل الوحيد إلى الحفاظ على حيوية التعاليم وعمليتها، وعلى انسجامها مع التطور، هو تهيئة ظروف يطوّر فيها كل جيل جديد معرفته بأن يعيش محاربًا، وأن يتولى بدوره تعليم الجيل التالي. ولو كانت التعاليم تُنقل كتابةً، لكانت بلا شك قد ضاعت ونُسيت منذ آلاف السنين — ولم يكن قد بقي محارب تولتيكي واحد، ولم تكن البشرية لتعلم قط أن لها يومًا ميراثًا.

بما أن البشرية بلغت اليوم سن الرشد وأصبحت مستعدة لدخول حيازة ميراثها، فقد تغيرت الحالة كلها تغيرًا جذريًا. وقد أصبحت حقيقة أن التعاليم صارت تُنقل في الوقت الحاضر كتابةً ممكنة بفضل عدد كافٍ من الناس القادرين على تولي العناية بالتعاليم والذين سيفعلون ذلك لا محالة.

وعليه، لم يعد ضروريًا إطلاقًا أن يحافظ الناغوالات على حياة خطوط نقلهم، لأن الهدف الأساسي لوجود هذه الخطوط قد تحقق بالفعل. لقد أوصل التولتيكيون إلى البشرية الحقائق المكنونة التي اؤتمنوا عليها دون تحريف، وهم في اللحظة الراهنة يؤدون واجبهم الأخير تجاه الناس، إذ ينقلون إلى الإنسان ما يملكه منذ ولادته. إن دور حراس الميراث البشري الذي أدّاه التولتيكيون طويلًا قد انتهى، ولذلك لن تكون هناك خطوط نقل جديدة.

لهذه التحولات الصارخة عواقب كثيرة، لكنها ستصبح مفهومة في أثناء نقل التعاليم لاحقًا. والعاقبة الوحيدة المرتبطة مباشرة بالفرع الذي يُنظر فيه من التعاليم في هذه اللحظة هي حقيقة أن التولتيكيين يعودون الآن في جوانب كثيرة إلى دورهم الأصلي في حياة البشرية، مع استثناء وحيد هو أنهم لن يفكروا الآن نيابة عن الناس، بل سيصبحون فقط مرشديهم وناصحيهم.

لقد اقتربت البشرية من ساعة القوة، وإذا أراد الإنسان أن يطالب بحقوقه في القوة، فسيتعين عليه أن يتعامل بمسؤولية تامة مع حقيقة بلوغه سن الرشد ومع أنه صار عليه الآن أن يفكر ويتصرف بنفسه. وسيواصل التولتيكيون أداء دورهم مرشدين على الطريق، لكن عبء المسؤولية عن البحث عن هذه الإرشادة سينزل على الإنسان نفسه.

مضت تلك الأيام التي كان على التولتك فيها أن يحافظوا على تراث الإنسان مصونًا. فإذا ما بدد الناس الآن تراثهم، أي إن لم يجسدوه في الممارسة ونسوا ما يُمنح لهم، أو لم يسعوا إلى التوجيه بشأن أفضل السبل لاستخدام هذا التراث فأساءوا استخدامه بذلك، فإن اللوم سقعليهم هم وحدهم.

مع أن الناغوال كان عليه دائمًا في السابق، من أجل ضمان سلامة التعاليم على امتداد خط النقل كله، أن يتأكد من أن تلاميذه يمتلكون كل الصفات اللازمة للتحول إلى محاربين، فإن الوضع قد تغير الآن. فناغوال اليوم لم يعد ملزمًا بالحفاظ على خطوط نقله، أي لم تعد به حاجة إلى البحث عن خلفاء صالحين.

وبعبارة أخرى، مع أن الناغوال لا يزال ملزمًا بتوجيه الناس نحو الحرية، فليس ثمة ما يلزمه بأن يكون له تلاميذ شخصيون، أو بأن يقلق بشأن ما إذا كان أولئك الذين جاؤوا طلبًا لتوجيهاته يمتلكون الصفات اللازمة للنجاح. وهذا بدوره يعني أن الناغوال يستطيع الآن أن يسمح لنفسه بأن يصبح أكثر انتقائية في اختيار التلاميذ، لأنه حتى غيابهم التام لن تكون له أي أهمية.

فيما يتعلق بكتبي، ينبغي التأكيد على حقيقة مهمة جدًا: أنا لا أتحمل بأي حال المسؤولية عن كيفية تصرف القارئ في التعاليم التي سُلمت إليه. فقد ظهرت الآن إمكانية لم تكن موجودة من قبل: تُسجل التعاليم كتابةً ويمكن لأي شخص يرغب فقط أن يستفيد منها. غير أن شروط التحول إلى محارب لم تتغير البتة، باستثناء أنه أصبح من الممكن الآن تحقيق ذلك بمساعدة الإرشادات المكتوبة، لا فقط بفضل التوجيهات الشفهية للناغوال.

إن حقيقة أن التعاليم متاحة الآن لكل امرئ دون أي تمييز أمر رائع ببساطة، لكنني سأكون غير منصف للقارئ إذا لم أحذره من الفخ الخفي لهذا الوضع الجديد. فتكمن الخطر في إيمان الإنسان بأنه يملك الحق في تعديل القواعد بما يوائم أهدافه. فالتساهل مع مثل هذا الاعتقاد يعني إهدار الوقت والجهد سدى. اسمحوا لي أن أقول مرة أخرى إنه لا توجد، دون أن يصبح المرء محاربًا، أي إمكانية لاكتساب مهارات المحارب وقدراته وقوته. فأن تعتقد أنه يمكن استكمال نمط الحياة السابق بسمات المحارب هو تمامًا كأن تأمل في أن تصبح بطل العالم في التنس دون أن تكرس لهذه اللعبة حياتك كلها ومسارك وذاتك.

اليوم يمكن لكل امرئ أن يصبح محاربًا، ولكن فقط إذا كان مستوفيًا لشرط بلوغ سن الرشد. غير أن هذا لا يمنع الناس البتة من أن يستخلصوا من التعاليم ما يرونه فقط مفيدًا أو مُثريًا. وبوجه عام، لا شيء سيئ في ذلك — بل على العكس، ينبغي تشجيعه، مع السعي في الوقت نفسه إلى إدراك أن انعدام الاستعداد للتغير والرغبة في أخذ ما يعجب فقط لن يجعل الإنسان محاربًا أبدًا. ويمكن تشبيه هذا الإنسان لاعب تنس يتعلم اللعب لا ليصبح بطل العالم، بل من أجل المتعة وإثراء حياته فقط. فمن الحماقة أن يُرجى أن يتمكن لاعب تنس متوسط من المنافسة في البطولة العالمية؛ وليس أقل حماقة أن يعتبر المرء نفسه قادرًا على ما يقدر عليه المحارب إذا لم يكن هذا المرء محاربًا.

حتى لو كان أحدهم غير صادق مع نفسه إلى حد أنه سيطلق على نفسه اسم محارب مئة مرة في اليوم، فهو لا يملك أي إمكانية لتزييف كمال روح المحارب أو للتظاهر بأنه يمتلك القوة. فعاجلًا أو آجلًا ستكشف أفعال الإنسان أن كل هذا ليس سوى مسخرة حمقاء.

هذه التأملات تقودنا مباشرة إلى قاعدة المتقصي؛ فإذا كان القارئ ينوي أن يطالب بحقوقه على القوة وأن يصبح محاربًا، لا أن يثري نمط حياته الحالي بمجرد شذرات من التعاليم، فسيكون عليه أن يتعلم أن يتقصى نفسه بلا لوم. ولذلك يجب أولًا وقبل كل شيء أن يطرح على نفسه سؤالًا: «هل أريد حقًا أن أصبح محاربًا؟ هل أنا مستعد للخضوع لتحول كامل؟»

إذا كانت كل خلية في كيان الإنسان تصرخ بأنه لا سبيل آخر، فهو مستعد حقًا لبذل كل الجهود لتجسيد هذه التعاليم في الممارسة بصرف النظر عن عدد الإخفاقات التي ستلحقه على هذا الطريق. وينبغي أن نتذكر أن مثل هذه الإخفاقات لا أهمية لها، لأنها تعلم الإنسان أكثر مما يعلمه الحظ العابر للمبتدئ. فالإنسان، وهو يتقن لعبة التنس، يفلت منه الكرة عددًا لا يحصى من المرات، لكن كل إرسال يفوته يتيح له أن يتعلم من أخطائه. هكذا رُتبت الحياة، وهذا المبدأ صحيح في أي تعلم. ومع ذلك، في دراسة طريق المحارب، وخصوصًا في إتقان تقصي النفس، لا ينبغي أن نتعامل بسطحية مع أي شيء، حتى لو بدا منطقيًا إلى حد لا يصدق.

أن تتعلم لعب التنس أمر، لكن أن تفهم معنى أن تكون محاربًا أمر آخر تمامًا. والسبب بسيط جدًا: لا يمكن أن يصبح المرء محاربًا إلا بتجسيد هذه التعاليم في الممارسة، في حياته، لا في ملعب تنس. فإذا كان الإنسان يفقد الكرة باستمرار في ملعب التنس، فأسوأ ما سيحدث أنه سيخسر شوطًا، لكن كل فقدان للكرة في الحياة يعني نتائج خطيرة — وليس للإنسان نفسه فقط، بل لكل من حوله أيضًا.

وبناءً على ذلك، لا يملك أي إنسان الحق في أن يرتكب الأخطاء دون عقاب، لأن الناس، وهم يتعلمون لعبة الحياة، لا يتدربون فقط من أجل اليوم الذي يُتيح لهم فيه أن يشاركوا في منافسة تنس حقيقية. ففي الحياة، كل تدريب هو حدث واقعي وينجم عنه نتائج واقعية؛ ويظل هذا صحيحًا بصرف النظر عما إذا كان المرء يريد أن يصبح محاربًا أم لا. غير أن الأمر، إذا كان ينوي حقًا أن يصبح محاربًا — لا لأن ذلك فكرة جيدة، بل لأن بلوغ مستوى المحارب مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذا الإنسان — فإن كل تدريب، وكل حدث، يشكل معركة حقيقية — معركته الأخيرة على الأرض. ومن الواضح أن المرء في معركة يكون رهانها الحياة لا يمكنه ببساطة أن يسمح لنفسه بارتكاب الأخطاء. ومع ذلك سيرتكبها، وسيتعلم منها، لكن هذا التعلم صعب جدًا. علينا جميعًا أن ندفع ثمن كل درس بجزء من حياتنا.

من أوائل المبادئ التي يستوعبها كل تلميذ عند دخوله طريق المحارب الجانب الأول من قاعدة المتقصي: المحارب يختار معركته بنفسه، ولذلك يقيّم دائمًا وبعناية فائقة ظروف المعركة المقبلة وشروطها. ولا ينبغي أن يُفهم تعبير «يختار معركته بنفسه» فهمًا سطحيًا. وسنتحدث عن ذلك الآن بمزيد من التفصيل، لكن ينبغي قبل ذلك الإخبار بأن أولئك التلاميذ الذين لا يوجهون انتباههم بعناد إلى الجانب الأول من قاعدة المتقصي، أي يتشبثون بعناد بنمط تفكير وسلوك متقادم، محكوم عليهم بالفشل، لأنهم لا يريدون أن يستيقظوا. فمثل هذا التلميذ لن يصبح محاربًا أبدًا لسبب بسيط هو أنه يصر على حماقة نومه.

ينبغي الإدراك التام لحقيقة لا يمكن المبالغة في تقدير أهميتها: فعل الاستيقاظ الأول داخل الحلم ليس تقنية ولا قدرة مكتسبة بقدر ما هو فعل بقاء. فلماذا يريد الإنسان أن يستيقظ إذا كان الحلم يعجبه؟ لن ترغب في الاستيقاظ والتخلص من مضمون حلمك إلا إذا بدأ الحلم يتحول إلى كابوس.

غير أن ما يشكل كابوسا لشخص ما ليس بالضرورة أن يروع شخصا آخر. فكلنا مختلفون، ولذلك فإن مفهوم الكابوس فردي إلى حد بعيد. فمثلا، قد يكون الفقر كابوسا لشخص، بينما يكون إدارة إمبراطورية مالية كابوسا لآخر. وعلى نحو مماثل، يرى زوجان أن فكرة وجود ابن مجرم أمر مروع، بينما يرتجف آخرون من مجرد التفكير في طفل متخلف عقليا.

ومع ذلك، في كل الأحوال يصبح الحلم كابوسا لأن الشخص الذي يحلم به يشعر بأن عقله، وربما حياته نفسها، يتعرضان للتهديد بالمعنى الحقيقي للكلمة، إذ لا مكان للهرب ولا للاختباء في الحلم. عندئذ، وعندئذ فقط، يبدأ الإنسان النضال من أجل الاستيقاظ.

الاستيقاظ داخل الحلم ليس بالأمر السهل كالعودة المفاجئة إلى اليقظة الصحوة في منتصف الليل. يبدأ الاستيقاظ داخل الحلم بعد أن يتخذ الإنسان قرارا بالغ الأهمية بأن يتغير.

إن تراكم الصحوة الحقة عملية طويلة من النضال من أجل رؤية مضمون الحلم على حقيقته. يصبح القرار الأول تغيرا حاسما بحق، لكن يجب أن تتبعه أفعال ضرورية، ولكن لكي يحدث أي فعل ويأتي بالنتائج، يلزم الوقت. فمن المستحيل ببساطة أن تزرع بذرة اليوم وترى غدا في المكان نفسه شجرة وارفة.

بحسب التقليد، لا يقبل الناغوال شخصا تلميذا إلا عندما يرى أن هذا الشخص يخوض بالفعل نضالا من أجل الاستيقاظ. وعندما يبلغ التلميذ هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى إقناعه بأن أي حدث إنما هو صراع حياة أو موت. فهو يفهم ذلك أصلا، وعليه الآن أن يعرف ما ينبغي عليه فعله بالتحديد.

المخرج الوحيد أمام التلميذ هو التقدم إلى الأمام، فيبدأ بتعلم تتبع إدراكه، أو بعبارة أخرى، تتبع حلمه. غير أن هذا التلميذ، بما أنه مبتدئ دائما، لا يزال يفتقر إلى الصحوة ليفهم المعنى الحقيقي لقاعدة المتتبع، ناهيك عن مبادئ المتتبع الأربعة.

لهذا السبب، دعونا ننتقل إلى مثال عن كيفية تتبع التلميذ لحلمه. وللقيام بذلك سنستعين بحالة من حياة تلميذي الخاص؛ وبطبيعة الحال، قد غيرت اسمه.

يعمل شون وأخوه ويليس معا؛ وبما أن شون هو من أسس الشركة، فقد كان دائما مديرها العام، مع أن الأخوين لم يتفقا على ذلك صراحة، غير أن التيارات الخفية التي كانت تتجمع قوتها في علاقاتهما لفترة من الزمن تنفجر إلى السطح على نحو خفي تماما، فيبلغ ويليس شون بأنه يتولى إدارة الشركة وأنه ينوي من هذه اللحظة إدارة الأعمال على طريقته. علاوة على ذلك، يوحي ويليس لشون بأنه إذا لم يرق له ذلك فبوسعه أن ينصرف، لكنه لن يحصل عندئذ على شيء.

بعد هذا التحول في الأحداث، يجد شون نفسه أمام معضلة حقيقية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بأن كل ما عمل من أجله وتعلق به من آمال قد أصبح على المحك؛ بل المشكلة أيضا في أنه هو نفسه كان يقدم ضمانات لجميع التزامات الشركة. وهكذا، إذا بقي في العمل فسيجد نفسه في موقف حرج، إذ سيتعين عليه أن يقدم تقارير عن كل شيء أمام أخيه، وقبل كل شيء عن نفسه، لأن الشركة هو من أسسها. ومن ناحية أخرى، إذا سمح شون لأخيه بإدارة الأعمال على طريقته وانصرف ببساطة، فسيكون هو من يتحمل المسؤولية قانونا إذا أفلس ويليس.

فماذا يفعل شون؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولا أن نأخذ في الاعتبار حقيقة أن شون تلميذ على طريق المحارب، لأن هذا هو ما يحدد خياراته الممكنة. فلو لم يكن شون تلميذا، لكانت خيارات السلوك الممكنة متنوعة أشد التنوع، ولهذا بالذات كنت أوضح في بداية هذا الفصل الفرق بين من يعتزم بجد أن يصبح محاربا ومن يريد فقط أن يستفيد من التعاليم ليجعل حياته أغنى.

بما أن التعاليم تنقل في كتبي في صورتها الخالصة، أي انطلاقا من افتراض أن القارئ تلميذ حقيقي، فإن عبء المسؤولية عن تطبيق هذه التعاليم بالحذر والتعقل الواجبين يقع على القارئ نفسه. بعبارة أخرى، إذا وجد القارئ نفسه في موقف مزعج لكونه لم يعتزم قط بجد أن يصبح محاربا، فعليه أن يفهم أنه لا حق له إطلاقا في لوم التعاليم ولا لومي. وإذا راقت للقارئ فكرة الترشيش في تعاليم التولتك، فلن يستطيع أحد منعه، غير أنه يجب عليه أن يحرص على ألا يحرق أصابعه في هذا الماء المغلي، أو، وهو الأسوأ، ألا يفقد ذراعه كلها!

لنعد إلى شون، التلميذ على طريق المحارب. من السهل أن نفهم أنه لا يستطيع اختيار أي من تلك الخيارات التي تصلح لإنسان عادي ليس تلميذا، لأن أي خيارات من هذا القبيل لن تؤدي بشون إلا إلى تقوية إدراك وهم الحلم وإلى جعله يكرر حماقته الخاصة مرارا. وبما أن شون يريد أن يصبح محاربا، فليس أمامه خيار آخر سوى محاولة بذل كل قوته ليتصرف تصرف المحارب الكامل حقا. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن التلاميذ كثيرا ما يميلون إلى نسيان أن الطريق الوحيد للمطالبة بحقوق قوة المحارب هو مواجهة تحد تفرضه القوة، وهذا بالضبط ما حدث لشون.

ومع ذلك، عندما يحدث ذلك، يبذل التلميذ عادة قصارى جهده للتهرب من الاختبار، معترضا بيأس على أنه صار مستعدا لمواجهة هذا الاختبار كما ينبغي للمحارب. غير أننا لا نتحدث عن تدريب على ملعب تنس، بل نتعامل مع تحد حقيقي تفرضه القوة؛ فيصبح هذا الاختبار بالنسبة لشون معركة حقيقية، سيكون لمصيرها أثر في حياته كلها اللاحقة، ولا في حياته وحده، بل في حياة أخيه ووالديهما وكل من له صلة بهذه الحالة.

هذه هي طبيعة طريق المحارب: إذا أراد الإنسان أن يصبح محاربا، فعليه أن يكون مستعدا للوثوب على قدميه والقتال بكل ما أوتي من قوة، بصرف النظر عما إذا كانت هذه القوة تكفيه للانتصار.

إذا كان شون يعتزم أن يتناول هذا الاختبار تناول المحارب الحقيقي، فعليه أولا أن يطبق الجانب الأول من قاعدة المتتبع، الذي يقول: المحارب يختار معركته بنفسه.

هذا لا يعني إطلاقا أن المحارب هو من يتخذ القرارات بشأن المعارك التي يشارك فيها وتلك التي يرفضها. فأي اختبار بالغ الأهمية، لأنه يحمل في طياته هبة القوة، ولذلك لا يستطيع المحاربون ببساطة أن يسمحوا لأنفسهم برفض أي معركة.

في الواقع، تعني هذه الكلمات أن على المرء أن يدرك إدراكاً تاماً ماهية المعركة الحقيقية. فبحسب مستوى الإدراك، يمكن النظر إلى أي اختبار من عدة زوايا مختلفة، وكل هذه المناظير تتيح تقييم القتال. وعادةً لا يبلغ الناس وضوحاً خاصاً بشأن صعوبات حياتهم، إذ يميل معظمهم إلى التركيز على الجوانب «السيئة» في الاختبار، فيضطرون نتيجة لذلك إلى خوض معارك «سيئة».

إذن، إذا كان شون ينوي التأكد من ماهية اصطدامه بأخيه، فإنه لا يمكنه ببساطة أن يختار وجهة نظره بشكل عشوائي ويعتبر هذه النظرة إلى المعركة مناسبة؛ بل عليه بدلاً من ذلك أن يقيّم الظروف وشروط القتال بتأنٍّ بالغ. وبهذا المعنى، من المهم جداً لشون أن يتذكر أن العالم ليس كما يبدو. وفي محاولته فعل ذلك، لا ينسى شون أيضاً أنه يجب عليه أن يأخذ اختباره على محمل الجد، لأن هذا تحديداً هو بداية المعركة، لكنه في الوقت نفسه يجب ألا يقع في فخ التعامل السطحي مع الاختبار بوصفه معركة حقيقية. ويجب على شون أن يتذكر أيضاً أنه يجب عليه أن يسعى باستمرار إلى استخدام درع المحارب — فإذا فقد يقظته ولم يخض معركته بالخوف والاحترام والثقة الكاملة، فسيكون ذلك بمثابة هزيمة.

بعد أن بلغ شون هذا المستوى من الوضوح بشأن ما واجهه، لا يزال يشعر بالحاجة إلى التأكد من ماهية المعركة الحقيقية بالنسبة له شخصياً في هذه الحالة بالذات. وإذا لم يكن شون ينوي التحديق الأعمى في المعنى السطحي لهذا الاختبار، فإنه يحتاج حاجة ملحة إلى نقل التركيز من وجهة النظر التي اعتاد أن ينظر بها إلى اختبارات من هذا النوع. وهذا يعني أنه يجب عليه أن يتعقب إدراكه؛ وإلا فإن العادات التي كوّنها طوال حياته ستُبقيه داخل إطار الإدراك المعتاد. ولتحقيق ذلك، يجب على شون أن يسعى إلى استخدام قاعدة المستكشف، مع عدم نسيان أنه لا يمكن فعل ذلك إلا مع مراعاة الأجزاء الأربعة المكوّنة للحلم جميعها.

ينبغي إدراك أن هذه الأجزاء الأربعة المكوّنة توجد في تفاعل لا ينفصم، وهذا التفاعل سيحدد، أولاً، الكيفية التي يدرك بها شون اختباره، وثانياً، استراتيجيته، وثالثاً، نتيجة المعركة. وأي تطبيق لقاعدة المستكشف يطلق دائماً تفاعلاً متسلسلاً يستحيل التنبؤ بنتيجته مسبقاً بسبب عدم إمكانية التنبؤ بأهواء القوة.

بعبارة أخرى، إن تطبيق قاعدة المستكشف يعني القفز إلى المجهول، غير أن أي قفزة غير مدروسة إلى المجهول تمثل حماقة مطلقة. وأي شخص يكون غبياً إلى حد استخدام قاعدة المستكشف بهذه الطريقة، سيواجه ببساطة مشكلات أكبر مما توقع.
إن الفن الحقيقي للمستكشف المتمرس يتمثل في القدرة على الارتجال، غير أن هذا الارتجال لا يمكن أن يكون أي هراء يُؤدى بحسب الظروف.

من الضروري أن نتذكر أن الحديث يدور عن الحياة الواقعية؛ فإذا أراد المرء أن يتجنب سهام الكون الحادة، وجب أن يكون أي ارتجال بارعاً ودقيقاً إلى حد لا يُصدق، وقائماً قبل كل شيء على الحقيقة.

معنى التتبع كله يكمن في الحصول على مزايا من أجل البقاء، لكن من يستسلم لسلوك مهمل غير منضبط قائم على الكذب لن يستطيع العيش طويلًا، خصوصًا إذا كان هذا الإنسان يطبق قاعدة المتتبع.

إن فن الارتجال يمثل مهارة لا يمكن بلوغها إلا عبر اتباع مجموعة محددة بدقة من التعليمات. لاحظوا أنني أستخدم كلمة «تعليمات» لا «قواعد». فلا يمكن أن توجد قواعد صارمة في الارتجال، لأن كل حالة تنشأ فريدة، وبالتالي تصبح استثناءً من القواعد. والأساس الوحيد الموثوق للتوصيات المتعلقة بالتعقب يمكن أن يكون الاستراتيجية — وهذه الاستراتيجية الأساسية تحديداً هي ما يُسمى مجموعة التعليمات.

في الواقع، هذه ليست تعليمات بالمعنى المعتاد للكلمة، بل هي بالأحرى أوصاف لطبيعة ما يُسمى القدرة على استشعار الطريق في الظلام. ووفقاً للتقاليد، تُعبَّر هذه التعليمات لفظياً في العبارة التالية، التي يصعب، رغم دقتها المتناهية، إدراكها بالعقل المنطقي.

أي مناورة من مناورات التتبع هي في جوهرها ارتجال. وهذا الارتجال يجب أن يستند إلى تحليل صحيح للتفاعل المحتمل بين الأجزاء الأربعة المكونة للحلم. التي تنشأ تلقائيًا عند أي فعل — جسدي وعاطفي وذهني. والسبيل الوحيد لإجراء مثل هذا التحليل هو أن نقيّم خطوط التوتر. التي تنشأ في شبكة الحياة. وخطوط التوتر هذه تصبح متاحة للإدراك باستمرار. حين تدخل مسلّمات التتبع الأربع في اللعب.

لنفحص بعناية عواقب هذه العبارة لنفهم معنى مجموعة التعليمات التي يجري الحديث عنها. إن عبارة «تقييم خطوط التوتر الناشئة في شبكة الحياة» يصعب جداً تفسيرها دون اللجوء إلى تفاصيل تقنية معقدة، غير أنني سأحاول، حرصاً على وضوح العرض، أن أختصر وصف هذه النظرية التقنية إلى الحد الأدنى.

ينبغي إدراك أنه، بما أن كل شيء حي مترابط، فإن كل اختبار ينشأ في حياة الإنسان ليس سوى نتيجة لتفاعل الطاقات الناجم عن التأثيرات المتراكمة لقوة ما.

وهذا يعني أن شون في المثال قيد النظر ليس ضحية هجوم ظالم من جانب أخيه على الإطلاق. في الحقيقة، إنما واجه شون اختباراً يمثل النتيجة الإجمالية لعدد لا يُعبَّر عنه من الإدراكات، سواء في الماضي أو في الحاضر. ولكي يُفهم هذا فهماً صحيحاً، يجب إدراك أن هذه الإدراكات لا تنتمي إلى شون وأخيه فحسب، بل أيضاً إلى معلميهما في المدرسة والجامعة، وإلى أصدقائهما ومعارفهما، وشركائهما في العمل، وإلى كثيرين غيرهم. وكل هذه الإدراكات تتفاعل، لأن القوة الشخصية التي يولّدها كل منها تؤدي في النهاية إلى نشوء قوة كلية.

يجب أن نتذكر أن الدافع الثانوي لفعل الإدراك هو العواطف، وهي أيضاً تتفاعل. وكل هذه التفاعلات تولّد إدراكات جديدة، وفي النهاية يمكن ملاحظة إدراكات كثيرة تتباعد حلقةً بعد حلقة — فكل حلقة تولّد قوة جديدة، وتُشحن، علاوة على ذلك، بالعواطف.

إن هذه الدوائر المتباعدة تولّد دائماً عواقب معينة في حياة جميع المشاركين في الأحداث، وستعبّر الإرادة الشخصية عن هذه العواقب في صورة أفعال ما — ذهنية أو عاطفية أو جسدية. وتُحدَّد الأفعال كهذه بما يُسمى شدة الدائرة المتباعدة التي ولّدت الفعل نفسه. وتنشأ شدة الدائرة المتباعدة عندما تدخل القوة الشخصية والعواطف المولّدة عن الإدراك لدى شخص ما في تفاعل مع الصفات ذاتها لدى شخص آخر. ومن الواضح أنه إذا كان عدد كبير من الناس منخرطاً في الأحداث، فإن شدة الدائرة المتباعدة ستُحدَّد بالتفاعل بين نتاجات إدراك كل مشارك.

إن نوعية هذه الشدة يسميها الناس عادةً مزاجاً ما؛ وهي تعتمد اعتماداً مباشراً على درجة الإدراك المُختبرة. وعلى سبيل المثال، عندما يتحدث شخصان مع بعضهما البعض ويكون إدراك كليهما غائماً بسبب التكييف الاجتماعي، فلن يُدرك أي منهما إدراكاً جيداً بما يكفي. ونتيجة لذلك، سينشأ بينهما سوء فهم خطير، وستؤدي التفسيرات الخاطئة لما يقوله المحاور إلى محادثة تولّد نوعاً محدداً تماماً من المزاج. وهذا صحيح ليس فيما يخص المحاورين فحسب، بل أيضاً فيما يخص جميع أشكال الإدراك على جميع المستويات الممكنة — حتى على مستويات العرق والبلد والعالم بأسره.

وهكذا، فبحسب درجة الإدراك السائدة في اللحظة، يمكن أن تتجلى الصفة الكلية للإدراك، أو المزاج، في صورة قسوة أو سوداوية أو محبة للسلام أو هياج وهلم جرًا.

إن صفات كهذه تولد على الدوام شكلًا معينًا من الشد، ولأن كل حي مترابط، فإن خطوط الشد هذه حاضرة دائمًا في شبكة الحياة، وكل إنسان يستشعرها أو يحس بها. والمتتبع المتمرس يستخدم خطوط الشد هذه في ارتجالاته؛ ومن الواضح تمامًا أن فن ارتجاله يعتمد على مدى سهولة قراءته وتقديره لطبيعة هذه الشدود. وهذا يعني أن المتتبع الماهر لا يتمتع فقط بحساسية عالية لأصغر انزياحات خطوط الشد، بل يعرف أيضًا أن يؤول بدقة لا تصدق كل دقائق خطوط الشد، وأن يقدر إمكاناتها في أجزاء من الثانية.

خطوط الشد هي في طبيعتها طاقة تؤثر في الشخصية وفي شبكة الحياة نفسها alike. والخوض في تفاصيل كيفية حدوث ذلك يخرج عن نطاق هذا الكتاب، ولذلك يكفي أن نقول إن خطوط الشد تتفاعل عادة بعضها مع بعض على نحو يجسد في الواقع ما يعده الناس اختبارات حياتية. وفي هذا تكمن صحة عبارات مثل «كن حذرًا في أمنياتك، فإنها قد تتحقق»، و«أفظع الكوابيس تصبح حقيقة»، و«المرء يجلب على نفسه المتاعب بيده».
فإذن، إذا كان المرء يريد أن يرى حقيقة معركته لا أن يستحوذ عليه معناها السطحي، فعليه أن يتعلم تحديد خطوط الشد التي أدت إلى هذه المعركة. والسبيل الوحيد إلى اكتساب هذه المهارة هو أن يعرف المبادئ الأربعة للتتبع بالممارسة، لأن تدفق القوة النافذ إلى الحياة يخضع، وفقًا لهذه المبادئ، لنمط معين لا يتغير — رغم أن مآل هذا التدفق غريب تمامًا وغير قابل للتنبؤ. ولنعد إلى مثال شون لنفهم كيف يتم ذلك.
إذا كان شون يريد أن يفهم ما يجري في حياته حقًا، فعليه أن يحاول استخدام المبادئ الأربعة للتتبع وأن يتبين خطوط الشد التي ولدت الاختبار الذي برز أمامه. وكما تدل المبادئ الأربعة للتتبع، يمكن أن يتجه تدفق القوة إلى الشرق والشمال والجنوب والغرب، ولذلك ينبغي النظر إلى كل اختبار بالترتيب نفسه. ولأن الشرق يمثل موضع صفاء الوعي، فإن المطلب الأول بالطبع في تجاوز أي اختبار هو بلوغ الوضوح بشأن المشكلة الناشئة. غير أن المبدأ الأول للتتبع يقول إن العالم كله وما يتضمنه يمثل لغزًا لا نهائيًا، تنتمي إليه بلا شك الاختبارات الحياتية. وهكذا لا يستطيع شون أن يتناول اختباره تناولًا عقلانيًا، لأن هذا التناول لا يترك مجالًا للغز، ومن ثم فلا يدعه يرى بوضوح إلا المعنى السطحي للاختبار.

ولا يستطيع شون أيضًا أن يفر من هذا الاختبار، لأن المبدأ الثاني من مبادئ التتبع ينص على أن واجب المحارب هو حل هذا السر. ويكفي شون أن يتذكر المبدأ الثاني وحده ليدرك تمامًا أنه لا يستطيع أن يمضي ويترك أخاه يدير الأمور على طريقته. ويتعلق المبدأ الثاني بالشرق، موضع الفعل، ولذلك يلزم شون أن يتخذ خطوات معينة — وبالطبع يجب أن تتجه أفعاله إلى حل ذلك اللغز الذي يمثله الاختبار الذي برز أمام شون.

ويحذر الجزء الثاني من المبدأ نفسه من أن المحارب يجب ألا يستسلم أبدًا للأمل في أن ينجح في ذلك. وهذا يعني عمليًا أن أي اختبار ليس سوى تجسيد جزئي للغز الكلي.

وبعبارة أخرى، فما يجري بين شون وأخيه ليس نزوة لحظة، بل هو بالأحرى نتيجة شيء ظل ينضج زمنًا طويلًا؛ ومن المحتمل جدًا أن هذه العملية استمرت طوال حياة شون، وأن مآلها سيؤثر في حياته كلها اللاحقة. وهذه مسألة بالغة الأهمية ستُبحث بمزيد من التفصيل في الفصل التالي.

بالانتقال إلى المبدأ الثالث، يدرك شون أنه إذا كان ينوي حل هذا اللغز بإدارة اختباره على نحو سليم، فلا بد له أن يعد نفسه جزءًا منه ويسعى إلى أن يصير واحدًا معه. ولا يوجد في جميع التعاليم إشارة أوضح من أن المرء لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالانغماس في اقتناعه بأنه ضحية.

وبعبارة أخرى، على شون أن يعترف بأنه يتحمل هو أيضًا جزءًا من المسؤولية عن تغير مزاج أخيه وسلوكه. وهذا ليس مفاجئًا قط، لأن الإدراك ومنتجه في تفاعل تام — والمفاجئ هو كم مرة يصر الناس عنادًا على اعتبار أنفسهم ضحايا أبرياء تمامًا.
أود الآن أن أشير مرة أخرى إلى أنه لا توجد ضحايا في هذا العالم، بل حتى لو وُجدت، فلن تستطيع أبدًا أن تكون بريئة تمامًا.

وإذا كان المرء يفضل أن يعد نفسه ضحية، فإنه يصير ضحية بالفعل. وفي المقابل، إذا كان المرء يفضل أن يكون محاربًا لا ضحية، فعليه أن يدرك أنه هو نفسه يتحمل المسؤولية عن كل ما يحدث في حياته. وإذا اندفع أحدهم إلى الطريق وصدمته سيارة، فلا يقل خطأ الماشي عن خطأ السائق. فقبل كل شيء، قرر المصاب بنفسه أن ينزل إلى الطريق في تلك اللحظة. وكان بوسعه أن يعبره إما في موضع آخر، أو بعد قليل، أو أسرع قليلًا أو أبطأ قليلًا. أي أن المصاب كان بوسعه أن يكون أكثر يقظة. وثانيًا، ينبغي إدراك أنه رغم أن القانون الذي وضعه الإنسان سينحاز على الأرجح إلى جانب المصاب، فإن هذه القوانين الصغيرة لن تعفيه قط من ذنبه في أن الماشي ألحق ضررًا بسيارة شخص آخر، أو في أن السائق اعتُبر مذنبًا بالإهمال في قيادة السيارة.

وعلى نحو مماثل، يحدث الاغتصاب لأن «الضحية» تحتاج إلى أن تمر بهذه التجربة — فلعلها تكشف لها معنى الإذلال. ومن المحتمل جدًا أن المرء كان في حاجة إلى أن يعيش الإذلال ليفهم شيئًا يتعلق بسلوكه هو. وبعبارة أخرى، على المرء أن يفهم ما الذي فيه هو جعله هدفًا جاذبًا للاغتصاب؟ فإذا كان المرء مفرطًا في الشهوانية، أو جميلًا، أو ميالًا إلى إظهار جاذبيته الجنسية، فعليه أن يتحمل المسؤولية عن ذلك. ومن جهة أخرى، فلعله كان يثير لدى من حوله من الغيظ ما جعل أحدهم يشعر بضرورة إذلاله بالاغتصاب — وفي هذا أيضًا على المرء أن يتحمل مسؤوليته. وعلاوة على ذلك، لا بد من الاعتراف بأنه إذا كان المغتصب قد أُلقي القبض عليه وأدين — وربما حتى بالإعدام — فإن المصاب سيكون مذنبًا في معاقبة هذا المجرم، حتى لو بدأ آلاف الناس من حوله يمجدون عدالة المحلفين وينتصرون للضحية.

غالبًا ما يستشهد أولئك الذين يفضلون الإيمان بوجود ضحايا بمثال الأطفال الذين يولدون معاقين بوصفهم ضحايا حقيقيين لظروف الميلاد؛ غير أن هذا دليل زائد على أن مثل هؤلاء الناس ينسون تمامًا أمثلة رائعة كهيلين كيلر. فقد رفضت هيلين الصماء والعمياء والبكماء أن تعيش حياة «الخضروات» في دار للأطفال المعاقين، مع أنها كانت تستطيع تمامًا البقاء هناك لو أرادت أن تعدّ نفسها ضحية. ومع ذلك، ورغم كل هذا، يجب عليّ أن أعترف بكل صدق بأن هناك بالفعل بعض الحالات التي يمكن عدّها استثناءات من القاعدة. ومثال على هذا الاستثناء يمكن أن يكون الأطفال المتخلفون عقليًا منذ الولادة أو الأطفال الذين يولدون بإصابات دماغية خطيرة؛ فهم ببساطة لا يستطيعون أن يعيشوا حياة طبيعية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ونتيجة لذلك يكمن المعنى الحقيقي لحياتهم في تلك التجارب التي يمنحونها لوالديهم وأقاربهم.

في هذا الكتاب لا أستطيع أن أشرح حالات كهذه شرحًا كاملاً، لأن الحقيقة الكامنة وراء هؤلاء الأيتام الأكثر حبًا ولطفًا في العالم هي حكاية طويلة ومأساوية إلى حد بعيد، لذا يكفي الآن القول إن حججي لا تتناول هؤلاء الأطفال. فهؤلاء الأطفال لن يصبحوا محاربين أبدًا خلال الحياة الحالية. ومن ناحية أخرى، أنا فخور بوالدي هؤلاء الأطفال الذين استطاعوا أن يستخدموا المحنة التي واجهتهم لصالحهم بدلاً من أن يهربوا بعيدًا، كما يحدث كثيرًا، محكومين على هؤلاء الأطفال بالحياة في دار للمتخلفين عقليًا.

إذ أورد هذه الأمثلة، أسمع بالفعل صرخات غاضبة من جميع «ضحايا» عالمنا. غير أنني لا أزعم إطلاقًا أن جرائم المغتصب يمكن تبريرها بأي شكل، ولا أقول إن للسائقين الحق في أن يكونوا مهملين أثناء القيادة. إنما أقول إن العكس صحيح أيضًا: لا يحق لأحد أن يجعل الاغتصاب ممكنًا ثم يتهم غيره به؛ ولا يحق لأحد أن يجعل السائق مذنبًا بالإهمال في القيادة وهو يسهم في ظهور أشخاص نعسانين أو مهملين خلف المقود.

ومع ذلك، قبل كل شيء ينبغي تذكر أن هذه الكتب لم تُكتب للضحايا، بل لأولئك الذين لا يرغبون في أن يصبحوا ضحية، لكنهم يريدون أن يعلنوا أحقيتهم في القوة وأن يصبحوا محاربين. وهؤلاء الناس لا يطيقون الرياء، وبالتالي الكذب. وينبغي تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى الناس أن يواجهوا الحقيقة الخالصة مرفوعي الرأس وبكل الصدق الذي يستطيعه الإنسان، إذ بدون صدق كهذا لا يمكن أن ينشأ صفاء حقيقي أيضًا.

كل واحد منا يلعب دوره في كل ما يحدث لنا في الحياة، ولذلك نحن مذنبون في ذلك بقدر لا يقل عن أولئك الذين أساءوا معاملتنا. وينطبق هذا بالقدر ذاته على الآباء الذين يتخلون عن أطفالهم المتخلفين عقليًا، لأن هذه التجربة ضرورية ليس للطفل نفسه فحسب، بل لهؤلاء الآباء أيضًا.

وبالتالي، إذا أراد شون أن يحقق وضوحًا بشأن ما يحدث فعلاً في حياته، فعليه أن يحاول اكتشاف دوره الخاص في هذه الظروف. وبعبارة أخرى، لا يمكن لشون أن يسمح لنفسه بالغرق في الشعور ببره الذاتي وأن يتذمر من سلوك أخيه؛ بل عليه أن يندمج مع هذا اللغز، لأنه بهذه الطريقة فقط سيتمكن من فهم إسهامه الخاص في ما حدث.

بالانتقال إلى المسلم الرابع، يتذكر شون أن أساس هذا السر هو لغز الوجود اللانهائي. وهذا هو التوجيه الأثمن، لأنه في نهاية المطاف تنشأ كل المحن في طريق الإنسان لكي يتعلم، وهو يصارع من أجل تجاوزها، المزيد عما يكونه وما هو عليه في الحقيقة. وإذا أراد شون أن يغيّر تركيزه ويحقق الصفاء، فلا يمكنه أن ينظر إلى أفعال أخيه من زاوية كيف يعامله أخوه؛ بل يجب عليه أن يرى في سلوك أخيه ما يفعله أخوه من أجله.

إن فكرة وجود ضحايا تتصدع مرة أخرى، ويحل محل ذلك الشفقة على الذات إدراك مذهل لحقيقة أن ويليس، حين يُنزل الظلم بشون، يساعد أخاه في الحقيقة على أن يصبح محاربًا. وهذا لا يبرر أفعال ويليس، بل يؤكد أن كلاً من شون وويليس يحتاج إلى المحن لمواصلة مسار الحياة. وبهذا المعنى لا ينبغي أبدًا نسيان أننا ببساطة لا نستطيع إدانة الآخرين، لأننا لا نعرف من يكون الإنسان الآخر وما هو عليه. وبالتالي لا يمكن القول إن ويليس «شخص سيئ» لأنه يفعل شيئًا خطأً أو أنه أسوأ من شون بمعنى ما؛ يمكن القول فقط إن أفعال ويليس وسلوكه تجاه شون سيئة. غير أن سلوك شون نفسه تجاه ويليس ليس أفضل بكثير، لأنه إذ يشعر بالحاجة إلى محنة كهذه بالذات، فإنه يدفع أخاه إلى التصرف بشكل سيئ، أي إنه يتبين ضمنًا أنه لا يقل قسوة عن ويليس.
أؤكد من جديد حقيقة أن هذا لا يعني إطلاقًا أن ويليس يحق له أن يتصرف هكذا. فما فعله سيئ حقًا، وهذا الخطأ سيساعده على تعلم درسه الخاص. غير أن وقوع ويليس في الخطأ لا يعني إطلاقًا أن شون بريء من أي ذنب. في الواقع، بمجرد أن يصل شون إلى هذا الفهم، يبدأ في رؤية أنه طوال حياته كان يفعل بكثرة مذهلة شيئًا من شأنه إذلال أخيه، مع أن شون نفسه كان ينطلق من أنبل الدوافع.

أخيرًا يبدأ شون في إدراك أنه هو نفسه الذي أثار ظهور هذه المحنة؛ ويبدأ في وعي أن أفعاله هي التي أدت إلى أن تصل العلاقة بين الأخوين إلى هذه المرحلة. وبتطبيق مبدأ المرآة، يدرك شون أنه هو وأخوه سعيا دائمًا إلى تقدير عالٍ للذات وإلى الاقتناع بأهمية الذات. وقد تجلى ذلك عند شون في الرغبة في أن يكون «الراعي الصالح» المزعوم لأخيه، وعند ويليس في السعي إلى أن يكون متمردًا لا يتفق أبدًا مع العالم المحيط، ويحاول في النهاية كبح أفعال «راعيه الصالح». ومع أن أسلوبي سلوك الأخوين قد يبدوان شديدي التباين، فلا يوجد في نهاية المطاف أي فرق بينهما. وباستسلامه لهذا، يضطر شون إلى الاعتراف بأن الجميع متساوون في هذا اللغز الوجودي.

هكذا أكمل شون دائرة كاملة، فمن الواضح تمامًا أن أمامه مراجعة جادة لعلاقته بأخيه، وهذا بالطبع يعيده مرة أخرى إلى الشرق، إلى مكان المراجعة. ومع ذلك، فإن مجرد هذا التطبيق التمهيدي للمسلمات الأربع للترصد يجلب لشون بالفعل صفاءً أكبر بكثير مما كان من قبل. وهذا مهم إلى حد لا يصدق، لأنه ينبغي إدراك أن المراجعة الكاملة للعلاقة بالأخ على الأرجح ستستغرق من شون عدة سنوات، لكنه لا يملك مثل هذه المهلة الزمنية. ولهذا السبب فإن حتى تلك الفتات من الصفاء التي تتوفر لشون الآن هي ثمينة إلى حد لا يصدق، وانطلاقًا مما اكتشفه شون بالفعل، فهو يدرك بوضوح أنه وأخاه لا يقاتلان من أجل الرفقة إطلاقًا — فكل منهما يستعد على طريقته للمعركة من أجل تقديره لذاته.

وفي هذا يكمن الاختبار الحقيقي، المعركة الحقيقية، ولذلك لا بد أن تتركز خطوط التوتر حول شون لا على ما ينبغي فعله بالرفاه المادي، ولا على الصراع على السلطة، بل على ما يتصل برأي الأخوين في نفسيهما.
وبعد أن بلغ شون هذا المستوى، كان قد جمع في جوهر الأمر كل الصفاء الذي يحتاجه في هذه اللحظة. وهو يعرف الآن أين تكمن معركته الحقيقية وأي خطوط التوتر ستكون الأهم بالنسبة إليه. وبعد أن تبيّن له ذلك، حقق شون الوفاء بالجانب الأول من قاعدة المتقصي: فالمحارب يختار معركته بنفسه، وبذلك بدأ يطبق قاعدة المتقصي تطبيقًا فعليًا. وبعد هذا لم يبق لشون إلا أن يطور تلك الاستراتيجية التي تتيح له استخدام خطوط التوتر هذه في معركته مع أخيه.

غير أننا قبل أن ننظر في استراتيجية شون لنعد إلى السبب الأهم في نشوء الاختبارات في حياتنا أصلًا. وعمومًا، فإن التلاميذ يستغرقون عادةً في الفعل العملي لهذه التقنية إلى حد بعيد، وينغمسون في نتائجها إلى حد أنهم كثيرًا ما ينسون استيعاب ما يعلمهم إياه التمرين ذاته. ولهذا السبب لنتحدث عما تمكن شون من معرفته جديدًا بفضل هذا الاختبار.

لعل أهم درس تعلمه شون هو إدراك أن ويليس لا يحوّله إلى ضحية، بل على العكس يمنح أخاه فرصة رائعة لتحسين تقديره المنخفض لذاته. وحتى ذلك الاستعراض القصير لعلاقته بأخيه الذي تمكن شون من إجرائه قد أوضح له بوضوح أن هذا الاختبار لم ينشأ إلا بسبب رأيه المتدني في نفسه. أما بخصوص استعراض الماضي، فلا بد من إدراك أن شون لم يُجرِ حتى الآن بشأن ويليس سوى استعراض قصير غير إرادي ذكر سالفًا. ومع ذلك، فلأن هذا الاستعراض أُجري في سياق الاختبار الراهن، أصبح الصفاء الذي ولّده في شون بالغ الأهمية، ولا يمكن المبالغة في تقدير قيمته.

كثيرًا ما يصاب التلاميذ باليأس لأن استعراض الماضي يعسر عليهم، فيحاولون نتيجة لذلك، ودون وعي منهم، أن ينسوا وجود هذه التقنية أصلًا. ويخيل إليهم أنهم إن نسوا ذلك عن وعي فسيصبحون محاربين رغم ذلك. غير أن هذا غير ضروري على الإطلاق، شرط أن يبذل التلاميذ جهدًا يسيرًا وأن يتذكروا إحدى المقولات الأساسية:

التعلم الحقيقي الوحيد هو الخبرة العملية. ولذلك فإن كل ما يفعله المرء. يجب أن يبقى في سياق اللحظة الآنية

أسمع نفسي الآن أكرر هذه الفكرة مرارًا وبأكثر العبارات تنوعًا، بينما يومئ التلاميذ برؤوسهم بجدية، ويدونونها في دفاترهم، لكن بعد ثلاثة أشهر، حين أسألهم عن مدى تقدمهم في استعراض الماضي، تتحدث النظرات الآثمة التي تومض على وجوههم عن نفسها.

إذا ظل نقطة التجميع مثبتة بإحكام كما كان، فالإنسان غير قادر على استعراض الماضي بنجاح كافٍ. ولماذا؟ للسبب البسيط أن نقطة التجميع عالقة في مكانها. ولا جدوى من تكرار كل ما قيل في «عودة المحاربين»، لذا سأذكّر بأمر واحد فقط: إن الذكريات العقلية عن الماضي لا تنفع كثيرًا وليست بالتأكيد هدف استعراض الماضي. غير أن الإنسان إذا تذكر أن كل ما يحدث له هنا والآن هو نتيجة ماضيه، أدرك بسهولة أن المشاعر والأحاسيس التي تنشأ في الحاضر هي بالذات ما يستطيع أن يوجه الإنسان نحو ماضيه.

ولهذا السبب بالذات يُنصح التلاميذ دائمًا بأن يباشروا استعراض الماضي انطلاقًا من اللحظة الراهنة ثم بالسير إلى الوراء. فنحن نبدأ دائمًا من الحاضر ونعود القهقرى إلى لحظة الولادة ذاتها — لا العكس أبدًا، لأن معظم الناس لن يستطيعوا ببساطة أن يستعرضوا الماضي من الماضي إلى الحاضر.

يتجلى ذلك بوضوح في مثال شون: فسبب قيام شون باستعراض غير إرادي لعلاقته بأخيه كان اختباره في اللحظة الراهنة. وهكذا فإن الحاضر هو بالنسبة إلى شون أنسب وقت لاستعراض هذه العلاقة، لأنه خلال مشاركته في هذه المعركة سيعيش من جديد كثيرًا من تلك الانفعالات والمشاعر التي كانت تنشأ باستمرار في علاقته بويليس. وإذا أدرك شون ذلك، وبالتالي راقب بيقظة بعث هذه الانفعالات والأحاسيس، فإنها حين تنشأ من جديد ستتيح له أن يحرك نقطة التجميع مؤقتًا بل وأن يزيحها، ويعيد ضبطها على تلك الحقول الطاقية التي تحفظ ذكريات الأحداث والمشكلات المنسية المرتبطة بويليس. غير أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان شون عازمًا على تبين قيمة هذه الانفعالات والأحاسيس. وإلا فإنه حين تنشأ لن يوليها أي انتباه، لأنه سيكون مستغرقًا في المعنى السطحي لاختباره الراهن وسيبدأ في تلبية الحوار الداخلي اللانهائي الذي يحث عليه العقل العقلاني.

لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا. فليس لشون في الوقت الحاضر أي معنى أن يشتغل باستعراض قصة حب حدثت في الماضي، لأنها لا صلة لها بالاختبار الراهن. ومن جهة أخرى، إذا حاول شون أن يستعرض علاقته بويليس بينما تدور في رأسه أفكار عن تلك القصة الغرامية، فعليه أن يُدخل هذه الحالة أيضًا في معادلته، إذ سيصبح واضحًا أن تلك القصة مرتبطة على نحو ما بعلاقته بويليس.

على أي حال، فإن كل ما يحاول التلميذ تجسيده عمليًا يجب أن يكون مرتبطًا باللحظة الآنية. وهذا مهم بشكل خاص فيما يتعلق بالاستعراض، وإلا فإن التلميذ سيصاب بخيبة أمل من تعقيد هذه التقنية.

ينطبق هذا المبدأ على كل الممارسات والتقنيات. فمثلًا، لا يمكن ممارسة اللافعل إذا كان في الرأس حديث يدور مع شخص آخر. ولكن هل يحدث ذلك نادرًا؟ يقضي الناس ساعات طويلة في التفكير فيما كان ينبغي أن يقولوه ولماذا لم يقولوه. وفي حالات أخرى يتصببون عرقًا وهم يبتكرون ما سيكون عليهم قوله في المستقبل، لكن حين تحين اللحظة المنتظرة لا ينطقون لسبب ما أبدًا بما كانوا ينوون قوله — فإما أن لا تتهيأ الفرصة المناسبة لإطلاق العبارة المعدة، وإما أن الإنسان، إذا سنحت له تلك الفرصة، لا يجد الشجاعة ببساطة.

وبالمثل، عند محاولة تحليل حلم أو تفسير علامة، من الضروري تمامًا أن ينطلق المرء من اعتبار أن معنى الحلم أو العلامة لا بد أن يكون مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بما يحدث في حياة الإنسان في هذه اللحظة بالذات. وهذا يصح بوجه خاص في الأحلام الصادقة، لأن ما يحدث الآن هو أساس يوم الغد.

القوة تكمن دائمًا في اللحظة الآنية، ولذلك ينبغي للمرء أن يبدأ بالعمل انطلاقًا من موقعه في اللحظة الحاضرة.

هناك سببان يجعلان تذكر ذلك صعبًا على التلاميذ إلى هذا الحد. أولًا، إن تفكير الناس في العصر الحديث يقوم على الفصل، والتلاميذ ليسوا استثناءً من ذلك. ونتيجة لذلك، فهم حين يبدأون تعلمهم لا يلاحظون أبدًا الصلات بين ما يحدث في حياتهم الآن وبين العالم المحيط. وثانيًا، إن التلاميذ، المقيدين بتكييفهم الاجتماعي، ينظرون إلى الحياة كما ينظر إليها كل الآخرين، وبسبب استخدام هذه النظرة العامة إلى العالم يقعون من جديد ومرارًا في فخ التعامل السطحي مع الظواهر. وهذا يصح بوجه خاص في ما يتعلق بشعور الأهمية الذاتية، إذ يراقب التلاميذ أنفسهم بحرص شديد ألا يُظهروه، حتى إنه في معظم الوقت يبعث على الضحك أن نرى كم يصبحون متعجرفين في رضاهم عن أنفسهم.

إذ يمتلك المتعلمون في بداية طريقهم تفكيراً تقسيمياً بطبيعته، ولا يدركون ما حولهم إلا إدراكاً سطحياً، فإنهم يكونون عادةً منهمكين إلى حدّ بعيد في محاولاتهم أن يكونوا محاربين — أي في سعيهم إلى إقناع أنفسهم بأنهم محاربون بالفعل — حتى ينسوا تماماً أن المرء لا يصير محارباً إلا في سياق الحياة اليومية. ونتيجةً لذلك يقع هؤلاء المتعلمون ضحايا لإغراء تقييم إنجازاتهم بمقارنتها بسلوك الآخرين. وبوجه عام، هذا تمرين بديع، بشرط أن يتذكر المتعلم (وهذا يحدث نادراً) أن ما ينبغي تقييمه هو السلوك، لا الشخص الآخر. ومن دون أن يدركوا ذلك، يرتكب المتعلمون من حين إلى آخر الخطأ القاتل نفسه مرة أخرى، إذ يقارنون أنفسهم بالآخرين.

والنتيجة النهائية هي أنهم يبدأون لا محالة في رؤية عيوبهم الخاصة، لكنهم، سعياً منهم إلى تكوين رأي أعلى عن أنفسهم، ينسون أن العيوب إنما هي طريق الإنسان إلى القوة. وبدلاً من ذلك يحاول هؤلاء المتعلمون أن يغطوا عيوبهم بالتمظاهر بأنهم صاروا محاربين لا عيب فيهم — أو على الأقل صاروا أقل عيباً من الآخرين، أي أنهم يتحركون بسرعة أكبر على طريق التحول إلى محاربين. وهم لا يدركون أن الإحساس بأهمية الذات قد انثنى إلى الخلف كطرف السوط، وأنه على وشك أن يضرب المتعلم مباشرة في مؤخرة رأسه! فما دام الإحساس بأهمية الذات لم يُهزم، فإن الاستعراض لا يؤول أبداً إلى شيء أكثر من إظهار شفقة هائلة على الذات، وهي شفقة تنشأ كثيراً جداً عندما يتذكر المتعلم ما كان عليه أن يعانيه من مشقات في الماضي.

لا يمكن للاستعراض الحقيقي أن يبدأ في إثمار نتائجه إلا بعد أن يبذل المتعلم جهوداً واعية ويكف عن الانغماس في قناعته بأنه ضحية، ويصل إلى فهم أن هذا الإحساس بالضحوية لا يسببه إلا الإحساس بأهمية الذات. وهذا مبدأ بالغ الأهمية، لأنه إذا كان الإنسان يمتلك تواضعاً حقيقياً، فلن ينشأ لديه أبداً إحساس بأنه أصبح ضحية للظروف — بل فهم راسخ بأنه يتعامل مع امتحان.

إن مواجهة امتحان ليست الشيء نفسه أبداً بأن يصبح المرء ضحية. غير أن الناس كثيراً جداً ما يستسلمون لخوفهم، لكنهم يفضلون في الوقت نفسه ألا يعترفوا لأنفسهم بجبنهم، فيتخذون من الإحساس بصوابيتهم ومن الشكاوى المريرة من أن الآخرين ليس من حقهم أن يعاملوهم بتلك القسوة ستاراً. ومن مثال شون يسهل ملاحظة أنه، لو بقي داخل إطار تكييفه الاجتماعي، لكان على الأرجح قد خلص فوراً إلى أن ويليس يعامله بقسوة وبظلم. وبعد ذلك كان شون سيستعيد العدالة بالشهيق المستنكر، والأنف المرفوع عالياً، والتعبير الجامد للوجه، وهي أمور كانت ستنبئ العالم كله بمدى معاناته الفظيعة.

غير أن الانغماس في مثل هذا السلوك يعني الصعود إلى قمم الغطرسة وأن يصبح المرء تجسيداً للإحساس بأهمية الذات نفسه، لأن أفعالاً كهذه تفترض حصانة قدسية الإنسان وكماله، كأن هذا الإنسان هو الوحيد في العالم الذي لا يحتاج إلى عطايا القوة التي تجلبها لنا جميعاً امتحانات الحياة. ففي النهاية، كيف تجرأ أحدهم على أن يتحداه؟ وبعبارة أخرى، كيف تجرأ هذا الأحد على أن يعامله بهذه الدناءة؟

إن تدمير الإحساس بأهمية الذات يشبه إلى حد بعيد التحرر من التكييف الاجتماعي، لأنه لا توجد تقنية خاصة تتيح تحقيق الأمرين معاً.

لكي يتخلص المرء من الإحساس بأهمية الذات ومن التكييف الاجتماعي، ينبغي له أن يطبق عملياً كل التعاليم وكل التقنيات. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن أسرع الطرق وأكثرها موثوقية، وهو الطريق الذي يوجه الضربة القاتلة إلى الإحساس بأهمية الذات، يتمثل في استخدام مسلّمات التتبع الأربع وقاعدة المتتبع لدراسة كيفية تعقّب الإدراك. وكما اتضح من مثال شون، فإن هذا يجعل الاستعراض الحقيقي وذي المضمون ممكناً، وبعد أن يبدأ المرء في رؤية حياته على ما هي عليه، تبدأ أي مشاعر بأنه ضحية، وبالتالي كل تجليات الإحساس بأهمية الذات، في التلاشي بسهولة وطبيعية.

وبهذا المعنى، يوجد دائماً إلى جانب المرء أشخاص يتحدونه ويستحقون الشكر على ما يتيحونه بذلك من فرص لتكديس ما يكفي من الصفاء الذي يتيح تدمير الإحساس بأهمية الذات. وبمصطلحات التولتك، يُسمى هؤلاء الأشخاص طغاة صغاراً، لكن، بما أن الطغاة الصغار الحقيقيين يمثلون حظاً نادراً، فقد قسمهم التولتك إلى أربع فئات.

أما الفئة الأولى فينتمي إليها الطغاة الصغار الحقيقيون — أولئك الناس الذين لا يتوقفون أمام شيء كي يضايقوك بطريقة أو بأخرى. وهم قساة ومزاجيون، ومع أنهم يظلون دائماً أذكياء بما يكفي للبقاء داخل حدود القانون، فإنهم ماكرون وغير صادقين إلى حد لا يُتصور. ومثل هذا الرجل لا يتردد في الاغتصاب فقط من أجل «إعطاء درس»؛ ومثل هذه المرأة لا تتردد في أن تسلخ جلد إنسان حياً بالمعنى الحرفي للكلمة. والخصام مع هؤلاء الناس يمثل بحق خطراً على الحياة، لأنهم مستعدون لقتل الآخر من دون أدنى تردد!

أما الفئة الثانية فتضم أشخاصاً لا يختلفون كثيراً في الطبع عن ممثلي النوع الأول، باستثناء أنهم يتجنبون القسوة الجسدية ويلجؤون بدلاً منها إلى أشكال متنوعة من العنف العاطفي والفكري، وهو عنف يقوّض قوة الإنسان ويكسر روحه. وهذا النوع من الطغاة يكثر وجوده في العمل؛ وهم ينجحون دائماً في الإفلات من العقاب، إذ يبثون الرعب المميت في زملائهم.

أما الفئة الثالثة فتضم أولئك الذين ليسوا طغاة صغاراً على الدوام، لكنهم، إذا أثار شيء غضبهم، مستعدون أن يفعلوا كل ما في وسعهم لتحويل حياة من أساء إليهم إلى بؤس حقيقي. وهم ليسوا بمكر ممثلي المجموعتين الأولى والثانية في التلاعب بالعدالة، ولذلك يلجؤون عادة إلى مساعدة القانون ليسببوا لخصمهم الكثير من المتاعب. وحين يغضب هؤلاء الناس، ينقضون فجأة على من أساء إليهم بأكثر الطرق التي لا يمكن التنبؤ بها، وفي اللحظات التي يكون فيها أقل توقعاً لذلك. وإذا بدأ أحد في الانتقام منهم، فإنهم يرفعون دعوى قضائية فوراً، ويكونون مستعدين، حينما يخدم ذلك أهدافهم، للجوء إلى السلطات لأتفه سبب. ضعوا أكياس القمامة في الساحة قبل يوم من وصول عمال القمامة، وسيبلّغون عن ذلك لمجلس المدينة. اتركوا السيارة أمام منزلكم خمس دقائق فقط، وسيتصلون فوراً بشرطة المرور. وهؤلاء الناس يكثر وجودهم بين الجيران، وكذلك بين الأقارب والعشاق المرفوضين أو الأزواج السابقين.

تنتمي إلى الفئة الرابعة أولئك المتذمرون المشهورون. فهم يجدون دائمًا أخطاءً في كل ما يفعله الآخرون، ويقودون الآخر بأعذارهم إلى فقدان صوابه تمامًا. وهم لن يشتكوا منكم، لكنهم سيأتون باستمرار بشتى الشكاوى. يكفي أن تأخذوا في غسل السيارة يوم الأحد، حتى يشتكوا من أنكم تمنعونهم من الراحة. وإذا كنتم تقصون العشب أمام المنزل بجزازة عشب تعمل بالبنزين، فسيعبرون عن استيائهم من الضجيج ومن غازات العادم الضارة بالصحة؛ أما إذا كانت الجزازة كهربائية، فسيخبرونكم حتمًا بأننا جميعًا مسؤولون عن ترشيد استهلاك الكهرباء!

حين ينجح التلميذ في أن يجد لنفسه طاغية صغيرًا، فإن الناغوال سيشجعه حتمًا وسيقترح عليه أن ينظر إلى هذا الشخص كأعظم كنز، لأنه بتعلم تعقب الطاغية الصغير يتعلم الإنسان بصورة أفضل وأسرع بكثير مما لو لم يكن موجودًا. وهذا صحيح بالنسبة لجميع فئات الطغاة الصغار، ولا سيما الفئتين الأولى والثانية. ففي الصراع من أجل البقاء عند هجمات هؤلاء الأشخاص، لا يتخلص التلاميذ سريعًا من الشعور بأهمية الذات فحسب، بل يطالبون أيضًا بحقهم في كميات هائلة من القوة، لأنهم يرفعون ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذاتهم.

على أننا لا حاجة لنا إلى القول إن المواجهات مع طغاة صغار من الفئتين الأولى والثانية تتطلب حذرًا هائلًا، لأن مجرد ذريعة صغيرة قد تكفي لكي يقتل ممثل الفئة الأولى إنسانًا، أو يدمر طاغية صغير من النوع الثاني حياته كلها.
وبالمناسبة، فإنني ملزم بأن أوجه تحذيرًا خطيرًا جدًا وأن أنوه إلى أن التلاميذ لا يستطيعون التعامل مع طغاة صغار حقيقيين إلا بخطر قليل نسبيًا إذا كان يقودهم ناغوال مُعد إعدادًا جيدًا.

بما أنه من غير المرجح أن يكون القارئ يعمل مع ناغوال، فإنني أنصحه بتجنب الطغاة الحقيقيين، وإن صادف طاغية كهذا في طريقه فليبادر إلى التخلص من صحبته. ومن يعتزم أن يصبح محاربًا عليه أولًا وقبل كل شيء أن يبقى حيًا سليمًا. ولهذا السبب يلزم الخضوع لجميع متطلبات الوضع، ثم الفرار مسرعًا، مع تذكر أن الحذر يصبح أفضل شجاعة عند قلة الخبرة.

ينبغي أن نفهم أنه حتى في الحالة التي يضطر فيها الإنسان إلى الهرب لينقذ حياته، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أنه يتجنب اختباره. هذا قول بالغ الأهمية يتطلب النظر فيه بعناية، لأن الإنسان لا يصادف أبدًا اختبارات تفوق طاقته.

إذا وقع الاختبار، فإنه يقع فقط لأنه ضروري للإنسان، وهو قادر على مواجهته؛ ومن ناحية أخرى، ينبغي ألا ننسى أن المحارب يختار معركته بنفسه. وهكذا، إذا صادف الإنسان فجأة اختبارًا كهذا يتطلب منه إجراءات فورية، لكنه يشعر في هذه اللحظة بأنه لا يستطيع أن يقدر ما هي معركته الحقيقية بالضبط، فخير ما يفعله أن ينطلق من اعتبارات حفظ الذات — إلى أن يتمكن من فهم سبب اصطدامه بهذا الاختبار. وتعيننا المقارنة على فهم هذا المبدأ.
لنفترض أنك لست طبيبًا، لكن يتعين عليك فجأة أن تعتني بشخص مصاب إصابة بالغة. سيكون من الحماقة المحضة أن نعتبر أن الاختبار يتمثل في هذه الرعاية بالذات. فإذا لم تكن تفقه شيئًا في الطب ولا في قواعد الإسعاف الأولي، فاهرع بأسرع ما يمكن بحثًا عن شخص يعرف. وبعد العثور على هذا الشخص، حاول أن تفهم لأي سبب كان لا بد أن يظهر أمامك هذا الاختبار بالذات. والمبدأ نفسه ينطبق على الطغاة الصغار — ولا سيما الفئتين الأولى والثانية. وفي كل الحالات المماثلة تتمثل المعركة الأساسية في الحفاظ على الحياة أو العمل، لسبب بسيط هو أن الميت لن يصبح محاربًا أبدًا، والعاطل عن العمل سيفقد طاغيته الصغير وكذلك الفائدة التي يجلبها وجوده. وسنعود في الفصل التالي لفترة وجيزة إلى الحديث عن الطغاة الصغار، لأن هذه المسألة بالغة الأهمية اليوم، حين يتزايد بسرعة عدد الآباء الذين يهينون أطفالهم ويظهرون بذلك هذا النمط من السلوك.
من السهل أن نفهم أنه في حالة شون يؤدي ويليس دور الطاغية الصغير مؤقتًا. وهذا يضع ويليس في الفئة الثالثة من الطغاة الصغار، أي أولئك الأشخاص الذين لا يتصرفون عادة كطغاة صغار ما لم يُدفعوا إلى ذلك بطريقة ما. أما كيف ينبغي لشون أن يتصرف تجاه أخيه، وكيف ينبغي لأي تلميذ أن يتعامل مع طاغيته الصغير، فيفسره قانون المتعقب، لأن القدرة على تعقب الذات والآخرين معًا هي وحدها ما يتيح للإنسان أن يتخلص نهائيًا من أي تصورات عن نفسه كضحية.
عند تقييم ما تمكن شون من تعلمه بالفعل، يسهل ملاحظة مدى ما أفادته هذه المواجهة مع ويليس؛ فهو لم يبدأ مراجعة الذات فحسب، وبذلك رفع درجة وعيه وصفائه، بل تخلص أيضًا من الشعور بأهمية الذات، وأصبح أكثر مهارة في التعامل مع درع المحارب، والأهم من ذلك كله، تعلم كيف يتعقب نفسه وغيره في سعيه إلى الاستيقاظ في الحلم وأن يصبح محاربًا. كل ما تعلمه شون حتى اللحظة الراهنة سيساعده بصورة لا تصدق على فهم أي استراتيجية بعينها يختار قبل بدء المعركة مع ويليس. 06 هذا ما سنتحدث عنه في الفصل التالي.

الفصل الرابع
كرامة المحارب


كرامة المحارب تقتضي التونال الصحيح.


عرفنا في الفصل السابق أنه إذا أراد شون أن يتعامل مع اختباره على نحو لا تشوبه شائبة، فعليه أن يطور استراتيجية ما تستند إلى ما تمكن من تعلمه بالفعل. يسعى شون إلى أن يصبح محاربًا، ولذلك فإن كل اختباراته هي في جوهرها فرص للمطالبة بحقه في القوة.


لكي يصبح المرء محاربًا، يلزم تحويل كامل لجزيرة التونال، وأي اختبار حياتي يمثل فرصة لتحويل جزيرة التونال تدريجيًا. وقد وُضح ذلك في المجلدين الأول والثاني بمفاهيم تنظيم ما يُسمى بالتونال الصحيح — وهو فعل لا يضمن فقط تراكم القوة الشخصية، بل يتيح أيضًا تعزيز احترام الذات والثقة بالنفس؛ وكل ذلك يزيد من أصدق معرفة الإنسان بما يعنيه أن يكون كائنًا بشريًا مسؤولًا تمامًا، تتجلى كرامته في كل فعل من أفعاله — الجسدية والعاطفية والذهنية. ونتيجة لذلك، ستعكس استراتيجية شون كرامته — أو غياب هذه الكرامة — وستكون مقياسًا لتلك البراءة التي تتجلى في أفعاله، والتي ستحددها بطبيعة الحال الحالة الراهنة لتوناله.


إن نهج الستالكير في تطوير الاستراتيجية يختلف اختلافا كبيرا عن موقف الإنسان غير المحارب. فالناس يريدون أن ينتصروا دائما، في جميع معاركهم — يريدون دائما أن يكونوا على حق. ومع ذلك، ومن مفارقات القدر، يهدر معظم الناس حياتهم في محاولات تجنب تلك الاختبارات التي ينبغي أن يقاتلوا فيها، وفي الحالات التي يتعين عليهم فيها القتال رغم ذلك، يبدأون القتال في معارك خاطئة، مما يؤدي إلى أن حتى الانتصار في المعركة لا يجلب لهم فائدة تذكر. ومن وجهة نظر الستالكير، فإن مثل هذا السلوك ليس مجرد حمق حقيقي وخسارة واضحة للوقت والقوة الشخصية، بل هو أيضا علامة على انعدام الكرامة.


مسألة الشرف اعتبار بالغ الأهمية في حياة المحارب، إذ لا يمكن دون شعور أصيل بالكرامة أن يوجد احترام للذات ولا ثقة بالنفس ولا، بطبيعة الحال، إيمان بالذات. وفي غياب هذه الصفات لا يستطيع المرء أن يفكر ويعمل كما يليق بمحارب. وبالتالي، إذا كان ينوي أن يصير محاربًا، فعليه أن ينظر إلى أي اختبار حياتي باعتباره فرصة إما لتقوية كرامته أو لدعمها.


غير أن قلة قليلة جدا من الناس يتصرفون على نحو لا يفقدون فيه كرامتهم أبدا، ويحدث هذا لسبب بسيط هو أن أحدا تقريبا لا يفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمة. يرى معظم الناس أن الشرف يتمثل في الحفاظ على مكانتهم الاجتماعية أو في الشعور بالفخر بالذات، لكن كل ذلك نتيجة للحلم الجماعي، لأن الفخر يستند عادة إلى الشعور بالتفوق، والدفاع عن هذين الوهمين ليس كرامة، بل تعزيز للتكيف الاجتماعي.


تتجلى كرامة المحارب في أن كل فكرة من أفكاره، وأي شعور وفعل من أفعاله، لا تشوبها شائبة، وكذلك قدرته على التحكم في انفعالاته. وتعني عدم الشائبة القدرة على التصرف على أفضل وجه وانطلاقًا من كل المعارف المتاحة للمرء في اللحظة الآنية. وبعبارة أخرى، أن تكون بلا شائبة يعني أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن نفسك وحياتك ومعرفتك، لأن هذه المسؤولية (أو غيابها) تؤثر في كل أفعال المرء — الجسدية والعاطفية والذهنية. ومن المهم جدًا في هذا السياق أن نأخذ في الحسبان أن كلمة «مسؤولية» تعني «القدرة على الاستجابة»، أي الاستجابة ليس لكل أحداث حياتك فحسب، بل لنفسك وحياتك ومعرفتك أيضًا.


الناس العاديون منشغلون إلى حد كبير بتعزيز مكانتهم الاجتماعية وتكيفهم الاجتماعي، حتى إنهم نادرا جدا ما يخصصون الوقت والطاقة لتتبع أنفسهم. ونتيجة لذلك، يعيش معظم الناس أسلوب حياة يخلو تماما من الاستقامة، إذ يدعمون باستمرار معتقدات الآخرين، أو بالأحرى تحيزات الآخرين، بدلا من أن يتصرفوا انطلاقا من معارفهم الخاصة.

يتجلى هذا تجليا رائعا في مثال شون، لأنه لو لم يتبع شون طريق المحارب، لكان على الأرجح قد اختار أحد الخيارات الثلاثة. فإما أن يصبح متسولا ويقبل عرض أخيه الجائر، أو أن يختار طريق الجبان فينسحب دون أن يخوض المعركة، أو أن يتظاهر بأنه رجل حقيقي، أي أن يتصرف بنرجسية وصخب كديك قتالي واثق من نفسه، ويحاول أن يضع ويليس في مكانه بوساطة القضاء. غير أن كرامته هل كانت ستتجلى في أي من هذه الخيارات؟ وماذا كان شون سيتعلم لو اختار أيّا من هذه الاحتمالات؟ باختيار الخيارين الأولين كان سيحقق فقط فقدان احترامه لذاته، وفي الحالة الثالثة — حتى لو كسب الدعوى القضائية — كان سيبرهن لنفسه فقط على أنه كان على حق وأن أخاه كان مخطئا، لكن هذا كان سيعزز فيه فحسب التصور الأحمق بأن إثبات صواب الذات وغباء جميع المحيطين كافٍ لتأكيد الذات!


وعلى النقيض من هذه الخيارات، يجب أن تُطوَّر استراتيجية شون على نحو يعزز شعوره بكرامته الذاتية ويساعده على تحويل جزيرة التونال. لقد أدرك شون بالفعل أن التحويل اللازم في هذه اللحظة مرتبط بصورة نفسه وبإيمانه بأهميته الذاتية. وبصفة عامة، مع النظر على النحو الواجب في جميع عيوبه الأخرى، يدرك شون بوضوح أن سببها هو تقديره المنخفض لذاته وثقته غير الكافية بنفسه؛ وبالتالي، إذا نجح في تغيير موقفه من نفسه، فسيخفف ذلك تخفيفا كبيرا أي تغييرات في كل ما عداه في جزيرة التونال الخاصة به. وينطبق هذا على جميع الناس عموما، لأن الرأي المتدني في الذات هو بالتحديد سبب معظم عيوبهم ويعيق كل ما يفعلونه. غير أن السبب في أن معظم الناس في عصرنا يعانون من تقدير منخفض لذاتهم هو أنهم لا يملكون أي تصور عن المعنى الحقيقي لكلمة «الكرامة».


تُوصف كرامة المحارب بالقول التالي:


المحارب كائن يفيض بالكرامة. لأن تواضعه لا يسمح بأي أفعال. تنتهك ترابط كل ما هو حي.


لهذا القول معنى بالغ العمق، لكن النتيجة الأهم بالنسبة لنا في الوقت الحاضر هي أن كرامة المحارب تقتضي ليس الاعتراف فحسب بترابط كل ما هو حي، بل أيضًا تعزيز هذا القانون بوعي. وبعبارة أخرى، لا يستطيع المحارب الحقيقي أن يعبّر بالكلمات فقط عن إخلاصه لترابط كل ما هو حي، بل عليه أن يعيش به بالمعنى الأصدق للكلمة. وهذا يعني أن المحارب يعترف بأنه حين يرفع من شأن نفسه فإنه يرفع في الوقت نفسه من شأن كل ما حوله، لأن كل شيء في الحياة مترابط.


أي استراتيجية يطورها المحارب يجب بالضرورة أن تجلب الفائدة لا للمحارب نفسه فحسب، بل لكل ما عداه في الحياة، الذي هو جزء صغير منها. ولهذا السبب لا يمكن للمحارب الحقيقي أبدا أن يستجيب للظروف انطلاقا من الغضب أو أن يرد بالمثل على أي تجاهل أو إهانة. لا يمكنه أن يتصرف انطلاقا من الحقد أو الرغبة في الانتقام. فمثل هذه الاستجابات لا تسهم إلا في تعزيز الشعور بالأهمية الذاتية، وهي بالطبع لا تجلب الخير لأحد.


كل شيء حي مترابط، وبالتالي فإن أي أفعال يقوم بها المحارب تجلب بالضرورة فائدة لجميع المشاركين في الأحداث، بمن فيهم هو نفسه. ومن بين أمور أخرى، يعني هذا أن المحارب لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأداء دور الشهيد أو الضحية، لأن مثل هذا السلوك، بطبيعة الحال، لا يعود عليه بالفائدة، وما لا يعود بالفائدة على المحارب لا يمكن أن يعود بالخير على أي ممن يحيطون به.


في هذا يكمن قانون النور والانعكاس، الذي يُختزل في تعاليم التولتيك إلى مبدأ مرايا الروح.


رغم أن مفهوم المرايا نوقش بالفعل في «عودة المحاربين»، فمن الضروري الآن توسيع فهم هذا المبدأ بعض الشيء، مما سيتيح لنا إدراك كيف يطور المحارب استراتيجية مناسبة. ينبغي أن نفهم أن جميع الناس والكائنات الحية والعالم بأسره، بالنسبة للفرد، يعكسون ببساطة ما يجب بالضرورة أن يعرفه هذا الفرد عن نفسه. هذا قانون كوني ثابت، ولا يستطيع أي منا أن يفلت منه أو يتجاهله — فمن المستحيل أن تقرب وردة من مرآة وترى فيها انعكاس زهرة توليب.
وهكذا، إذا أظهر المحيطون قسوة تجاه إنسان ما، فذلك يحدث لأن الإنسان نفسه يجب أن يلاحظ القسوة في ذاته. وإذا انعكست في المحيطين عدم الأمانة، فعلى الإنسان بالمثل أن يتأمل كيف وفي أي حالات يسمح هو نفسه بعدم النزاهة. ومن ناحية أخرى، إذا رأى الإنسان حوله الجمال والانسجام، فمن حقه أن يتوقع أنه هو نفسه يظهر الجمال والانسجام في مجالات الحياة المناسبة، ويمكنه أن ينصف نفسه عن حق. وفي الحالات التي ينظر فيها الإنسان إلى مرآة العالم بأسره ويرى فيها العنف، فإن السبب في ذلك هو أن المجتمع كله أو شعبا بأكمله يحتاج إلى أن يتأمل بجهود موحدة في العنف الكامن في ذاته. ومع أن الناس منغمسون في لعبة الاتهامات إلى حد أنهم لا يريدون الاعتراف بهذا القانون الكوني الأكثر أساسية من بين جميع القوانين، فإن الحقيقة العادلة تبقى هي أن المرايا لا تكذب أبدا؛ وفي هذا الصدد سيكون من المفيد جدا للقارئ أن يعيد قراءة ما قيل عن هذا المبدأ في «عودة المحاربين».


إضافة إلى ذلك، من المهم جدا للقارئ أن يتذكر أن المرايا ثلاثة أنواع: مرايا الماضي والحاضر والمستقبل. وبعبارة أخرى، رغم أن معظم المرايا تعكس ما هو الأهم للإنسان أن يستوعبه بشأن سلوكه الحالي أو معتقداته التي تتجلى في الوقت الحاضر، فإن بعض المرايا قد تعكس أحيانا أفعالا من الماضي فضلا عن أشكال السلوك التي قد تتجلى في المستقبل، حتى لو لم يكن الإنسان واعيا بذلك. غير أنه ينبغي التأكيد على ضرورة الصدق التام مع الذات، لأن أسهل ما على الإنسان في العالم هو ألا يعير المرآة انتباها باعتبارها شيئا غير مرتبط باللحظة الحالية.


على أن هذا السلوك، بالنسبة لمن يريد أن يصبح محارباً، حماقة كاملة، وهو يؤدي عادةً إلى الشعور إما بالتفوق وإما بالدونية وإما بشعور مشابه آخر، لأن هذا الإنسان واثق بأن الاعتراف بعيوبه (أي بواقعة وجودها نفسها) يمثل شيئاً فظيعاً. وهذه التصورات تنشأ حتماً بفعل التكييف الاجتماعي، وكل من يشاركها إنما ينكر ببساطة أن عيوبنا هي تذكرة إلى الحرية وطريق إلى القوة.


هناك سببان لتفسير انعكاس المرايا أحياناً سلوك الإنسان في الماضي. أولاً — وفي أغلب الأحيان — يحدث هذا لأن الأفعال الماضية لا تزال تتضمن بعض الدقائق أو الفروق التي ينبغي الالتفات إليها الآن.


أما السبب الثاني فيتصل بحقيقة أن تلاميذ طريق المحارب كثيراً ما يميلون إلى الانتقال من الخسة إلى نقيضها التام — فيصبحون

مهووسين إلى هذا الحد بالسعي إلى الصدق لدرجة أنهم يعرّضون أنفسهم عادةً لنقد ذاتي مدمّر.


وإذ يقع التلاميذ أسرى هذه العملية، ينسون تماماً ضرورة أن ينصفوا أنفسهم بصدق على أفعالهم الصائبة، ونتيجة لذلك يصبحون ضحايا افتراض خاطئ مفاده أن نقد الذات هو بالضبط علامة التواضع.
لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة من ذلك، لأن نقد الذات شكل دقيق من أشكال الشعور بأهمية الذات.


إن مثل هؤلاء التلاميذ يرتكبون خطأً قاتلاً بإقناعهم أنفسهم بأنهم عاجزون تماماً عن تغيير سلوكهم، أو بعبارة أخرى، بأنهم أرفع من أن يعرّضوا أنفسهم لمسؤولية «مخجلة» عن الأفعال السيئة. ونتيجة لذلك، بدلاً من أن يتحملوا هذه المسؤولية ويدركوا أهمية عيوبهم، يبدأ التلاميذ في الانغماس في نقد الذات مع اعتقادهم في الوقت نفسه بأن هذا سوف يحل المشكلة نفسها بطريقة ما.


الغاية من الحالات التي تعكس فيها المرآة مستقبلاً محتملاً تكاد تتطابق مع غاية انعكاسات الماضي، لكن ينبغي إدراك أن مجرد عرض السلوك الكامن يعني ضرورة ملحّة لليقظة. ومن يظن أن غياب أي أفعال في الحاضر يستبعد تماماً إمكانية ارتكابها في المستقبل فهو مخطئ خطأً جسيماً. فالإنسان لا يتلقى أبداً تلك الإرشادات التي لا يحتاجها. وكون المرآة تُريه المستقبل هو في ذاته دليل كافٍ على أن هذا السلوك قد بدأ بالفعل يتجلى، وإن كانت هذه التجليات في بدايتها قد تكون صغيرة إلى حد أنها تبدو غير ذات أهمية على الإطلاق.


في البداية يتسرب الكامن إلى الواقع في جدول رفيع، ولا يتجلى إلا في حالات نادرة، لكن إذا لم يُوقف الآن فوراً فقد يتحول بعد قليل إلى تيار عاتٍ. تبدو البلّوطة صغيرة وجميلة، لكن إذا وُضعت في تربة خصبة فسوف ينكشف فيها كامن بلّوطة عظيمة.

الأمر نفسه ينطبق على عيوب الإنسان الكامنة، لكن كون هذه العيوب تمثل طريقاً إلى القوة لا يعني إطلاقاً أن الإنسان يمكن أن يظن أنه قد مُنح الحق في تنمية شتى أنواع الرذائل في نفسه. فمثلاً، إذا كان الإنسان قادراً بشكل كامن على أن يصبح مدمن كحول، فقد تكفي كأسين أو ثلاث كؤوس لتحويل هذا الاحتمال الكامن إلى إدمان مضر. لكن إذا اعترف هذا الإنسان بصدق وأدرك بوعي صافٍ حقيقة أن مجرد التفكير في المشروب يثير فيه الهياج، فبإمكانه أن يستخدم هذا العيب اختباراً يُلزمه باليقظة وأن يسلك سلوكاً لا تشوبه شائبة كلما ظهر الشراب في مكان قريب.


وإذا كان هذا الإنسان تلميذاً في طريق المحارب، فسيُنادى له بتجنب تناول المشروب، لكن في الوقت نفسه بأن يستفيد من هذا الاختبار لتربية إحساس دقيق بالانضباط الذاتي واحترام الذات. وسيحقق هذا التلميذ ذلك بأن يستمتع من وقت لآخر بشرب عرضي في صحبة، لكنه لن يستسلم أبداً لميله إلى المشروب.


وأهم مسألة مرتبطة بالمرايا هي حقيقة أن أي استراتيجية يضعها المحارب، بصرف النظر عن شكلها المحدد، تستهدف حصرًا رفع الذات والعالم المحيط. للوهلة الأولى يبدو هذا القول متناقضًا، لأنه من ناحية، تستقطب المقاربة النظرية لهذا المبدأ شعور الأخلاق لدى معظم الناس، إذ تصف شيئًا يُفعل من أجل الخير العام؛ غير أن الناس، من ناحية أخرى، يقطبون عادة عند رؤية التجسيد العملي لهذا المبدأ — إذ يبدو لهم انتباهًا إلى الذات.


يؤدي التكييف الاجتماعي إلى أن الناس لا يحبون أن يُكشفوا في هذا الشكل أو ذاك من أشكال الأنانية، ولا ينجح إلا القليل جداً في إدراك أن الحياة متنبهة دائماً إلى نفسها، وأن بين هذا التنبه والتمركز حول الذات فرقاً هائلاً. ونتيجة لذلك، فإن أغلب أولئك الذين لا يريدون أن يُعدّوا متنبهين إلى أنفسهم يبدأون بثبات في إظهار السلوك نفسه الذي لا يرغبون في أن يُتَّهموا به.


لا شيء سيئ في الانتباه إلى الذات؛ فإذا اعترف المرء بحقيقة أن كل المحيطين به مرايا لسلوكه الخاص، فإنه يرى نفسه فيهم باستمرار. وعندما يُجسَّد مبدأ المرآة عمليًا، لا يبقى أمام المرء سوى مهمة واحدة: العمل على نفسه. بل إن المحارب لن يخطر بباله أصلًا أن يضيع وقته أو قوته الشخصية في الانغماس في لعبة حمقاء من الاتهامات المتبادلة، لأنه يدرك إدراكًا تامًا أنه في الحالات التي لا تعجبه فيها الانعكاسات في المرآة، ينبغي ألا يلوم المرآة بل شيئًا في نفسه. وهكذا يسترشد المحارب بالقاعدة التالية: إذا لم يعجبك الانعكاس في المرآة، فافعل شيئًا وغيّر نفسك، لكن لا تهدر نفسك في النحيب والشكوى من المحيطين.


لا يقدر الإنسان على تغيير الآخرين، لأنه لا يملك الحق حتى في أن يتمنى ذلك، لكنه يستطيع تماماً أن يغيّر نفسه، وحين يغيّر نفسه تتغيّر أيضاً الانعكاسات في المرايا. ومن ناحية أخرى، يحدث أحياناً أن الشخص الذي يعكس هذا الإنسان، إذا لم يستطع أو ببساطة لم يرغب في التغيّر، يغادر حياة هذا الإنسان بطريقة أو بأخرى بمجرد أن يغيّر الأخير نفسه. ويترتب على ذلك حقيقة بسيطة: لا تستطيع المرآة أن تعكس الزيف، لأن جميع المرايا، بما فيها نحن أنفسنا، تخضع لقانون النور والانعكاس.


فمثلاً، الإنسان الصادق تماماً لن يجذب إليه أبداً أشخاصاً خسيسين، ومن هو خالٍ من القسوة لن يواجه العنف.


لكن إذا اضطر الإنسان إلى التعامل مع كاذب مرضي، فعليه أن يسأل نفسه عن أشكال الكذب التي تعود إليه هو نفسه. وينبغي أن يتذكر أن المرايا لا يمكن التعامل معها بسطحية — بل يجب النظر في الجوهر نفسه؛ وفي هذا المثال، المهم هو واقعة الكذب ذاتها بصرف النظر عن الشكل المحدد الذي تتخذه. ومن الضروري إدراك أن هذه الأشكال قد تكون بالغة الدقة، تكاد تكون غير واضحة، ومع ذلك يجب على الإنسان أن يفهم أن المرايا لا تعكس قط شيئاً غير موجود أصلاً، وعليه أن يتبيّن كيف يكذب هو نفسه بالضبط، فإذا بحث جيداً عن الكذب في نفسه فسوف يجده لا محالة.

فمثلاً، قد يتمثل شكل دقيق من الكذب في أن يعمل الإنسان على دعم صورته الاجتماعية بجهد كبير إلى حد أنه يبدأ في الإضرار بنفسه، أي يفقد الصدق أمام ذاته؛ وفي هذه الحالة يبدأ حرفياً في العيش في كذبة، وهذا أسوأ من مجرد الكذب بالكلام.
وعندما يتعلق الأمر بمرآة العالم بأسره، يكون من الصعب عادة على التلميذ أن يبلغ جوهر المسألة ذاتها، مع أن ذلك يتم على أساس المبدأ نفسه الذي يُطبَّق على المرايا الشخصية.


فمثلاً، إذا كانت الجريمة تنمو في بلد ما، فكثيراً ما يكتفي التلاميذ بهز أكتافهم متظاهرين بأنهم غير مذنبين إطلاقاً فيما يحدث. وأورد هذا المثال لأن مشكلة كهذه اليوم سمة تكاد تكون عالمية في جميع بلدان العالم. فلماذا أصبحت ملحّة إلى هذا الحد؟ فقط لأن البشرية بلغت سن الرشد وعليها الآن أن تتحمل مسؤولية «الراشد». ففي أيامنا هذه لا تقع مسؤولية كبح الجريمة على السلطات العامة وحدها، بل على كل إنسان راشد أيضاً. وهذا لا يعني أن على الناس أن يندفعوا في الشوارع ويصارعوا العصابات، بل عليهم فقط أن ينظروا في هذه المرآة ويتحملوا المسؤولية الكاملة عما سيرونه فيها.


يُطرح على التلميذ السؤال: «كيف أسهمت حياتك في نمو الجريمة؟» وبما أنه لا يوجد أشخاص متطابقون، فقد فعل كل واحد ذلك بطريقته. فمثلاً، كون الإنسان يتهم الحكومة أو السلطات العامة بالعجز عن كبح الجريمة يعني أنه هو نفسه لا يتحمل مسؤولية الراشد، ويضمر أنه، بوصفه شخصاً، عاجز تماماً ولا يستطيع منع نمو الجريمة.


غير أن ذلك يعني بالقدر ذاته أنه يعتبر نفسه ضحية تستسلم لرحمة أي مجرم. وإذا كان مقتنعاً بذلك حقاً، فسوف يجذب بلا شك إلى حياته أولئك الناس الذين سيعكسون إيمانه بعجزه هو. وقد قيل سابقاً إن الإنسان، بجذبه هؤلاء الناس، يصبح شريكاً في جرائمهم، لأنه أسهم فيها.


ومن ناحية أخرى، إذا كان يفضل، بوصفه محارباً، أن يعلن حقوقه في القوة وأن يكف عن الإيمان بأنه ضحية، فإنه لن يجذب إليه المجرمين، بل على العكس سيبدأ في جذب أولئك الذين هم أيضاً أقوياء بما يكفي ليعلنوا حقوقهم في القوة. وإذا فعل ذلك عدد كافٍ من الجيران، فسوف لا تقع الجرائم تقريباً أبداً في الجوار، وما هو ممكن في حي واحد يمكن تحقيقه في البلد كله. فالجريمة لا تظهر إلا حين يستدعيها الناس، وهي تزدهر دائماً في جو من الخوف والاستكانة تغرسهما عقلية الضحية.


وفي نهاية المطاف يصبح واضحًا أن الحياة هي حقًا عملية إظهار الانتباه إلى الذات، لأن المرء، حينما يركز على نفسه ويتحمل المسؤولية الكاملة عن معرفته ومستوى وجوده، قادر على تغيير العالم المحيط وهو يفعل ذلك. على أن هذا لا ينطبق على التمركز حول الذات. فأن تكون متمركزًا حول ذاتك يعني ألا تؤمن بترابط كل الكائنات الحية وألا تدعم هذا الترابط. فالمعنى الحرفي لهذا المفهوم يفترض أن المرء يعتبر نفسه مركزًا يدور حوله بقية العالم، وهذا الفكر يعكس إحساسًا بالغ القوة بأهمية الذات.


وباعتباره نفسه بالغ الأهمية، لا يستطيع الإنسان المتمركز حول ذاته أبداً أن يفهم لماذا لا يعيش المحيطون به وفق مقاييسه هو وفي وفاق مع توقعاته. ورغبةً منهم في أن يذعن الجميع لإرادتهم وأن يعترفوا بوجهة نظرهم، فإن هؤلاء الناس دائماً على خلاف مع المحيطين بهم؛ وبرفضهم الاعتراف بكون كل ما حولهم مجرد مرايا، فإنهم يعززون عن غير قصد عقلية الضحية. وهؤلاء الناس يدافعون أبداً عن شيء «خير»، ويعملون باسم العدالة، ويلقون اللوم على الآخرين في كل المصائب بدلاً من تحمل المسؤولية عن حال كونهم، ويصبحون حتماً مهووسين بمحاولات «إنقاذ» المحيطين بهم من براثن المعذبين القاسية.


ونتيجة لذلك يصبح الأنانيون المتمركزون حول ذواتهم «محسنين للبشرية» بالفطرة. وهم يشكلون معظم تلك النفوس التائهة التي تناضل منذ الأزل في سبيل قضية عادلة ما، سواء أكانت مسيرات احتجاج على تفشي القسوة أم حماية طيور البطريق من خطر تلوث البيئة، مع أنهم أنفسهم لا يفكرون لحظة واحدة في دورهم الخاص في تعزيز الجريمة وفي السرعة المرعبة للتلوث البيئي.

وهكذا فإن موقف الحياة القائم على الانتباه إلى الذات بعيد جداً عما تُدخله التكييفات الاجتماعية في عموم الناس.


يكمن الأساس الأعمق للتواضع الحقيقي في الكف عن إلقاء اللوم على الآخرين وفي تحمل المسؤولية الكاملة عما هو عليه الإنسان ومن هو، فضلاً عن المسؤولية عن معرفته وعن حال كونه.


وبانتباهه إلى ذاته، يعترف الإنسان بأن العمل ينبغي أن يكون على نفسه، لكن تفاعل كل الكائنات الحية سيعود بالخير على العالم المحيط أيضاً. ومن ناحية أخرى، تمثل الأنانية المتمركزة حول الذات النقيض التام، إذ ليس فيها شيء من التواضع. بل على العكس، هي ليست شعوراً بالأهمية الذاتية فحسب، بل هي ذروة التعالي والغرور — وحتى لو صرخ «محسنو» العالم كله رداً وأخذوا يدافعون عن أعمالهم، فسيبقى الحقيقة هي أن محبة القريب تبدأ من البيت.


إذا كان الإنسان عاجزاً عن إقامة النظام في بيته هو، فكيف له أن يضع حياة إنسان آخر في نظام؟ وعلى نحو مماثل، إذا كان هو نفسه لا يستطيع أن يمنع الآخرين من تعذيبه، فمن يمنحه الحق في أن يطالب السلطات العامة بأن تؤدي على نحو أفضل واجباتها في حمايته؟ أما بالنسبة للمحارب فإن مثل هذه الاستدلالات لا معنى لها على الإطلاق: فالإنسان هو أولاً من يستدعي ظهور المعذبين — فلماذا يطالب السلطات بعد ذلك بحمايته من أفعاله هو؟


بقي علينا أن نناقش ثلاثة مسائل تتصل اتصالاً مباشراً بالموضوع الراهن. الأولى تكمن في أنه إذا أخذ الإنسان في الحسبان الوجود الفعلي للطغاة الصغار، فقد ينشأ لديه في ضوء ما سبق انطباع بأن هذا يتعارض إلى حد ما مع مبدأ المرايا. غير أن هذا الإنسان، إذا لم يتناول الطغاة الصغار تناولا سطحيا وتعمق في جوهرهم، فسيصل بسرعة كافية إلى إدراك أنه لا يوجد في الحقيقة أي تعارض. والسبب الوحيد لنشوء هذا التعارض الظاهري هو كون ليس كل الناس طغاة صغاراً ظاهرين. ومع ذلك لا بد من إدراك أنه إذا ظهر طاغية صغير في حياة الإنسان، فإن ذلك يحدث فقط لأن الإنسان نفسه جذب إليه تلك التجربة التي عليه أن يكتسبها في تعامله مع طاغيته الصغير.


ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أنه لا ينبغي للإنسان أن ينشغل بالنظرة السطحية إلى مبدأ المرايا؛ فعليه أولاً أن يدقق النظر في نفسه، وعندها فقط يصل إلى الاستنتاج بأنه هو نفسه ليس طاغية صغيراً. وتُقدَّم الوصية ذاتها إلى كل تلميذ صادف طاغية صغيراً؛ فعندما يتأمل مثل هذا التلميذ في نفسه، يدرك دائماً وبصدمة أنه في الحقيقة طاغية صغير، بمعنى أنه ما دام يتذكر نفسه، ظل باستمرار يحوّل نفسه إلى ضحية لأفعاله الخاصة! وتكمن المفارقة في جذب الطاغية الصغير إلى الذات في أن السبب الوحيد لظهوره هو تقدير ذاتي منخفض إلى حد أنه، بحسب إحساسه هو، لا يساوي شيئاً على الإطلاق. وهل يستحق الأمر الدهشة أن يجذب الإنسان إليه، في ظل هذا التقدير الذاتي المنخفض، طاغية صغيراً يعكس بدوره إحساسه هو بعدم الجدوى وعدم الاستحقاق.


تتصل الملاحظة الثانية بكون الإنسان عندما يتغير فإن مراياه تتغير حتماً هي الأخرى. ومع أن ذلك صحيح فعلاً، فإنه يحدث في الحياة، من وقت لآخر، أن بعض المرايا لا تستطيع أن تتغير — لأن الوقت لم يحن بعد لتغيرها، إذ ما زال على هؤلاء الناس أن يتعلموا شيئاً ما على أساس سلوكهم الراهن؛ وهناك أيضاً مرايا لا تريد ببساطة أن تتغير لأسباب شتى. وفي مثل هذه الحالات، فإن هذه المرايا تغادر حياة الإنسان في أغلب الأحيان — إما بمحض إرادتها، وإما بحكم ظروف الحياة.


لنفترض، على سبيل المثال، أن أحد هذه المرايا كان رئيسك في العمل، وأنك عالجت كل ما كان يستدعي الانتباه — ومع ذلك، وعلى الرغم من أنك اجتهدت في كل تفصيلة دقيقة كان يمكن أن تغيب عنك في البداية، فإن رئيسك لا يُبدي أي علامة على تغير في علاقتكما. وعندما يحدث شيء من هذا القبيل، يمكنك أن تكون مستعداً لأن يُنقل إما أنت أو هو إلى منصب آخر — وعلى أي حال، فإن مرآة الرئيس ملزمة بأن تغادر حياتك.


على الرغم من كل ما قيل سابقاً، ينبغي إدراك أن بعض المرايا التي ليس مقدراً لها أن تتغير لن تتمكن ببساطة من مغادرة حياتك، على الأقل في المستقبل القريب. ومن الأمثلة النموذجية على هذه المرايا الوالدان أو الأبناء، ومع ذلك فحتى هذه الحالات ليست استثناءات من مبدأ المرايا. فإذا كانت المرآة لا تستطيع التغير أو لا تريد ذلك، وكان الإنسان غير قادر على التخلص منها، فمن المنطقي أن نفترض أنه، بصرف النظر عن مشاعره وافتراضاته، ما زال بحاجة إليها. فمثلاً، إذا واصل الوالدان أو الطفل عكس سلوك يعلم الإنسان دون شك أنه قد تجاوزه منذ زمن بعيد، فعليه أن يتقبل كحقيقة أن هذه المرآة ضرورية له لأسباب ما غير واضحة بالنسبة إليه.
في معظم الحالات يحدث ذلك لأن هذه المرآة موجودة كتذكير بأن على المحارب أن يتعلم أن يكون حراً ومنفصلاً عن العالم المحيط دون أن يخضعه لأحكامه.


وبعبارة أخرى، ينبغي للمحارب أن يستوعب أن كل ما هو حي يوجد في تفاعل، ولهذا السبب ينشأ أي سلوك للإنسان من ارتباطه بمن حوله. وهكذا، حتى لو تخلص الإنسان من ذلك النمط من التصرف الذي كان ينعكس في والديه أو طفله، فإنه لا يزال بحاجة إلى القيام بعمل معين على علاقاته المتبادلة وتفاعله، ليس مع والديه أو طفله فحسب، بل مع العالم كله بأسره. وعندما يتم ذلك، فسوف يغيّر الوالدان أو الطفل موقفهما منه لا محالة، حتى لو بقي هذا الموقف على حاله تجاه جميع الآخرين، وسيحدث ذلك لسبب بسيط هو أن لا أحد يستطيع الإفلات من تأثير قانون النور والانعكاس.


المسألة الأخيرة التي ينبغي الحديث عنها بمزيد من التفصيل هي أنه إذا بذل الإنسان كل جهده في علاقة لا تشوبها شائبة مع مراياه، لكن إحداها ظلت دون تغيير، فيمكن الافتراض بكل شجاعة أن هذه المرآة قد تحولت إلى اختبار. وفي مثل هذه الحالات يرتبط الاختبار عادة بأن على الإنسان أن يتخذ موقفاً حازماً إزاء ما يقاتل من أجله. وفي العادة يرجع الأمر كله إلى شكل من أشكال التسوية.


فمثلاً، كثيراً ما يرتكب تلاميذ طريق المحارب خطأً بعدم رغبتهم في قطع أية علاقات شخصية، حتى لو كان الحفاظ عليها يعرض التلاميذ للخطر. وقد تكون هذه علاقات حب أو أعمال أو صداقة، وأحياناً علاقات مع الوالدين أو الأبناء. ومع ذلك ينبغي أن يدرك المرء أنه إذا كان الإنسان ينوي المطالبة بحقوقه على القوة، فسوف يواجه عاجلاً أم آجلاً ضرورة اتخاذ موقف حازم والدفاع عن نفسه وعن معتقداته.


في أغلب الأحيان يكفي لاجتياز مثل هذا الاختبار أن يدافع المرء عن حقوقه فحسب، غير أن الاختبار أحياناً يتمثل في الاختيار بين طريق المحارب ومثل هذه العلاقات الشخصية. وفي هذه الحالة لا يبقى للإنسان خيار آخر سوى قطع العلاقات، مهما كان هذا القرار صعباً. ولا حاجة للقول إن هذا يكون صعباً بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بطفله هو نفسه، الذي هو في الوقت ذاته مرآة. ومع ذلك، يتعين في بعض الأحيان إظهار قسوة صريحة حتى تجاه الطفل نفسه؛ فإن لم يدافع الإنسان عن حقوقه، فلن يستطيع أبداً أن يطالب بحقوقه على القوة، وهذا لن يعود بفائدة على أحد، وأقل من الجميع على طفله.


لا أعني على الإطلاق أن على والدي المجرمين أن يلقوا عن كاهلهم المسؤولية بمجرد ترك أطفالهم؛ بل أؤكد، على العكس، أن على هؤلاء الوالدين أن يتخذوا جميع الإجراءات اللازمة لطبع عدم جواز هذا السلوك بشكل قاطع في عقل طفلهم. أما الكيفية التي يمكن بها ذلك فتتوقف حصرياً على ظروف حياة الأسرة؛ فمثلاً يمكن إرسال الطفل إلى مدرسة داخلية للأحداث الصعبين، وعند الضرورة إلى مستعمرة إصلاحية. وباتخاذ قرار كهذا، يقطع الوالدان علاقتهما بالطفل من جميع الوجوه، لأنه لن يكون قريباً منهما، لكنهما مع ذلك لا يتنصلان من المسؤولية عنه. ومن الصعب جداً اجتياز اختبارات كهذه، وهذا الموضوع يتطلب توضيحات أكثر تفصيلاً من تلك التي قُدمت، ومع ذلك فإن عرض هذا القسم من التعاليم كان سيظل ناقصاً دون الحديث عن مثل هذه الأشكال من الاختبارات.


وهكذا، ومن دون أن يتهم أحدًا، وهو يعود إلى الوراء من حين إلى آخر، لا يجد المحارب خيارًا آخر سوى أن يقارب الحياة بتواضع. فبالعمل يومًا بعد يوم بمبدأ المرايا، يدرك كل تلميذ، عبر تجربته الحياتية الخاصة، عاجلًا أو آجلًا، حقيقة أنه في الواقع ليس أفضل من الآخرين ولا أسوأ منهم.


في نهاية المطاف، نحن جميعًا متساوون مع بعضنا ومع سائر أشكال الحياة على هذا الكوكب. والفرق الحقيقي الوحيد بين كائنين يكمن في تنوع المقاربات التي نستخدمها جميعًا لتجسيد اختباراتنا الحياتية في الواقع.


رغم وجود عدد هائل من الناس في العالم ممن يحسبون أنفسهم فوق الآخرين، فإن المحارب، بفضل عمله بالمرايا، يدرك أنه ليس ملاكاً؛ وإذ تعلم أن يعترف بصدق بنفسه كما هي، فإنه لا يخشى كل ما يوجد في جزيرته من التونال. وبعد أن أدرك جميع جوانب وجوده، من الأسوأ إلى الأفضل، لا يستطيع أن يدين الآخرين من الناس والكائنات عموماً، وفي هذا تكمن كرامته العظمى.


وإذ لا يخجل من أنه ليس أفضل من أدنى مجرم، وفي الوقت ذاته لا يستحي من أن فيه سمات شخصية القديس، يستطيع المحارب أن ينظر بصدق في وجه كل ما هو حي، منتصباً بكامل قامته ورافعاً رأسه بفخر؛ وهذه الوضعية لا تعني التكبر ولا الشعور بأهمية الذات ولا الكبرياء الزائفة، بل تدل على أن المحارب قد بلغ ذلك التواضع الحقيقي الذي يستند إلى معرفة حقيقية بأنه، أولاً، لا أحد أعلى أو أدنى، وثانياً، أن المحارب كائن مفعم بالكرامة، لأنه صادق بما يكفي تجاه جميع جوانب جزيرته من التونال وشجاع بما يكفي لكي يقاتل من أجل الكمال.


الصدق والشجاعة هما الصفتان اللتان تشكلان علامتي كرامة المحارب الحقيقي، لأنهما في نهاية المطاف وجهان لتلك العملة نفسها التي تسمى الكرامة. فلكي يكون الإنسان صادقاً مع نفسه يحتاج إلى الشجاعة، وبلا صدق لا توجد شجاعة حقيقية، بل مجرد تفاخر مصطنع يخفي خوفاً عميقاً من أن يلاحظ أحد فيك شيئاً لا ترغب في معرفته بنفسك، فضلاً عن أن تكشفه لمن حولك. ولكن هل يمكن أن تتجلى الكرامة في تلك الحياة التي تستند إلى الكذب والتملق والجبن المولود من الخوف؟


هل يمكن أن يُرجى المطالبة بحقوق المحارب على القوة إذا كان الإنسان يفتقر إلى الصدق والشجاعة معاً؟ لا بد من المعرفة لاكتساب القوة؛ ولما كانت المعرفة لا تُنال إلا من تجربة الحياة، فكيف سينال الإنسان القوة إن لم يكن يرغب في أن يعرف ما هو عليه في حقيقة الأمر؟ ومع ذلك، لا بد من إدراك أنه ينبغي أن يميز في نفسه الأسوأ وألا يكره نفسه على ذلك؛ وأن يعترف في نفسه بكل ما هو أفضل وأن يؤمن بأنه جدير بهذه الصفات الرائعة. وإن القدرة على فعل ذلك تتطلب صدقاً لا شك فيه وشجاعة لا تتزعزع.


والسبيل الوحيد لبلوغ هذا الصدق هو أن يتصالح المرء مع حقيقة أن العالم المحيط مرآة. وهناك طريق واحد فقط لاكتساب الشجاعة اللازمة: الاستناد إلى إدراك أنه إذا لم تعجبه الانعكاسات في هذه المرآة، فإن لديه من القدرات والقوة ما يكفي لتغيير هذه الانعكاسات بتغييره نفسه.


وهكذا، فمع أن المحارب لا يستطيع إدانة الآخرين، فإنه يدرك أيضاً أنه غير ملزم بتبرير السلوك غير الجدير. فالمحارب لا يستسلم لمثل هذا السلوك في نفسه، ولهذا فهو غير ملزم على الإطلاق بتحمله من جانب الآخرين. ونتيجة لذلك، لا يُقيّم المحارب الناس أنفسهم أبداً، بل يستقبل سلوك من حوله بقدرة على التمييز. فإلى أين يقود سلوكهم: إلى الحرية أم إلى العبودية؟ هل يرفع أم يذل؟ وهل هذا السلوك جدير أم غير جدير؟


ومع ذلك، حتى مع هذا النهج، لا يصبح المحارب أبداً متعجرفاً إلى حد إدانة الآخر على سلوكه، لأنه إذ يعترف بمسؤوليته عن نشوء هذه المرآة، يحاول المحارب الكشف عن هذا السلوك في نفسه، وفي الحالات الأخرى يتعامل معه كاختبار. وبعبارة أخرى، السؤال هو ما إذا كان سلوك الشخص الآخر يعكس تلك الصفات في المحارب التي ترفع من قدره.


من المهم للغاية أخذ كل ما قيل عن المرايا في الاعتبار عند وضع أي استراتيجية، لأن استراتيجية المحارب لا تستهدف تغيير الآخرين بفرض إرادته عليهم، بل هي مصوغة بحيث ترفع المحارب نفسه وبذلك ترفع كل الكائنات الحية المحيطة به. وهذا بالضبط ما يسعى إليه المحارب؛ وهو يفعل ذلك لا لأن مبادئه الأخلاقية تقتضي ذلك، ولا بسبب نزعته إلى الإيثار — بل إن إحساسه بكرامته هو بحيث لا يستطيع أن يشتغل بأحد غير نفسه. وهكذا، حتى إذا اضطر المحارب إلى الاختيار بين علاقة مع إنسان ما وطريق المحارب، فسيختار نفسه وتطوره الخاص. وبفعله ما هو أفضل له، فإنه يحقق دون قصد أكبر خير لأي إنسان قريب منه.


تمثل هذه الممارسة أساس التتبع نفسه؛ وبفضلها يتحكم المحارب في كل شيء دون أن يتحكم في أي شيء — وينبغي أن نفهم أن الإنسان بتغييره لنفسه يغيّر بالفعل العالم المحيط كله، ولهذا لا يحتاج على الإطلاق إلى اللجوء إلى ديكتاتورية صغيرة. وباستخدام قانون النور والانعكاس وتجسيد ترابط كل ما هو حي في الممارسة العملية، يصبح المحارب مع الوقت كائناً لا يُقهر حقاً، وتكون في تصرفه قوة كبيرة. غير أن جميع التلاميذ في البداية يستقبلون هذا القول خطأً بسذاجة مفرطة أو بشكل مبسط.


ومع ذلك، فإنه يصف بدقة كل ما يفعله المحارب: فرغم أن جميع أفعاله بسيطة بشكل خادع وتبدو عادية وغير مؤذية، فإنها تحمل في طياتها قوة لا يمكن تصورها. وهذا ينطبق بشكل خاص على الاستراتيجيات التي يطورها المحارب — فالبساطة المتناهية تمنحها بالفعل مظهراً غير مؤذٍ، لكنها في الحقيقة لا ترحم ببساطة. ولكي نفهم كيف يبدو هذا في الممارسة العملية، لنعد مرة أخرى إلى مثال شون وأخيه ويليس.


عند تطوير استراتيجية للمعركة مع أخيه، يجب على شون أن يأخذ في الاعتبار الجانب الثاني من قاعدة المتتبع، أي حقيقة أن المحارب في سعيه إلى البساطة يطرح أي أفعال زائدة.


بالنظر إلى المعرفة بالمرايا، يصبح هذا الجانب من قاعدة المتتبع بسيطاً بما يكفي للفهم. فبتوجيه كل شيء نحو نفسه ونحو حركته الخاصة على طريق المحارب، يتخلص المحارب من عدد هائل من الأفعال والمشاعر والأحاسيس والأفكار التي قد تنشأ ويكون لها أي معنى فقط في سياق الشعور بأهمية الذات والتمركز حول الذات.
هذا القول لا يتطلب أي توضيح إضافي، لأن مجرد فكرة واحدة عن مبدأ المرايا ستكون كافية لكتابة مجلدات كاملة.


إن الأفعال والحالة العاطفية والأفكار التي لا تتوقف والتي تدور في حلقة مفرغة والمزيج المشوش من المشاعر لدى الغالبية الساحقة من الناس، كلها ناجمة عن مقاربتهم المتمركزة حول الذات للحياة وعن عقليتهم الضحية. ومن وجهة نظر المحارب، فإن أي معركة بسيطة تمامًا — إنها صراع من أجل كرامة المحارب. فلم يعد المحارب يبذل جهدًا لتقوية تشكيلته الاجتماعية برفض الاعتراف بعيوبه أو بمحاولات تبرير سلوكه، وبإدانة تلك الأفعال التي لا يستحسنها، وهو لا يأخذ في الحساب تقريبًا أي شيء لا يساعده على رفع نفسه وأن يصبح كائنًا أكثر كرامة.


لا يمكن أن يوجد شيء أبسط من ذلك، ومع ذلك فإن تحقيق مثل هذا الإنجاز ليس بالأمر السهل على الإطلاق، لأننا جميعاً كائنات غامضة، وهذه الغموضية تجعلنا نتصرف بتعقيد يثير الدهشة حقاً.


وفي هذا الصدد، من المهم الإشارة إلى أن الناس عموماً يرتكبون خطأً واحداً ثابتاً: فهم يعتقدون أنهم يعرفون أنفسهم، وبالتالي يفهمون سلوكهم. ومع ذلك، لا يملك الناس العاديون حتى فكرة غامضة عن ماهية ما يصبح سبباً لسلوكهم، ولماذا ظهرت لديهم تلك العيوب التي تتسم بها طبيعتهم. ويؤكد الناس أنهم يفهمون كل ذلك، لكن حتى أبسط اختبار يُظهر أن ما يسمونه فهماً ليس في كل الأحوال سوى نسخة فردية من لعبة إلقاء اللوم على الآخرين.


وهذا يقودنا مباشرة إلى المسلمات الأربع للتتبع. وفي حالة شون، يجب أولاً النظر في المسلمة الثانية للتتبع، لأنها مرتبطة بالفعل، وتطوير الاستراتيجية يمثل أول فعل يقدم عليه في معركته مع ويليس. وتنص المسلمة الثانية على أن واجب المحارب يتمثل في حل هذا السر، رغم أنه لا ينبغي للمحارب أبداً أن يستسلم للأمل في أنه سيتمكن من ذلك.


لقد تبين لنا بالفعل أن معركة شون الحقيقية تكمن في التخلص من تقديره المتدني لذاته؛ ولهذا يجب أن يعترف لنفسه بأنه في الواقع يتمتع، كشخصية، بأهمية كبيرة. وقبل كل شيء، على شون أن يحدد عن طريق الاستعراض ما الذي أثار بالضبط رأيه المتدني في نفسه. غير أن الاستعراض سيكشف فقط عن سبب تقدير الذات المتدني، لكنه لن يستطيع أن يُظهر الأساس الذي يجعل المعركة من أجل رأي صحيح في النفس محكوماً عليها بأن تكون واحدة من أهم اختبارات شون طوال حياته.


من الواضح أن الإجابة عن السؤال الأخير ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصير، ومع ذلك فإن السبب الذي يجعل شون مضطراً في هذه الحالة للصراع مع تقديره المتدني لذاته يبقى جزءاً من غموض وجوده. وهذا هو المعنى الحقيقي للجزء الثاني من المسلمة قيد النظر، لأنه ينبغي التذكر بأن كل شيء في جزيرة التونال له سببه، ورغم أن الإنسان يحوّل عيوبه تدريجياً إلى مكسب ثمين، فإن هذه العيوب تبقى معه طوال حياته. وبعبارة أخرى، رغم أن شون سيتغلب مع الوقت على رأيه المتدني في نفسه (بأن يتعلم استخدامه بشكل بنّاء بدلاً من أن يسمح له بإثارة تلك الأفعال التي تقوض ثقته بنفسه واحترامه لذاته)، فإن تقديره المتدني لذاته سيبقى معه مدى الحياة، لأنه سمة من سمات جزيرة التونال الخاصة به.


وهذا ينطبق على أي عيوب، لأن تحويل العيوب إلى مزايا يعني فقط أن الإنسان يتعلم إجبارها على العمل لصالحه لا ضده. ومع ذلك، في عملية هذا التحويل، فإنه لا يتخلص أبداً من عيوبه ولا يدمرها — بل إن ذلك غير مرغوب فيه أصلاً، لأن عيوب الإنسان هي تذكرته إلى الحرية وطريقه إلى القوة.


في غياب العيوب، لن يتمكن أبداً من تحويل نفسه إلى محارب، لأن الصراع فقط من أجل تحويلها إلى مزايا هو ما يسمح بالتخلص نهائياً من السلوك الذي كانت العيوب تؤدي إليه في البداية.


إن الإنسان يتمكن من تحويل نفسه إلى محارب تحديداً عن طريق تحويل عيوبه إلى مزايا؛ وهذا يعني أنه يتخلص فقط من السلوك الذي كانت تثيره هذه العيوب، لكن ليس من العيوب نفسها — فالتلاميذ غير المبالين ينسون ذلك في كثير من الأحيان.
من المنطقي أن نفترض أنه إذا كانت العيوب تسمح للإنسان بكشف غموض وجوده، لكن التخلص منها مستحيل، فإن حل هذا اللغز يتطلب بالطبع فترة أطول بكثير من حياة إنسان واحد. وبعبارة أخرى، فإن أفضل ما يمكن لكل إنسان فعله هو أن يبدأ من المكان الذي يوجد فيه، وأن يبذل كل جهوده لحل أكبر جزء ممكن من سر وجوده خلال الحياة الحالية.


وهذا بالضبط ما يُقال في الجزء الأول من المسلمة الثانية: واجب المحارب يتمثل في حل هذا السر. وكلمة «واجب» تفترض أن حل لغز وجود المرء نفسه يمثل واجباً ليس تجاه نفسه فحسب، بل تجاه كل ما يحيط به أيضاً، لأن كل ما هو حي مترابط. ومع ذلك، فإن شعور الواجب المتأصل في المحارب لا يتطابق على الإطلاق مع مفاهيم الواجب التي تتسم بها طبائع الناس العاديين.


يعني الواجب بالنسبة إلى المحارب الإقرار بحقيقة أنه ليس له الحق في أن يقف في مكانه وينتظر حتى يؤدي جميع الآخرين واجباتهم، أي أن يخدموه. وعلى الجميع دون استثناء أن يرفعوا من أنفسهم — لا لأن ذلك يعزز تنمية القدرات الشخصية فحسب، بل أيضا لأن هذا السلوك يعود بالنفع على الجميع، إذ إن جميع الناس أجزاء من حياة واحدة. وهكذا، كلما تمكن المحارب من حل جزء من سر وجوده الخاص، حل في الوقت نفسه شظية صغيرة من ذلك اللغز الهائل الذي يشمل كل ما هو حي، والذي يكون المحارب جزءا منه. وفي نهاية المطاف، هذا هو ما يُفهم من عبارة «رسم خريطة المجهول» — وهذا هو ما يعتبره المحارب واجبه، وكذلك التبرير الوحيد لأن يُمنح هدية الحياة التي لا تُقدّر بثمن.


من الواضح تماما أنه، وهو يواصل تطوير استراتيجيته، ينبغي لشون أن يعود إلى المسلم الثالث. لنذكّر بأن هذا المسلم ينص على أن المحاربين يعتبرون أنفسهم جزءا من هذا اللغز — وقد لوحظت هذه الحقيقة فعلا في الحديث عن المرايا. غير أنه، علاوة على ذلك، يرد في المسلم أيضا أن المحاربين يصبحون متحدين معه. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن الإنسان، كما ذُكر سابقا، لا يحصل على أمل في حل هذا اللغز إلا بالانغماس فيه كليا. والسبب هو أنه، حين يتعلق الأمر بلغز الوجود، لا يكاد العقل العقلاني يجدي نفعا، ولذلك يجب على الإنسان أن يستند إلى الحساسية؛ ومن ناحية أخرى، يكاد يكون من المستحيل أن يشعر المرء بشيء دون أن ينغمس فيه. وتشير إلى أهمية اللجوء إلى المشاعر أيضا حقيقة أن الإنسان، عند العمل بالمسلم الثالث، يتوجه إلى الجنوب — وكما هو معروف من كتاب «صرخة العقاب»، فإن هذا الجانب من الجهات مرتبط باللاعقلاني، ولذلك يتطلب الشعور لا العقل العقلاني.


يكتشف شون أن التخلي عن العقلانية المعتادة والتوجه إلى الشعور ليس بالأمر السهل عليه، لأنه كان دائما تقليديا إلى حد كاف واعتمد على نطاق واسع على العقل العقلاني. والتوجه إلى الشعور هو ما يسمى القدرة على الإصغاء إلى القلب — وهي قدرة معقدة قلما تمكن المرء من تطويرها بسرعة ودون جهد؛ ولحسن الحظ، فإن في متناول شون الجانب الثالث من قاعدة المتعقب. وسيُبحث هذا المبدأ بالتفصيل في الفصل التالي، لكن من الضروري الآن، عند دراسة كيفية تطوير المحارب لاستراتيجيته، أن نتناوله بإيجاز.


ينص الجانب الثالث من قاعدة المتعقب على أن المحارب مستعد دائما للقتال حتى الموت هنا والآن. وإذ يتأمل شون في هذا، يكتشف أنه ليس في الواقع بالأمر الصعب أن يطرح جانبا كل اعتباراته العقلانية حول أفضل طريقة للتعامل مع الوضع القائم. فلم يكن مطلوبا لذلك سوى تركيز انتباهه على حقيقة أن لا أحد يضمن طول العمر، ولذلك فإن اللحظة الراهنة وحدها هي التي تمتلك أهمية حقيقية. ولهذا السبب، ما إن يسأل شون نفسه عما يرغب فيه أكثر من أي شيء لو كانت هذه الدقيقة آخر لحظة في حياته على وجه الأرض، حتى يغمره فجأة شعور غريب جدا يثير رغبة تكاد لا تُقاوم في التحرر من العلاقة الوثيقة بأخيه.


في البداية لا يستطيع شون أن يدرك ما يعنيه بالضبط الشعور الذي يعيشه، ومع ذلك فهو واثق من أمر واحد: أنه يريد بالتأكيد أن يقطع نهائيا علاقته بويليس. غير أنه، إذا كان شون ينوي التحرر من هذه العلاقة، فسيتعين عليه أن يعلن حقوقه على القوة بطريقة أو أخرى. وهذا ليس مفاجئا على الإطلاق، لأنه عند العمل بالمسلم الثالث توجه شون إلى الجنوب، الذي ليس مكان دفء فحسب، بل مكان قوة أيضا. وهذه خصوصية مميزة لجميع الاستراتيجيات التي يطورها المحارب، لأن الهدف الوحيد لجميع الاختبارات يتمثل في نهاية المطاف في أن يهيّئ للإنسان الفرصة ليعلن حقوقه على القوة ويرفع من نفسه في الوقت نفسه.


إذ يفكر شون في أفضل طريقة ليعلن بها حقوقه على القوة في هذه المعركة بالذات، يتذكر أن معركته الحقيقية تتمثل في ضرورة أن يستفيد على أفضل وجه من هذه الفرصة ليبدأ في تحويل تقديره المنخفض لذاته إلى كرامة. غير أن العقل العقلاني لا يجدي هنا نفعا خاصا، لأن العقلانية قادرة على توجيه شون فقط فيما هو معروف له بالفعل، أي أنها كانت قد تنفع لو أنه تبنى أحد الخيارات الشائعة. لكننا تأكدنا بالفعل من أن أيا منها لن يفيد شون في هذه المعركة. ويتوصل شون إلى هذا الاستنتاج بمساعدة المسلم الثالث، لكنه، كي يكمل تطوير استراتيجيته، عليه أن يواجه اختبارا جديدا — أن يجد ذلك الخيار الذي لا يزال مجهولا تماما له.


عند لقاء المجهول، من الضروري أيضا استخدام الشعور، وهذا يعني أنه يتعين على شون الآن أن يتوجه بوجهه إلى الغرب، مكان الشعور، وأن يستخدم المسلم الرابع من مسلمات التعقب.


إذ يلتفت شون إلى الغرب، يدرك سريعا أن هذه الربع مرتبط بمحو التاريخ الشخصي، وهذا يعني أن استراتيجيته ينبغي أن تصبح، بدرجة أو أخرى، تمرينا على محو التاريخ الشخصي. ويصبح هذا الإدراك لشون بالغ العمق، لأنه يفهم الآن أن التاريخ الشخصي — الذي هو، كما يُوضح في «صرخة العقاب»، تقديرنا لذاتنا — يصبح أكبر عائق في حياة الإنسان. وهذا ينطبق بوجه خاص على اللحظة الراهنة من حياة شون، لأنه يعاني الآن معاناة حقيقية من عواقب رأيه المنخفض في نفسه. غير أنه من الضروري أن ندرك أن التاريخ الشخصي يقيّد بقوة حتى الأشخاص ذوي التقدير السليم لذاتهم إلى نظرتهم إلى العالم، ولذلك يمكن اكتشافه في الجذور ذاتها لأي اختبار حياتي. والسبيل الوحيد للتغلب على اختبارات المرء وحل لغز وجوده الخاص يتمثل في محو التاريخ الشخصي بهدف إيقاف العالم. وما دام الإنسان لم يوقف العالم، فسيظل لغز الوجود يفلت منه، وستبدو له اختباراته عبئا ثقيلا، وستبدو له الحياة ككل ظاهرة مملة وكئيبة ضمن إطار العالم اليومي.


إذ يتأمل شون في محو التاريخ الشخصي ويدرك أنه يعني التحول الضروري لتقديره المنخفض لذاته إلى كرامة، يتذكر أن المحارب يستخدم كإشارات خطوط التوتر التي تتصل بالمعركة الراهنة. وفي هذه الحالة، تُشبك هذه الخطوط بلا شك آراءه في نفسه وفي أخيه. ولنتذكر أن خطوط التوتر تنشأ عن جودة الشدة، وهذه الشدة نتيجة التفاعل بين إدراكي شخصيتين.


إذ يتأمل شون هذه الحقيقة، يدرك فجأة أنه إن كانت لديه هذه الرغبة المحرقة في التحرر من التواصل مع أخيه، فإن هذه الرغبة غير المعلنة، حتى وإن لم يكن قد وعاها قط من قبل، كانت ناجمة عن توتر قديم جدا بينه وبين أخيه. علاوة على ذلك، بما أن ويليس هو من بدأ المعركة، فثمة كل الأسباب للاعتقاد بأنه يعاني الرغبة ذاتها؛ ففي نهاية المطاف، حين أعلن أنه يبدأ بإدارة الشركة، كان ويليس، على الأرجح، يعني هذا بالذات.


لقد راودت هذا الفكرة شون من قبل عندما كان يحاول أن يتبين ما هي معركته الحقيقية، لكنه في تلك اللحظة لم يكن يستطيع أن يكون واثقًا إلا من أن عليه وعلى ويليس معًا أن يقاتلا من أجل تقديرهما لذاتهما. والآن، وهو يقيّم خطوط التوتر المرتبطة بهذه المعركة، يستعيد شون في ذاكرته ذلك الشعور الغريب الذي كان ينشأ لديه سابقًا والذي لم يستطع حينها أن يفهمه. غير أنه يدرك الآن أن هذا الشعور كان يعني بلا شك رغبته في التحرر من ويليس، وهكذا يتبين كل شيء أخيرًا في موضعه الصحيح.


يدرك شون الآن بوضوح أن أهم خط توتر في علاقته العملية مع ويليس كان دائمًا يتلخص في التفاهم مع أخيه بأي ثمن، وذلك ببساطة لأن كليهما كانا مدفوعين برغبات وأحلام مشتركة بشأن المستقبل. وإذ أدرك ذلك، يستطيع شون أن يستوعب أيضًا معنى ذلك الشعور الغريب الذي انتابه، وأن يجد له اسمًا مناسبًا: «الاعتماد المتبادل»! فبما أن شون وويليس يعانيان منذ زمن طويل جدًا من تقدير منخفض للذات، فقد كان كل منهما يتكيء دائمًا في جميع شؤونه على دعم الآخر، حتى بدأا في النهاية يعتمدان على بعضهما بعضًا. وقد صار هذا الاعتماد المتبادل قويًا إلى حد أنه، وهو يفكر في الأمر، تبين لشون أنه يجد صعوبة بالغة في فصل ذاته عن تلك السمات التي يتحلى بها أخوه، والتي بدأ لا إراديًا في اعتبارها سمات خاصة به.


بعد هذا الإدراك صار واضحًا لشون تمامًا أن أهم مهمة لديه هي القطيعة مع أخيه والسعي إلى إيجاد شخصيته الخاصة. ونتيجة لذلك فقد سقط سؤال الشراكة مع ويليس من الاعتبار. ومن ناحية أخرى، لن تعود عليه محاولات الحفاظ على الشركة بأي نفع، فمع أنها كانت في البداية فعلًا شركته هو، إلا أنها منذ انضم ويليس إلى العمل صارت هي أيضًا انعكاسًا لاعتمادهما المتبادل. فنشاط الشركة في مجمله، ونوع العملاء الذين كانت تستقطبهم، وطابع الطلبات التي كانت تنفذها، كل ذلك كان يقوم على الاعتماد المتبادل بين الأخوين. وهكذا، إذا كان شون ينوي العثور على شخصيته الخاصة، فعليه أن يتحرر من كل ما يحفظ هذا الاعتماد المتبادل بدرجة أو بأخرى. وبكلام موجز، يدرك شون الآن أنه ينبغي له أن يدع ويليس يتولى إدارة الشركة وكل ما يتصل بها، لا لأن شون جبان جدًا بحيث لا يستطيع القتال، بل فقط لأن مهمته هذه تقتضي ذلك.


بالنظر إلى خطوط التوتر ذات الصلة، يتبين لشون أن جوهر هذا الصراع، سواء بالنسبة له نفسه أو بالنسبة لويليس، يتلخص في أن كليهما يجب أن يتخلصا من الاعتماد القائم بينهما على بعضهما بعضًا. فلم يكن تطلع ويليس إلى السيطرة على الشركة إلا وسيلة للتعبير عن أنه هو أيضًا يريد التخلص من تأثير شون في حياته. وبعبارة أخرى، فمن وجهة نظر ويليس، سيتيح له منصب المدير العام للشركة أن ينظر إلى نفسه نظرة أفضل، وأن يحقق مزيدًا من الثقة بنفسه، وهذا يعني اعتمادًا أقل على شون.


في لحظة الصفاء هذه تغمر شون هيبة عميقة أمام حقيقة أن الناس إنما هم مجرد مرايا؛ وها هو الآن قادر، من خلال تجربته الخاصة، أن يدرك ما يُقرر في المبدأ الرابع: أن أساس هذا السر هو الغموض اللانهائي لوجود الأشياء كلها، وفي هذا الغموض الوجودي الجميع سواسية. وهكذا لم يعد شون يشعر بالغضب تجاه أخيه؛ فهو الآن قادر على أن يفهم فهمًا حقيقيًا دوره هو في ما حدث، ولذلك يغرق غرقًا عميقًا في تجربة المعنى الحقيقي لعبارة «المحارب يبلغ التواضع الأصيل».


علاوة على ذلك، يدرك شون أنه إذا كان ينوي أن يطالب بحقوقه في قوة المحارب، فلا بد له أن يفعل ذلك على نحو يرفع في الوقت نفسه رأيه في نفسه. وفي هذا المعنى يدرك شون أنه ولأول مرة في حياته يريد حقًا أن يكون واعيًا برغباته الخاصة وأن يتصالح مع أشد نزعاته إلحاحًا ألا وهي نزعته إلى التحرر من أخيه. وهكذا لم يبقَ له إلا أن يناقش مع أخيه المسائل العملية المتعلقة بنقل الشركة بكاملها إلى اسم ويليس. وبعد تفكير قصير يدرك شون أنه لا يحتاج في الواقع إلا إلى المال المقابل لثلاثة أشهر، وهو ما سيمكنه من الصمود إلى أن يبدأ عملًا جديدًا، وهذا طلب معقول وبسيط تمامًا: فلن يخطر لويليس أصلًا أن يعترض عليه.


بعد أن صمم استراتيجيته، التي هي ذاتها في غاية البساطة، لم يبقَ لشون إلا أن يطبقها في الواقع؛ وسيستعين في ذلك مرة أخرى، كإرشادات، بخطوط التوتر المرتبطة بالتقدير المنخفض للذات لدى كلا الأخوين. وبعبارة أخرى، ولما كان شون يفهم أن أخاه سيتخذ على الأرجح موقفًا دفاعيًا، إذ سيشعر ويليس بالحرج من مطالبه غير المنصفة، فإن على شون أن يُفهم أخاه أن عرض ويليس يناسب شون تمامًا. وهذا يتلخص في أن على شون أن يقنع ويليس بأنه اتخذ خيارًا صحيحًا تمامًا لكليهما، ولذلك فإن شون لا يحمل على ويليس أي ضغينة.


لا حاجة إلى القول إن استراتيجية شون تختلف اختلافًا تامًا عن أي مسار للأحداث كان معظم الناس سيؤثرونه لو وجدوا أنفسهم في موقفه، ومع ذلك فإن هذه الاستراتيجية لا ترحم. وأقل ما يتوقعه ويليس هو أن يوافق شون عن طيب خاطر على مطلبه، وهذا بلا شك سيخرج ويليس عن توازنه. وقد يبدو للوهلة الأولى أن ويليس قد كسب المعركة، لكن شون في حقيقة الأمر يبدأ في تعقب نفسه وتعقب أخيه في معركة شديدة التخفّي، وهي معركة قد بدأت للتو. وفي المقابل يتبادل الأخوان موضعيهما، فيتحول شون من موضوع للصيد إلى الصياد ذاته. وفي هذا المعنى لا يعرف أي من الأخوين بعد الثمن الذي سيتعين على ويليس دفعه مقابل تعامله السطحي مع هذه المعركة باعتبارها معركة «مكسوبة». غير أنه ينبغي، مع ذلك، فهم أن استراتيجية شون ستعود بالنفع لا عليه وحده بل على ويليس أيضًا. وهكذا فإن شون ليس أنانيًا وإن كان يتصرف بما يحقق مصالحه.


لا بد من التأكيد على نقطة مهمة أخرى: فرغم أن المحارب قد يبدو عاديًا جدًا وغير مؤذٍ، فإنه يظل دائمًا خصمًا مميتًا. فمثال شون وويليس يُظهر بوضوح أن المحارب قد يبدو متراجعًا ومنهزمًا — ومع ذلك، من يدري ما يكمن وراء استراتيجيته؟ أي ضربات خفية يخطط لها، وأين ستوجه؟ في هذه اللحظة لا يعرف ذلك حتى شون نفسه، غير أنه يعرف شيئًا واحدًا بلا شك: أن ويليس بأفعاله فتح أمام شون ممرًا إلى الحرية، ولن يسمح شون لهذه اللحظة العابرة من الفرصة أن تفلت منه. وإذ رأى شون أن فرصة بلوغ الحرية التامة تنشأ أمامه بقوى أخيه نفسه، فهو عاقد العزم على استغلال هذه الفرصة وانتزاع أقصى مزاياها. وقد أعلن بالفعل حقه في حجم هائل من القوة، لأنه أدرك أنه غير ملزم إطلاقًا بأداء دور «الراعي الصالح» تجاه ويليس ليرفع تقديره لذاته، وأنه لا يحتاج إلى مساعدة أخيه لتحقيق النجاح في شؤون الحياة. وفي هذا المعنى نقل شون فعليًا تركيزه من الإحساس بالضحية إلى موقف المنتصر؛ ولم يقتصر الأمر على أنه استفاد من الشدة التي ولّدتها الآراء المتدنية عن الذات لدى الأخوين معًا، بل تعلّم أيضًا التلاعب بها.

من الطبيعي تمامًا أن يمثل التلاعب بالشدة الخطوة الأولى نحو تحويل التونال الخاص به إلى التونال الصحيح، غير أن هذا ليس كل شيء، لأن هذا التلاعب هو في الوقت نفسه الخطوة الأولى نحو إتقان السحر الأعلى — معرفة التنانين. وفي الفصل التالي سنتحدث بمزيد من التفصيل عما يعنيه ذلك.

أما فيما يتعلق بمعرفة التنانين، فلم يبقَ في نهاية هذا القسم سوى مسألة واحدة يجب توضيحها. فعند عرض مثال شون، اختصرت عن قصد الحديث عن خطوط التوتر إلى أبسط مستوى ممكن. وكان سبب ذلك أن الاستخدام الماهر لخطوط التوتر يفضي إلى ممارسات تتجاوز حدود هذا الكتاب بكثير — ويمكن أن تُنسب هذه الممارسات بحق إلى المراحل العليا من فن الاقتفاء. ومع ذلك لا توجد أي إمكانية لتحويل التعاليم إلى ممارسة دون وجود تصور أولي على الأقل عن استخدام خطوط التوتر. ولهذا يُنصح القارئ مرة أخرى بأن يتذكر أنه لا ينبغي له أبدًا أن يظن أن الوقائع المعروضة حتى الآن تمثل التعاليم بكاملها.

الفصل الخامس
خطوة إلى المجهول


للتوغل في المجهول يجب أن تُتقن التلاعب بالشدة. فما دامت الشدة غير متأثرة، تبقى نقطة التجمع مثبتة بإحكام، ويستحيل الانتقال إلى الجانب الأيسر من الوعي والدخول إلى المجهول.


بعد أن يطوّر المحارب استراتيجيته، ينبغي تطبيقها عملياً لتحقق هذا النتيجة أو تلك. غير أن قاعدة المتعقّب في حقيقتها ليست سوى تحديد لمعاملات الاتجاه المختار للارتجال. وهذا اعتبار بالغ الأهمية لا ينبغي نسيانه أبداً، لأنه، في التعامل مع القوة، لا يستطيع الإنسان أن يتوقع مسبقاً تطور المعركة المقبلة وعواقبها.


لا يمكن المرء أن يكون واثقاً إلا من أن المعركة ستجتاحه عاجلاً أم آجلاً، كموجة محيط الحياة، وحينها ستتيح له الاستراتيجية التي طوّرها أن يمتطي هذه الموجة ويبقى على قمتها. أما ما سيحدث بعد ذلك، وإلى أين ستحمله الموجة، فكل ذلك مخفي بإحكام في مملكة المجهول. ولهذا السبب كان التولتك يسمون التطبيق العملي للاستراتيجية خطوةً إلى المجهول.


ينبغي إدراك مدى اختلاف نهج المحارب عن نهج الإنسان العادي. فالناس يخططون خلال حياتهم لمسار أفعالهم كأنهم قادرون على استشراف مجرى الأحداث الحقيقي بدقة؛ وفي اللحظة التي تبدأ فيها الواقعية بالتطور على نحو مختلف تمامًا عما توقعوه أو أملوه، يهرع الناس فورًا إلى البحث عن وسيلة لإحداث نتيجة تتوافق مع تطلعاتهم. ويعتبر هؤلاء الناس ذلك دليلًا على متانة أسلوب حياتهم، لكن من وجهة نظر المحارب فإن محاولات التأثير في يد القوة حماقة صريحة تستند إلى تصور وهمي مفاده أن الناس قادرون على التحكم في التيارات في محيط الحياة.


الاستسلام لمثل هذه الأفكار يعني فقدان العقل السليم كليًا. فالإنسان غير قادر على التحكم في القوة — فهي قوة كونية؛ ومن ناحية أخرى، ولما كانت القوة نتاجًا للإدراك، فإن الإنسان قادر فعلًا على التحكم في مستوى إدراكه، أي في ضبطه، وهذا بدوره يحدد بلا شك مستوى قوته الشخصية. وهكذا، فرغم أن الإنسان غير قادر على التحكم في القوة مباشرة، فإنه يستطيع تمامًا اختيار أي إدراك لأحداث حياته.


هذا هو بالضبط ما يفعله الناس؛ فهذا الفعل يقع في أساس ظاهرة التكييف الاجتماعي، لأنه رغم الشعور الغليظ بالانفصال عن كل ما يحيط به الذي يتصف به الإنسان، فإن جميع الكائنات البشرية تنزع فطريًا إلى الوعي الجماعي — ونتيجة لذلك يطيب لها الانصياع لإجماع الجماعة، ولا سيما السعي إلى نيل استحسان أقرانها. والنتيجة النهائية لهذا السلوك هي أن الناس يتشبثون بالحلم الجماعي كأنه الواقع النهائي، مع أنهم يكيّفون إدراكهم إلى الأبد مع قيود هذا الحلم. ولهذا السبب لا يقتصر الأمر على أن الناس يقيّدون إدراكهم ويختزلون وجودهم في الحياة داخل حدود الوهم، بل والأسوأ من ذلك أنهم يقللون من قوتهم الشخصية، أي أنهم يحرمون أنفسهم من القوة بأيديهم.


إن دعم النوم الشامل دون المساس بأسس التكييف الاجتماعي يتطلب تثبيتاً جامداً نسبياً لنقطة تجمع كل إنسان على مستوى الإدراك نفسه. علاوة على ذلك، بما أن الإنسان يسعى باستمرار إلى الشعور بموثوقية تجربته الحياتية، فإن الموضع الذي تُثبَّت فيه نقطة التجمع يجب أن يكون دائماً في إطار المعلوم. وبالنظر إلى ما هو معروف لنا بالفعل، يمكن الاستنتاج أن النوم الشامل، وبالتالي التكييف الاجتماعي، يعتمد على تلك الشدة التي تثبّتها وتحافظ عليها غالبية الكائنات البشرية.


ولهذا السبب تحديدًا يميل الناس العاديون إلى عدم ملاحظة المجهول إطلاقًا؛ وعند أي اصطدام به يتصرفون كأنه جزء من المعلوم يتشكل لسبب ما «بطريقة خاطئة»، ولذلك يجب إخضاعه أو نبذه، وبأسرع وقت ممكن. ومن الواضح أن الناس، في ظل هذا الموقف، يعيقون أنفسهم باستمرار عن الخطو الواعي في المجهول، وتتحول حياتهم إلى عقلانية أحادية الجانب، يُنظر فيها إلى التجليات غير المتوقعة للمجهول على أنها فوضى تامة من «الحظوظ» و«سوء الحظ».


غير أن المحارب لا يُعد من أولئك الذين يتشبثون بالحلم الجماعي أو بالتكييف الاجتماعي. ولهذا السبب تستهدف أي استراتيجية له أن تتيح له التعاون مع القوى المتجلية في حياته والانزلاق على قمة موجة المجهول نحو قدراته الكامنة ومصيره. ونتيجة لذلك، فإن الهدف الأساسي من وضع الاستراتيجية وتطبيقها، بالنسبة إلى المحارب المتعطش إلى النفاذ إلى المجهول، هو تغيير شدته.


وفي هذا المعنى يجدر التذكير بأن مهمة المحارب تتمثل في التعاون الكامل والعقلاني مع أهداف حالمه؛ ولما كان الحالم يتحكم بالفعل تحكمًا صارمًا في هدف تجسده بواسطة النية الموجّهة، فمن المنطقي أن نفترض أن على المحارب أن يجعل إدراكه مرنًا بما يكفي ليتمكن من التعامل بإتقان مع جميع الاختبارات التي تنشأ.


والأهم من ذلك هو أن الإنسان نفسه يخلق لنفسه اختبارات الحياة مستعينًا بخطوط التوتر في شبكة حياته، وخطوط التوتر هذه تنشأ بدورها نتيجة الشدة التي يولّدها الإنسان أثناء تفاعله مع المحيطين به في أثناء فعل الإدراك. وهكذا، فرغم أن الإنسان لا يستطيع تفادي مصيره بمعنى أنه لا يستطيع تغيير نية حالمه، فإنه مع ذلك قادر على التحكم في نوعية اختباراته إذا تعلّم إدارة الشدة التي يولّدها.


السلطة على جودة تجارب المرء لا تعني محاولة تحديد مسار حياته سلفًا. ولتوضيح هذا الفرق كثيرًا ما ألجأ إلى تشبيه واحد، إذ أقارن المصير برحلة. فإذا كان مكتوبًا للإنسان في هذه الحياة أن يزور روما، فسوف يصل إليها بشكل أو بآخر، لكن الكيفية التي سيحدث بها ذلك تعتمد كليًا عليه هو نفسه. وسواء أدرك الإنسان ذلك أم لم يدركه، فإنه من أجل أن يجد نفسه في روما سيخلق تجارب متنوعة أشد التنوع توجهه نحو الاتجاه المطلوب. بعض هذه التجارب ستبدو له «جيدة»، لأنها ستضمن رحلة مبهجة وممتعة؛ وأخرى ستبدو «سيئة»، لأنها ستجعل الرحلة كريهة ومفجعة. والإنسان قادر على أن يحول طريقه إلى روما إما إلى مغامرة آسرة وإما إلى كابوس محض، حين يخيل إليه كأنه يُجرّ إلى هناك من شعره وهو يرفس ويصرخ. وهذا الفرق بالذات هو الذي يعني القدرة على التحكم في جودة تجارب المرء.


ومع ذلك لا بد من إدراك أن الشدة ليست سوى نتيجة لمستوى معين من الإدراك. وهكذا، إذا أردتم تغيير شدتكم وبذلك تعلم التحكم فيها، ينبغي لكم أن تسعوا إلى تغيير مستوى الإدراك والتحكم فيه. وهذا يعيدنا مباشرة إلى مبدأ ضرورة امتلاك نقطة تجميع متحركة، إذ بدون هذه المرونة لا يستطيع الإنسان التحكم في مستوى إدراكه، وبالتالي في شدته. وأبسط سبيل لجعل نقطة تجميعكم متحركة يتمثل في تعلم تتبع إدراككم؛ ومن ناحية أخرى، فإن أفضل سبيل لتعلم ذلك يتلخص في القدرة على تفسير خطوط التوتر التي تظهر في حياتكم اليومية، لأن هذه الخطوط لا تولّدها إلا الشدة. ومتى تعلمتم الكشف عن خطوط التوتر، أمكنكم الانتقال إلى تغيير مستوى إدراككم وشدتكم، ويُتحقق ذلك بمجرد تطبيق درع المحارب والتمارين العملية في اللافعل.


بعبارة أخرى، إذا أردتم أن تفسروا خطوط التوتر في حياتكم اليومية، بدلًا من الاكتفاء بالمعنى السطحي للأحداث، فإنكم تبدأون لا إراديًا في أن تقبلوا دون أن تقبلوا، وأن تؤمنوا دون أن تؤمنوا؛ ونتيجة لذلك لم يعد إدراككم مثبتًا بالهوس، بل تصبح نقطة التجميع متحركة.


غير أنه لكي يكشف المحارب عن خطوط التوتر في الحياة اليومية، فضلًا عن تفسيرها، يجب أن يكون يقظًا، عديم الخوف، مفعمًا بالاحترام، وهادئًا جدًا. ومن البديهي أن هذا يفترض تطبيق درع المحارب، ويعيدنا في الوقت نفسه إلى أن المحارب يحيا على الحد، وبهذا المعنى تستند حياته كلها إلى الجانب الثالث من قاعدة المتتبع، أي إلى أن المحارب مستعد دائمًا للقتال حتى الموت هنا والآن مباشرة. وعواقب هذا الجانب من قاعدة المتتبع تتجاوز بكثير نطاق هذا الكتاب، لكن أهمها بالنسبة للعرض الحالي هو المبدأان المتشابكان الوثيق: الخطوة إلى المجهول والحياة في اللحظة الراهنة.


ينبغي أن يكون واضحًا من مثال شون أنه بمجرد شروعه في تطبيق الاستراتيجية الموضوعة سوف يخطو فورًا إلى المجهول بالمعنى الحرفي للكلمة، إذ يستحيل التنبؤ بمخرَج هذا الحدث. ولا يمكن لشون أن يكون واثقًا إلا من أن حياته ستتغير إلى الأبد نتيجة لهذا الفعل، وأن إدراكه لنفسه ولحياته سيتغير معها.


يكفي أن يتأمل المرء قليلًا حتى يتضح له أن مثل هذا الوضع غير المتوقع للأمور يعد بالنسبة للإنسان العادي كابوسًا، أما بالنسبة للمحارب فالأمر مختلف تمامًا. فبما أن المحارب يحيا بتجاربه، فإن مثل هذا الوضع للأمور بديع، وهو يمثل تأكيدًا لحقيقة أنه أصبح مرنًا بما يكفي ليستطيع العيش على الحد، وقويًا بما يكفي لتحمل مشاق رسم خريطة المجهول. وفي حالة شون، تمثل هذه اللحظة مروره إلى الحرية، لكن لكي يدخل هذا الممر، ينبغي لشون أن يتأمل عواقب المسلمة الثالثة من مسلمات التتبع بكل عمقها.


في المسلمة الثالثة من مسلمات التتبع يُشدَّد على أن العالم وأحداث حياة الإنسان ليست على الإطلاق كما تبدو، بل هي في حقيقة الأمر لغز لا نهائي. علاوة على ذلك، ولأن الإحساس بهذه الغموضية يتغير بتغير الإدراك، فإن الإنسان نفسه هو أيضًا جزء من هذا السر، لأن الغموضية ملازمة لفعل الإدراك ذاته. ونتيجة لذلك، فإن السبيل الوحيد القابل للتطبيق عمليًا أمام إنسان مثل شون للاقتراب من حياته الخاصة، بدءًا من هذه اللحظة، يتمثل في أن يقبل دون أن يقبل، وأن يؤمن دون أن يؤمن. فلم يعد شون يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يتعامل مع الأحداث تعاملًا سطحيًا وأن يكتفي بذلك.


والآن بات من الأهمية بمكان بالنسبة له أن يحيا بفهم راسخ بأن كل يوم، بل كل لحظة من حياته، سيتعين أن تُقضى في أرض غير مطروقة، وأن كل فجر سيفتح أمامه آفاقًا جديدة من المجهول.


الخطوة إلى المجهول لا تشبه على الإطلاق نزهة عادية، فأي توغل في المجهول يمثل فعلًا لا رجعة فيه، يغيّر حياة الإنسان إلى الأبد. ولا يحلم بالاقتحام إلى المجهول ومغادرته بمحض إرادته سوى تلك النفوس التائهة التي تريد أن تنال قوة المحارب لكنها لا تملك ما يلزم لذلك من انضباط ذاتي واحترام للذات وكرامة.


بعبارة أخرى، يرغب هؤلاء الناس في الانتقال إلى المجهول من سياق حياتهم الراهنة، والتعرف في المجهول على شيء جديد، ثم العودة إلى حياتهم السابقة بهذه المعارف. ومع أن مثل هذه الممارسات ممكنة فعلًا، فإنها بالغة الخطورة، لأن هؤلاء الناس يفتقرون إلى كل من الرصانة والعصمة. فالخطوة إلى المجهول تشبه في شيء ما الاقتراب من مفاعل ذري، إذ في اللحظة ذاتها التي يجد فيها الإنسان نفسه في المجهول، يتشحن كيانه كله بطاقة هائلة تُشغّل تفاعلًا متسلسلًا لا رجعة فيه. والسبيل الوحيد للتعامل مع هذا التفاعل المتسلسل يتمثل في أن يستسلم له ويوجه نيته نحو التحول الكامل. وبفضل هذا التحول يصبح الإنسان منيعًا ضد التأثير المدمّر لـ«الإشعاع»، لكن في غياب الرغبة في التغيير لا يمكن أن يكون هناك سعي إلى أن يصبح محاربًا معصومًا حقًا، وعندئذٍ يعرّض الممارس نفسه، بالمعنى الحرفي للكلمة، لتأثير «الإشعاعية» المهلك إلى حد لا يُصدق. وفي هذا الصدد يُنصح القارئ بإعادة قراءة الحكاية الواردة في «صرخة العقاب» عن إغراءات القوة في هيئة أحد الأعداء الطبيعيين الأربعة.


إذن، فإن الخطوة إلى المجهول فعل يُشغّل عملية الموت، ولا يجعلها آمنة إلا الخضوع للموت. وفي هذه اللحظة من إعداده، يجب أن يكون المحارب مستعدًا للافتراق عن حياته السابقة في سبيل عملية التحول. ويجب أن يصل المحارب إلى المعرفة مستعدًا تمامًا للموت، ولن يكون التلميذ مستعدًا لفعل كل ما يلزم للتحول إلى محارب إلا إذا صار هذا التحول فعل بقاء.


لا ينبغي التعامل مع مبدأ الخضوع للموت تعاملاً سطحياً، لأنه ليس على الإطلاق ما قد يتصوره الناس العاديون. فالخضوع للموت ليس بالغ الأهمية لعملية التحول فحسب، بل هو ضروري تماماً لتحقيق الحرية. وفي نهاية المطاف، فإن الخضوع للموت ليس سوى نتيجة طبيعية لإتقان العيش على الحافة؛ ولهذا يُسمى غالباً الرقص على الحافة. غير أن الحياة والرقص على الحافة ليسا شيئاً واحداً. فالعيش على الحافة يعني أن المحارب قد بلغ في حياته تلك المرحلة التي يُدفع فيها دفعاً سريعاً إلى المجهول، إما بفضل جهوده الخاصة، أو بحكم ظروف الحياة.


حين يجد المحارب نفسه في المجهول، يكتشف أن سلسلة كاملة من الاختبارات المجهولة تتربص به هناك من كل جانب، وتتطلب معارف جديدة، وأن أي سلوك غير لا عيب فيه يعني annihilation physical أو ذهنياً أو عاطفياً. ومن ناحية أخرى، فإن إتقان الرقص على الحافة يعني القدرة المكتسبة للمحارب على موازنة الخوف من الهلاك بالرصانة؛ وهذه القدرة تتيح له أن يمتطي أي موجة يلقاها وأن ينزلق على قمتها، لأن العجز عن ذلك يعني أيضاً annihilation بشكل أو بآخر.


وبعبارة أخرى، فإن الرقص على الحافة قدرة يكتسبها المحارب نتيجة معاملته للموت كأفضل مستشار له، إذ يدرك المحارب جيداً أن التصرف على نحو مختلف يعني رفض الاعتراف بوجود قناصة الكون الذين قد تجلب ضرباتهم annihilation فورياً.


وهكذا، فإن النظر إلى الموت كأفضل مستشار يتلخص في الاعتراف بأنه ليس للإنسان خيار آخر سوى إتقان رقصة الموت التي تتيح له الرقص على الحافة.
من أعمق عواقب مبدأ العيش على الحافة أن الحياة جديدة أبداً، ومتجددة أبداً. ولهذا فإن المحارب الذي يعيش على الحافة لا تبدو له الحياة جامدة أو مكررة أو مملة قط — بل على العكس، كل لحظة من حياته مفعمة بالدهشة المبجلة والعجائب الآسرة.


ليس من السهل جداً على التلميذ أن يستوعب هذا، لأن معظم التلاميذ يميلون إلى اعتبار كلمة «الحافة» شيئاً أشبه بـ«الطرف الخارجي للحياة»، إن سمح لي القارئ باستخدام هذا التعبير الغريب. ولا يمكنني أن أحاول توضيح ذلك إلا بطريقة واحدة: عن طريق القياس الذي استُخدم لهذا الغرض منذ أزمنة سحيقة. 


وفيها تُقارن الحياة بعجلة هائلة — عجلة الحياة.
إلى جانب الإطار العريض، للعجلة الحياة أنصاف كثيرة تخرج من المحور المركزي. وينبغي إرجاع معظم البشرية إلى إطار هذه العجلة، وأولئك الذين تقدموا أبعد من الناس العاديين — إلى أنصافها؛ بعضهم أقرب إلى الإطار وآخرون إلى المحور. وأولئك القراء الذين زاروا مدن الملاهي يعرفون أن القوة النابذة على الطرف الخارجي للعجلة الدوارة كافية لإصابة الإنسان بالدوار؛ وهي عادةً عظيمة إلى حد أنها تقيّد الإنسان بالمعنى الحرفي للكلمة إلى نقطة واحدة. وبعبارة أخرى، فإن الموقع على إطار عجلة الحياة لا يوقع الإنسان في الحيرة فحسب، بل يثبته في مكانه أيضاً.


غير أنه ينبغي أن يُفهم أن معظم العجلات تدور بفعل تلك القوة الدائرية التي تمنحها إياها المحور، ولهذا فإن ما يسميه التولتيكيون الحافة يعني بشكل حرفي تماماً الطرف الداخلي لمحور العجلة، أي ذلك الطرف الأقرب إلى العمود المدير؛ وهو يقابل في إطار قياسنا هذا مصدر الحياة المتجلية. وهناك، في مركز العجلة، مع التركيز الثابت على العمود المدير، لا تبدو الحياة على الإطلاق داعيةً إلى الدوران بتلك السرعة المذهلة. بل إن الطرف الداخلي للمحور، بالمقارنة مع الإطار الخارجي وحتى مع الأنصاف، يبدو شبه ساكن وهادئ. ومن ناحية أخرى، فإن القوة النابذة بعيداً عن محور العجلة تحدث إحساساً كأن ريحاً عاتية تمنع الإنسان من التنفس؛ والسبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو أن يقابل الإنسان هذه القوة بقوة جاذبة مركزية مناسبة. ويُعبَّر عن ذلك بالقول التالي:


في مركز عجلة الحياة تهب ريح عاتية. وحماية المحارب الوحيدة منها هي نيته الصلبة في بلوغ كمال جوهره والحفاظ عليه. لأن القوة المحركة لهذه العجلة هي روح الإنسان.


وكما تؤكد القولة المذكورة، فإن النية الموجهة إلى بلوغ كمال الجوهر هي التي تتيح للمحارب أن يبتعد عن إطار العجلة باتجاه المحور وأن يبقى في مركز العجلة.


ينبغي أن نتذكر أن اكتمال الجوهر يفترض حالة من الوعي يُدرَك فيها الناغوال والحالم والتونال ككل واحد، أو بعبارة أخرى ذلك المستوى من الوعي الذي تُوصف به أفضل وصف بكلمة «الاتحاد». غير أننا، كما اقتنعنا بالفعل، إن الاتحاد، أو اكتمال الجوهر، يعيدنا مباشرة إلى مبدأ الوعي الجماعي، الذي لا يوجد فيه أيضاً سوى ناغوال واحد، روح الإنسان الواحدة. وبالعودة إلى الفصل الثاني من هذا الكتاب، يمكن أن نتذكر أيضاً أن اكتمال الجوهر يتيح للمحارب أن ينطلق إلى مركز دوران الحلقات الثلاث وأن ينفذ إلى حلقة القوة الثالثة. والمهم للمحارب الحقيقي أن يسعى لا إلى التمام فحسب، بل إلى الحرية أيضاً — ولا يمكن بلوغهما معاً إلا ببلوغ اكتمال الجوهر.
لا يُبلَغ كمال الجوهر بسرعة وسهولة، لكن تجسيد جميع أجزاء التعاليم المعروضة حتى الآن في الممارسة سيمنح القارئ درجة متزايدة من عدم العيب وسيرفع قوته الشخصية، وهاتان الصفتان تقربان المحارب من إمكانية إسقاط الشكل البشري عند الانتقال إلى كمال الجوهر. فما الذي يُسمى بالتحديد الحياة على الحد؟


إن الجِدَّة الأزلية للحياة على الحافة تدفع المحارب إلى العيش في حالة دائمة من الحركة والتغير، أي إلى تعديل إدراكه للحياة وللعالم عموماً بصورة متواصلة. وفي هذا بالضبط يكمن معنى مفهوم سيولة المحارب وحركية نقطة التجميع، ومع ذلك فإن السيولة في ذاتها ليست هدفاً، بل مجرد وسيلة لبلوغ هدف أعظم — اكتمال الجوهر. وكما هو معروف بالفعل من المسلَّمة الثالثة من مسلَّمات التتبع، فإن الإنسان لغز.


ومع أننا ندرك بفضل المسلَّمة الثانية أن واجب الإنسان يتمثل في حل هذا السر، فلا ينبغي أن نأمل في أن يتحقق ذلك يوماً ما. والعواقب المترتبة على ذلك واضحة تماماً، لكنها مذهلة في الوقت نفسه، إذ لا بد من إدراك أن اكتمال الجوهر ليس هدفاً، بل ليس سوى حجر عبور ضروري تبدأ منه رحلة ومغامرة أعظم شأناً لمعرفة الذات.


ولهذا السبب بالذات فإن الرحلة الحقيقية، أي رحلة المحارب النهائية، لا تبدأ من منظور التولتيكيين الحقيقيين إلا بعد الانتقال إلى الانتباه الثالث وبلوغ المحارب اكتمال الجوهر. وحتى هذه اللحظة تتلخص الرحلة في تعلُّم كيف يصبح الكائن البشري إنساناً.


عندئذ، وفقط عندئذ، حين يصبح هذا الكائن إنساناً، يكون قادراً على الانطلاق في رحلة المحارب النهائية، ليدرك ما معنى أن يكون إنساناً على النقيض من كائن بشري. وبعد ذلك فقط يستطيع المحارب أن يصبح تولتيكياً، أي رجل معرفة. وهذه الحقيقة يغفل عنها بسهولة أولئك التلاميذ غير المبالين الذين يميلون غالباً إلى نسيان أن الإنسان الحقيقي هو الكائن البشري الذي طرح عنه الشكل البشري، ولهذا السبب يعتقد هؤلاء التلاميذ خطأً أنهم يستطيعون أن يصبحوا تولتيكيين مع احتفاظهم بالشكل البشري.


والتحول إلى محارب ليس غاية نهائية، وكل من يخطو على طريق المحارب رغبةً في معرفة مقدار الوقت الذي سيحتاجه لبلوغ مثل هذه «الغاية» محكوم عليه بالفشل.


لا يمكن بلوغ حالة المحارب الحقيقية إلا بتعلم الرقص على الحافة بكمال والعيش على هذه الحافة في الوقت نفسه. وعلامة المحارب الحقيقي مستوى معين من الوعي، فضلاً عن القدرة على إدارة هذا الوعي بمهارة لا تُبلَغ إلا بالخبرة العملية المديدة. ولا سبيل آخر إلى معرفة المحارب وقوته الشخصية. أما الوقت الذي يحتاجه الإنسان لبلوغ هذا المستوى من الوعي والإتقان فيتوقف على الإنسان نفسه وحده، لكن التقدم الحقيقي لا يكون ممكناً في أي حال إلا بعد أن يكف التلميذ عن القلق على هدفه المتوهم.


المعرفة الحقيقية تكمن في إدراك المرء ذاته الداخلية.


ثمن المعرفة الحقيقية هو حياة الإنسان إزاء تلك المعرفة التي يسعى إليها. ولا يمكن بلوغها إلا بتكريس حياته كلها لهذا السعي.


هذه الأقوال من بين تلك التي يجب على كل تلميذ أن يستوعبها قبل كل شيء. ومع أن الناغوال يذكّر التلاميذ بإصرار بضرورة تذكر أن المهم ليس الهدف بل الرحلة نفسها، فإن التلاميذ يرتكبون من وقت إلى آخر خطأً قاتلاً ويسعون إلى بلوغ «الهدف»، ويكون نتيجة ذلك خيبة أمل شديدة، لأن الهدف لا يظهر حتى في مجال الرؤية.


ومع ذلك، ويا للمفارقة، فإن التلميذ بعد أن يفارق فكرة كهذه بوقت قصير يبدأ في رؤية هذا الهدف وبلوغه معاً؛ فهو يكتشف أنه ينزلق إلى وعي المحارب الحاضر فقط لأنه لم يعد يسعى إلى هدف محدد ولا يهتم إلا بأن يحيا حياة كاملة.


الشعور بأهمية الذات يؤدي إلى نفاد الصبر. ونفاد الصبر يجعلكم قلقين بشأن بلوغ مستوى المحارب في أسرع وقت ممكن في حالة قلق لا صبر فيه تستمرون في التقدم بجهل على غير هدى في حياتكم اليومية وهذا الجهل يمنعكم من التقاط لحظة الفرصة العابرة فبلوغ التواضع الحقيقي والصبر وحدهما يؤدي إلى ذلك. فالقوة تأتي إليكم من تلقاء نفسها


من الصعب على التلاميذ أن يجسدوا هذا عملياً، لأن التكييف الاجتماعي يجعل العمل الشاق من أجل ما يبدو لا شيء أمراً يكاد يكون مستحيلاً. غير أن التلميذ الملاحظ يدرك عادة بسرعة كافية أن «لا شيء» يعني «ليس شيئاً ما»، أي الناغوال، روح الإنسان. وهكذا لا يمكن القول إن التلميذ يعمل بلا هدف، فهو يوجه جهوده إلى الانتقال إلى وعي المحارب الحاضر، وهذا يعني بالطبع وعي ناغواله الخاص، الذي هو بحكم التعريف ليس شيئاً ما. وهذا اعتبار بالغ الأهمية له نتائج عملية هائلة، ويجدر بنا أن نتحدث بتفصيل أكبر عن بضع نتائج من هذه النتائج على الأقل.


حين لا يكون للتلميذ هدف محدد للعمل، فإنه يتعلم بسرعة كبيرة أن يلاحظ، وبالتالي أن يقدّر، تفاصيل الحياة الصغيرة. ونتيجة لذلك، بدلاً من أن يسعى إلى مستوى المحارب الحقيقي، فإنه يولى اهتماماً دقيقاً لكل خطوة جديدة على الطريق، وبهذا يسرّع حركته تسريعاً لا يمكن تصوره، لأن الجزء الأكبر من حياة الإنسان يُكرَّس لما يميل معظم التلاميذ إلى اعتباره مهام عادية تماماً و مبتذلة، لا تنفصل عن الحياة على المستوى المادي. ومع ذلك، إذا كنتم تريدون بلوغ مستوى المحارب، فمن الضروري تماماً أن تكرسوا حياتكم لبحث من هذا القبيل. وهذا يعني أن كل لحظة من الحياة يجب أن تُعاش كما يعيشها المحارب، وهذا ينطبق أيضاً على اللحظات التي تنظفون فيها أسنانكم، أو تسلقون فيها البطاطس، أو تؤدون فيها واجباتكم في العمل، أو تتسوقون!


إذا كنتم تحاولون أن تصيروا محاربين وتسعون إلى الكمال فقط عند أداء تمارين خاصة كالاستعراض أو الحلم، فمن الواضح أنكم ستقضون معظم حياتكم في الانشغال بأمور عادية تماماً. وما دام التلاميذ يعتبرون بإصرار أن التعلم على طريق المحارب وحياتهم اليومية مجالان مختلفان تماماً، فسيبقى تطورهم بطيئاً ومحدوداً إلى حد بعيد.


لا يمكن المبالغة في أهمية ما قيل. فأكثر أسباب الفشل شيوعاً على طريق المحارب، وأقوى القوى المقيدة التي تدفع التلميذ إلى الوراء، هي الشعور بالانفصال والفهم الخاطئ بأن المرء يحتاج إلى «دروس في بيئة خاصة» كي يتحول إلى محارب. ومن المؤسف أن هناك اليوم كثيراً جداً من النفوس التائهة التي تدافع عن أساطير من هذا القبيل؛ ولا غرابة في أن معظم التلاميذ يتساءلون باستمرار متى سيبدأ الناغوال في نقل المعرفة الحقيقية إليهم ومتى سيكف عن الاهتمام بكيفية تنظيفهم البطاطس أو بلماذا يلعنون من أخذ مكانهم في موقف السيارات عند المتجر الكبير.


غير أن التلميذ في اللحظة التي يبدأ فيها بفهم ترابط كل ما هو حي ويدرك أن الممارسة العملية للتقنيات المختلفة تتيح بلوغ الكمال في تنظيف البطاطس، تكتسب حياته بُعداً جديداً تماماً، وتصبح نقطة التجميع أكثر حركة باستمرار بقدر ما يحاول تغيير إدراكه وشدته.
النتيجة الثانية التي يجب النظر فيها قد تطرقنا إليها سابقاً حين قلنا إن المحارب يعيش في حالة تغير وحركة دائمين، لأن الحياة على الحافة تظل أبداً في مرحلة التولّد.


التغير الدائم لا يسمح بالإحساس بالاطمئنان؛ وميزة ذلك أن التلميذ، بل المحارب بالأحرى، يبقى دائماً يقظاً ومستعداً للفعل. ولأنه لا تنشأ أمامه ولا فرصة واحدة ليصير راضياً عن نفسه، فلا يبقى للتلميذ خيار آخر غير القتال من أجل الصفاء في اللحظة الحاضرة، وإلا فسيغرق في اضطراب متزايد باستمرار من الأحداث المتقلبة.


رغم أنه يُبلَّغ إلى التلاميذ منذ اليوم الأول أن الزمن جوهر الكمال، فإنهم يحتاجون مع ذلك إلى بعض الوقت كي يدركوا أنه لا يحق لأي إنسان أن يدع إدراكه للحياة وللعالم بأسره يتراكم كومة، مثل أوراق غير مرتبة على مكتب العمل. وكثيراً ما يرتكب التلاميذ خطأً حين يظنون أن ما يُدرَك اليوم يمكن تدبره غداً. القوة تكمن في اللحظة الحاضرة، وإذا لم تُقتنص الفرصة العابرة في اللحظة التي نشأت فيها بالضبط، فإن «بعد دقيقة» أو غداً أو الأسبوع القادم سيكون متأخراً جداً.


حتى التلميذ الأشد تفانياً كثيراً ما يقع في فخ الشك في إدراكه، فيؤجل بالتالي أفعاله إلى أن «يفكر في كل شيء جيداً». ومع أن الإقدام على أي فعل على عجل وبلا نظام ليس حكيماً تماماً، فإنه من الصحيح بالقدر نفسه أن السبيل الوحيد للعيش على الحافة والرقص على الحافة هو محاولة ذلك. غير أن المحاولات وحدها لا تكفي إطلاقاً، لأن كلمة «يحاول» تنطوي على حق ارتكاب الأخطاء، أما الحياة على الحافة فتجعل كل خطأ باهظ الثمن جداً. وعندما يستخدم التولتكيون كلمة «يحاول»، فهي تعني محاولات فعل شيء غير مألوف تماماً، كما لو كانت حياة الإنسان كلها تتوقف على ما إذا كان سينجح في تجاوز الاختبار الحاضر.


إننا نتناول هذا الموضوع الآن كي ندرك إدراكاً كاملاً ما تعنيه بالضبط الخطوة إلى المجهول. فحين يضطر التلميذ إلى القتال من أجل الصفاء في اللحظة الحاضرة، فهو يحاول باستمرار، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، أن يحرك نقطة التجميع. وهذه الجهود لا تقدم عوناً لا يُقدَّر بثمن في تربية النية فحسب، بل تساعد التلميذ أيضاً على أن يزداد إدراكاً للمعنى العميق للتعاليم. وإذ يبدأ في فهم أن الفرص الرائعة قد تضيع بسبب إدراك مهمل أو أفعال مؤجلة، فإن هذا التلميذ يبذل كل جهده ليكون في أقصى درجات اليقظة في اللحظة الحاضرة وليتتبع إدراكه في كل ثانية.

الموضوع الثالث الذي لا بد من الحديث عنه ينبع من الموضوعين السابقين.


فبمجرد أن يتعلم التلميذ تتبع إدراكه بشكل متواصل، تبدأ تقنية الاستعراض فجأة تكتسب معنى جديدا تماما. ولأن التلميذ يسعى إلى الرصانة في اللحظة الراهنة وهو يدرك بالفعل كل التفاصيل التي تبدو تافهة في حياته، فإن الاستعراض اللاإرادي يتعزز تعزيزا كبيرا، وإلى جانب ذلك يبدأ التلميذ يدرك مشاعر خفية كثيرة قد تنشأ بفضل كلمة واحدة فقط، أو لحن أغنية قديمة، أو حتى ابتسامة عابرة من شخص آخر. وفي جميع هذه الحالات يدرك التلميذ خطوط التوتر في شبكة الحياة، وسرعان ما يساعده مجرد إدراكه لذلك على الشروع في استعراض تلك الأحداث التي ولدت خطوط التوتر هذه.


إن إدراك خطوط التوتر في شبكة الحياة يعود على التلميذ بالفائدة ليس في الاستعراض فقط، بل في اللافعل أيضا. فحين يدرك التلميذ بوضوح أكبر بكثير مما كان عليه من قبل، يبدأ فيرى في أفعاله المعتادة ما هي عليه في حقيقتها، ونتيجة لذلك يصبح أكثر انفصالا وموضوعية تجاه العالم المحيط. ولا يسهل تعزيز الانفصال تتبع إدراك المرء في اللحظة الراهنة فحسب، بل يجعل أيضا من الممكن تقييم أي فعل، جسمانيا كان أو عاطفيا أو ذهنيا، قبل الإقدام عليه. وبهذا يكتسب مثل هذا التلميذ ما يسميه التولتك السرعة. فبدلا من أن يتجول على غير هدى، وبشكل لاواع، إلى فخ الأفعال المتكررة، يبلغ من السرعة ما يكفي ليدرك في الوقت المناسب تلك النوايا التي تولد أي أفعال، سواء كانت جسمانية أو عاطفية أو ذهنية. وهذه السرعة تجعل ممارسة اللافعل غير عسيرة، ونتيجة لذلك يبدأ التلميذ في وقت قريب جدا يعيش من موقع اللافعل.


من أعظم مزايا هذا النمط من الحياة ما يلي: يصبح التلميذ أكثر انفصالا عن العقل العقلاني. ونتيجة لذلك يذوي الحوار الداخلي، والأهم من ذلك أن التلميذ يبدأ أكثر فأكثر في الإصغاء إلى قلبه. وبمجرد أن يبلغ هذا المستوى، تكتسب الحياة مرة أخرى معنى جديدا تماما: فبالخروج من فخ التفكير الدائم في كل ما حوله، يبدأ التلميذ في الشعور بالعالم وبكل ما حوله، ويأتيه إدراك أن هذا الشعور بالعالم أكثر دقة وسرعة وبهجة بكثير من المقاربة من موقع التفكير.
إن القدرة على الإصغاء إلى القلب لا تعني على الإطلاق أن المحارب يكف تماما عن التفكير، بل الأصح أن يقال إن عقله العقلاني يشغل مكانه اللائق ولا يُستخدم إلا عند الضرورة، فالمحارب لا يسمح له بأن يتدخل في حياته بحوار داخلي لا ينتهي. والعقل العقلاني ليس سوى جزء صغير من العقل الكلي للإنسان، وهو ليس إلا حاسوبا مدمجا في الإنسان.


بطبيعة الحال، إن البرامج التي يستخدمها العقل العقلاني ليست سوى التكييف الاجتماعي، ولهذا فمن الحيوي أن ينقل العقل العقلاني بأسرع ما يمكن إلى الوضع اللائق، لأنه لا يستطيع الإنسان إلا بعد ذلك أن يغير برامج حاسوبه. ولا يمكن إعادة برمجة الحاسوب إلا من خلال إعادة تقييم العالم وحياة المرء، وأفضل طريقة لفعل ذلك هي تعلم الإصغاء إلى القلب.


إن القدرة على الإصغاء إلى القلب هي قدرة مكتسبة، ويتطلب فهمها وتحسينها وقتا، لأن التكييف الاجتماعي لا يعلم أحدا كيف ينبغي أن يشعر، بل يركز الأساس على القدرة على التفكير، أي التفكير العقلاني. وكثيرا ما لا يفهم التلاميذ مبدأ القدرة على الإصغاء إلى القلب على الإطلاق، إذ يميلون إلى الاعتقاد بأنهم قد ألموا بهذا المبدأ بالفعل، من دون أن يحاولوا إدراك معناه الحقيقي من خلال تجربتهم الخاصة.


ينبغي لنا أن ننظر في هذا المبدأ لنحقق فهمه الواضح ونتخلص من تلك التصورات الخاطئة التي نشأت بشأن هذا الموضوع. غير أنه من أجل ذلك يجب أن نبدأ بالمراكز الكهرمغناطيسية السبعة للشرنقة المتوهجة، التي تقع في الجسم الجسدي على امتداد العمود الفقري. وسيكون الحديث عن هذه المراكز موجزا بأقصى قدر ممكن.


قبل كل شيء، ينبغي إدراك أن مفهوم القلب لا يعني العضو الجسدي، بل هو في الواقع أحد المراكز الكهرمغناطيسية السبعة الأساسية المذكورة أدناه. وتتحكم هذه المراكز في مناطق مختلفة من الجهاز العصبي، وفي أعضاء معينة من الجسم أيضا.


في اللحظة الراهنة يهمنا ذلك المركز الذي يقع بين الكتفين، ويقابله في الجسم الجسدي الغدة التوتية، أو التيموس. ولا يتحكم هذا المركز في القلب الجسدي فحسب، بل يؤثر عبر الغدة التوتية في كثير من وظائف الجسم الأخرى التي لا تزال غير معروفة تماما للطب الحديث. ويتوافق تردد اهتزازات هذا المركز مع ذلك المستوى من الوعي الذي يصبح فيه ترابط كل ما هو حي جليا وواضحا، ولهذا يعتبره التولتك مركز الاندماج، أو الوعي الجماعي. ولأن حالمي البشرية متحدون بالوعي الجماعي، فإن مركز القلب هو بالتحديد الوسيلة الأهم للتواصل بين الحالم والمحلوم به.


وبسبب ذلك يقول التولتك إن الحالم يتحدث مع المحلوم به من خلال قلبه (شكل 4). ولهذا فإن القدرة على الإصغاء إلى القلب تعني في الواقع القدرة على الإصغاء إلى الحالم.


المراكز الكهرومغناطيسية السبعة الرئيسية وتجلياتها
المركز — العضو — التجليات

الرأس — الغدة الصنوبرية — النية

الحاجب — الغدة النخامية — العقل / القدرة على التمييز

القلب — الغدة التوتية — الشعور / الاندماج / الانخراط

الحلق — الغدة الدرقية — العقل العقلاني / الفصل / الانفصال

الضفيرة الشمسية — البنكرياس — العواطف

العجز — الغدد التناسلية — انعكاس النية
قاعدة العمود الفقري — الغدة الكظرية — معرفة التنانين / قوة الإنسان


ومن جهة أخرى، يتجلى العقل العقلاني — وينبغي تذكر أنه ليس سوى انعكاس ضعيف للعقل الأصيل — عبر مركز الحلق، الذي تمثله جسديا الغدة الدرقية. وهذا المركز هو المسؤول الرئيسي عن الإحساس بالانفصال، وبالتالي عن حالة الوعي التي تتيح للكائن البشري أن يشعر بأنه شخصية.


ونتيجة لذلك يعتبر التولتك مركز الحلق السبب الرئيسي في الطريقة التي يدرك بها المحلوم، أي التونال الناقص، الحياة والعالم المحيط؛ وبسبب طابعه الفاصل يسمى هذا المركز مركز الفصل.


إن العقل الأصيل، الذي يمثل أحد قطبي وعي الحالم، يعبر عن نفسه بوساطة المركز الثاني في الرأس، الذي يمثل الغدة النخامية تجليه الجسدي. ولأن هذا المركز يقع تقريبًا على مستوى منتصف الجبهة، أطلق عليه أهل الباطنية اسم العين الثالثة، وهو وسيط التعبير الأصيل عن التونال الحقيقي أو الصحيح للإنسان. وهكذا يخدم المركز نفسه في الوقت ذاته مصدرا للقدرة على التمييز، التي تتجلى بطبيعة الحال في الخاصية الفاصلة للعقل العقلاني.


غير أن هذا المركز لا يمكن تحريكه إلا بفضل انفتاح مركز القلب، وهذا ما يفسر لماذا يحتاج المحارب إلى فتح قلبه.


لنعد إلى الحديث عن القلب. لنتذكر أن النية قدرة الحالم؛ وبما أن مركز القلب يمثل أهم وسيلة اتصال بين الحالم والمحلوم، فإن القلب هو في الوقت ذاته المركز الأساسي لتنشيط النية.


ينبغي، مع ذلك، ملاحظة أن النية الخالصة تتجلى في الواقع عبر ذلك المركز في الرأس الذي تقابله الغدة الصنوبرية. ومع ذلك يرى التولتك أن فعل النية، شأنه شأن العقل الأصيل، ينبع من القلب تحديدا، لأن استخدام مركز القلب وحده هو ما يتيح تنشيط الغدة الصنوبرية. وهذا يثبت مرة أخرى مدى أهمية أن يتعلم المحارب الإصغاء إلى قلبه.

بالنظر إلى كل ما سبق، من المفيد جدا للقارئ أن يعرف أن انعكاس النية، الذي أشير إليه في الفصل الثاني، يتجلى عبر المركز العجزي، الذي تمثله جسديا الغدد التناسلية. ولهذا السبب تحديدا اعتقد السحرة ومن يسيرون على طريق المغامرة الكبرى خطأ أن الإرادة، أو القوة الشخصية، تنبع من أسفل البطن.


ولأن القلب هو الوسيلة الأهم للتواصل بين الحالم ومن يُرى في الحلم، ولأن النية تدخل حيز الفعل بوساطة القلب، فليس هناك ما يدعو إلى العجب في أن نقطة التجميع للإنسان ينبغي أن تقع على سطح الشرنقة المتوهجة مقابل مركز القلب. فحين يدرك التلميذ ترابط كل ما هو حي، فإنه يبدأ في جوهر الأمر يعمل على ذلك التردد من الاهتزازات الذي يتوافق مع مركز القلب، وحينئذ يمكن القول إن مثل هذا التلميذ قد بدأ يفتح قلبه. وبانفصاله عن العقل العقلاني وفتحه قلبه، يزيح التلميذ حرفيا محور التركيز، لأنه بدلا من أن يدرك العالم بوساطة مركز الحلق المرتبط بالعقل العقلاني، يشعر به بمركز القلب.


الآن يبدأ التلميذ يدرك وفقا لأهداف حالمه، وهذا بالتحديد هو المعنى الحقيقي لعبارة تعلم أن ترى الواقع في الحلم.


عندما يجد التلميذ صلة بقلبه، يصبح التفكير الأصيل ممكنًا، لأنه بدلًا من الاستدلال العقلاني حول كل ما يحيط به، الذي يؤدي دائمًا إلى دائرة مغلقة من الأفكار، أي الحوار الداخلي، يبدأ التلميذ في إدراك العالم ككل وحياته من منظور الإحساس. يؤدي الإحساس إلى الشعور بأن المرء يعرف شيئًا بكل خلية من كيانه. ولأن التلميذ لم يعد يدرك كل ما حوله من موقع الانفصال، فإن الأحداث والظواهر لم تعد تُنظر إليها بمعزل عن بعضها البعض — بل على العكس، تظهر له خيوطًا متفاعلة تفاعلًا وثيقًا، وبالتالي متبادلة الاعتماد، لحياة واحدة. ولأن التلميذ نفسه جزء من هذه الحياة الواحدة، فهو قادر على الشعور، أو الإحساس، إلى أين ستؤدي هذه الخيوط أو تلك إذا ما تُتبعت. يبدأ في التصرف بغريزة، واثقًا من مشاعره بالقدر نفسه الذي يعتمد فيه الناس العاديون على الإحساس بحرارة النار ويبعدون أيديهم عندما تحترق.


التفكير الأصيل لا يرتبط بالحوار الداخلي ولا يتطلب على الإطلاق وقتًا للاستدلال. تلك الفكرة التي تجعل الإنسان يبعد يده عن اللهب المحرق هي فكرة لحظية حقًا ولا تحتاج إطلاقًا إلى تأملات بطيئة ومجتهدة ومنطقية ومتأنية يولّدها الحوار الداخلي.


هذا هو ما يُقصد به حقًا تعبير «الإصغاء إلى قلبك» — إنه فعل التفكير الأصيل في مقابل التأملات العقلانية التي يثيرها الحوار الداخلي. وبمجرد أن يكتسب المرء هذه المهارة، يصبح قادرًا لا على إعادة برمجة العقل العقلاني فحسب، بل وعلى تمهيد طريقه أيضًا إلى القدرة على إيقاف العالم، أي أن يتعلم محو التاريخ الشخصي محوًا كاملًا.


لكي يتعلم المرء أن يصغي إلى قلبه بوضوح وأن يتخلص من التدخل الدائم للعقل العقلاني، يلزمه الوقت والصبر، وقبل كل شيء العمل الشاق؛ ولهذا السبب تحديدًا يجب أن يكون إخلاص التلميذ لطريق المحارب إخلاصًا لا تشوبه شائبة حقًا. وبشرط التضحية الكاملة بالذات والصبر والاجتهاد والمثابرة، تجرّ خطوةٌ خطوةً أخرى، وكل خطوة جديدة تجلب للتلميذ مكافآتها المناسبة وتقرّبه من الإتقان الحقيقي في هذه المهارة البالغة الأهمية.


إن القدرة على الإصغاء إلى القلب هي الخطوة الأولى نحو القدرة على الرؤية. وفن الرائي الحقيقي يفترض تفعيل المراكز الثلاثة في الرأس ثم استخدامها معاً (وقد تحدثنا حتى الآن عن اثنين منها فقط).


إن الخطوة إلى المجهول ترتبط قبل كل شيء بالمسلمة الرابعة من مسلمات التتبع، المتمركزة في الغرب، في موضع الإحساس. إن الجانب الثالث من قاعدة المتتبع هو تحديدًا ما يؤدي إلى أن على المحارب أن يتعامل مع الموت بوصفه أفضل مستشار له. إن الغرب، حيث تغرب الشمس، ليس معبد الموت فحسب، بل هو أيضًا المكان الذي يتجه إليه المحارب من أجل الوعي الكامل بترابط كل ما هو حي وفهم أن أساس هذا السر هو الغموض اللانهائي لوجود كل الكائنات. نحن نعلم بالفعل أن أي استراتيجية للمحارب تُبنى على نحو يتيح له أن يلامس هذا الغموض، وأن التطبيق العملي لمثل هذه الاستراتيجية يعني خطوة إلى المجهول.


بعد أن يخطو المحارب إلى المجهول، لم يعد بوسعه أن يعيد ذلك — ما لم يكن ينوي، بطبيعة الحال، أن يعود بعد ذلك إلى المعلوم، وهذا، كما أشرنا سابقًا، ليس خطيرًا جدًا فحسب، بل وغير مرغوب فيه للغاية أيضًا، لأنه يعيق التحول الكامل. بالنسبة إلى أولئك المحاربين المخلصين لطريق الحرية، فإن الخطوة إلى المجهول هي طريق بلا عودة. وبعد أن يخطوا هذه الخطوة، لا يعود هؤلاء المحاربون أبدًا إلى حياتهم السابقة؛ إنهم ببساطة يموتون بالنسبة إلى شخصياتهم وأفعالهم السابقة. عندما يطبق المحارب استراتيجية جديدة، فإنه لا يكرر الخطوة إلى المجهول — بل على العكس، تنقله هذه الاستراتيجية الجديدة إلى درب مجهول آخر في منطقة جديدة من المجهول. وهكذا، فإن محاربي الحرية يخطون الخطوة إلى المجهول مرة واحدة فقط في الحياة الحالية، وهذه الخطوة تؤشر إلى طريقهم إلى الحرية ورِهانهم على القوة.


من ناحية أخرى. لا يشعر محاربو الحرية أبدًا بالرغبة في العودة إلى حياتهم السابقة. فبعد أن ذاقوا طعم الحياة على الحد وشهدوا بعضًا فقط من العجائب التي تنشأ في معبد الموت، لن يخطر ببال هؤلاء المحاربين على الإطلاق التفكير في العودة إلى الإطار الضيق والمبلّد الذي يرسمه العقل العقلاني. فبعد أن اختبروا بأنفسهم ما يعنيه أن يكون المرء حرًا في فضاءات المجهول الفسيحة، لا يريد محاربو الحرية إلا شيئًا واحدًا: أن يبقوا أحرارًا، وأن يمكثوا عند تلك التخوم حيث تظل الحياة في حالة نشوء أبدي.


إنهم يحققون ذلك من خلال دراسة رقصة الموت التي تتيح لهم الرقص على الحد؛ وفي هذه الرقصة المتواصلة للبعث، يبتهجون بالقدرات الإبداعية للحالم التي تتدفق إلى المحاربين عبر قلوبهم المفتوحة على مصراعيها نحو الترابط والاعتماد المتبادل والتفاعل بين كل ما هو حي.


لا ينبغي فهم استحالة مغادرة المجهول فهمًا حرفيًا، أي لا ينبغي اعتبار أن المحاربين يبقون إلى الأبد في وعي الجانب الأيسر. فذلك سيكون غير عملي ببساطة، وبالتالي غير مرغوب فيه للغاية. كثيرًا ما يصل التلاميذ إلى هذا الاستنتاج، لأن المجهول بحد ذاته لا يمكن الوصول إليه مباشرة إلا عبر إزاحة نقطة التجميع إلى وعي الجانب الأيسر، ومع ذلك فليس هذا هو المقصود الآن على الإطلاق. ينبغي إدراك أن المرء، حتى في إطار الوعي العادي، يضطر إلى التعامل مع المجهول كلما انخرط في اللافعل أو واجه اختبارًا غير مألوف بعد، لأن في كل هذه الحالات لا يقدر على التنبؤ مسبقًا بنتيجة هذه الأحداث.


لا يمكن للمرء إلا أن يخمّن ما سيحدث في المستقبل، أو أن يقدم افتراضات حول ذلك مستندًا إلى حالات أو أحداث مشابهة في الماضي، ولكن إذا كان هذا الاختبار مختلفًا تمامًا عن كل ما يعرفه الإنسان، فإن نتيجته ستظل مجهولة إلى أن تبدأ في التكشف؛ والأمر نفسه ينطبق على اللافعل.


وهكذا، فالأمر يتعلق بذلك الجديد الذي يصادفه الرائد، وبوضع خريطة لغير المعروف، لا بذلك غير المعروف الذي ينتظر الإنسان في وعي الجانب الأيسر. بالطبع، لا يوجد إلا غير معروف واحد، والفرق يكمن فقط في الوقت الذي يصادفه فيه الإنسان، في الوعي العادي أم في الوعي المتزايد للجانب الأيسر.
باتخاذ الموت مستشارًا وبعد أن تعلموا الرقص على حد الحياة، لم يعد محاربو الحرية قادرين على النظر إلى الحياة كما تعلمها للناس العاديين تكييفاتهم الاجتماعية.


بالنسبة إلى محارب الحرية، لا يمثل الموت شيئًا غامضًا يقبع «في مكان ما هناك»، ولا شيئًا لا يمكن إدراكه إلا في الشيخوخة، بل قوة واقعية وفعّالة تمامًا توجّه كل خطوة له، وكل قرار، وشعور، وإحساس. وإذ يدرك أن الموت قد يدركه في أي لحظة، لا يهدر محارب الحرية لحظة واحدة ولا قطرة واحدة من قوته الشخصية، ويسعى إلى جعل كل لحظة وكل فعل ذي معنى ودقة قدر الإمكان. المحارب مستعد دائمًا للقتال حتى الموت هنا والآن مباشرة، لأن كل فعل له لا تشوبه شائبة تمامًا وهو تعبير عن أعمق ميل لديه. لا يعرف المحاربون الندم — إنهم يشعرون فقط بالحماس والاهتياج اللذيذ.

إن المحارب الحقيقي يعيش دائماً تقريباً في اللحظة الراهنة، وهذا المبدأ مرتبط ارتباطاً مباشراً بالجانب الرابع من قاعدة المتتبع. وبفضل اتباع هذا المبدأ تتحول حياة المحارب كلها تحولاً تاماً. فبدلاً من أن يقلق على المستقبل ويغذي الآمال بشأن ما هو آت، يرضى المحارب رضاً تاماً ويستمتع بأي فعل من أفعاله، كبيراً كان أو صغيراً. والمتعة أيضاً
يمثل أحد تلك المبادئ التي كوّن عنها الناس العاديون تصوراً خاطئاً تماماً، ناجماً عن جهلهم بشأن الكلمات.
إن مفهوم «المتعة» يعني حرفيًا تقريبًا «التورط في الفرح».

غير أنه من السهل جدًا أن ندرك أنه في الواقع من المستحيل تمامًا أن يحصل المرء على المتعة بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة ما دام أسيرًا للعقل العقلاني وعبدًا للتكيّف الاجتماعي. فالإنسان الحر وحده قادر على الحصول على المتعة بكامل معناها، ولهذا السبب تحديدًا يبحث الناس العاديون باستمرار عن أي شكل من أشكال الهروب من الواقع، وهو الشكل الذي يميلون إلى اعتباره نوعًا مناسبًا من التسلية. ومع ذلك، فإن الهروب من الواقع بعيد جدًا عن الحرية، والانغماس في مثل هذا الهروب يختلف بالقدر نفسه عن المتعة الحقيقية.

لا يسعى المحارب الحقيقي إلى الهروب من الواقع بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك يعني أنه لا يحاول التهرب من اختبارات الحياة فحسب، بل يهدر وقته سدى أيضًا، وهذان الفعلان، منفردين ومجتمعين، يدمّران إمكانية الحرية الحقيقية. وبدلًا من ذلك يحاول المحارب استخلاص عطايا القوة من كل موقف في حياته، ولكي يفعل ذلك عليه أن يعيش في اللحظة الراهنة. لا يحاول المحارب الهروب من الحياة، بل على العكس يشارك في هذه العملية مشاركة كاملة تامة، وهي عملية تمثل، كما ذُكر في «صرخة النسر»، تعريف المحبة غير المشروطة. ويترتب على كل ذلك أن المحارب الحقيقي قادر على الحصول على المتعة الكاملة من كل لحظة في حياته، وهو يفعل ذلك، لأن قلبه مفتوح على مصراعيه بحيث تمتد محبته غير المشروطة تمامًا إلى كل ما هو حي. وأعترف بأنني لا أعرف ببساطة كيف أعبر عن ذلك بشكل آخر، لأن هذا أحد تلك المبادئ التي تغور في الجانب الأيسر إلى حد أن التعبير اللفظي عنها يكاد يكون مستحيلًا. ولهذا السبب أرجو من القارئ أن يتأمل بعناية في كل ما قيل أعلاه بشأن الحياة في اللحظة الراهنة والمتعة، وأن يتأمل أيضًا في معنى القول التالي.


في البداية تمامًا يحتاج كل محارب إلى درع المحارب، الذي يتيح له تحمل ضربات سهام رماة الكون. غير أنه حين يدخل المحارب معبد الموت ويحسن الرقص على حافته، لم يعد يحتاج إلى شيء سوى رشاقة الرقص وسرعة الحركات. ومن هذه اللحظة يستخدم المحارب درعه لا للوقاية من رماة الكون، بل كوسيلة يستطيع قلبه بها أن يحتوي الجزء الأكبر من كل ما هو حي. ومع الوقت يصبح هذا التطلع شغفًا — شاملًا متملكًا محيطًا بكل شيء


بمشاركته الكاملة في عملية الحياة، لم يعد المحارب الحقيقي يشعر بالرغبة في التهرب من أي من اختبارات الحياة. فالمحارب يستقبل بالفرح نفسه وبالتواضع الحقيقي نفسه الدموع والضحك، والسعادة والحزن، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والنبات والحشرة، لأنه يعلم في أعماق قلبه ومن خلال تجربته الخاصة أن الجميع متساوون في هذا اللغز الوجودي. غير أنه ينبغي إدراك أن محاربي الحرية، بعد أن تعلموا البقاء أحرارًا، لا يتوقفون عن القتال بعنف ضد كل ما يؤدي إلى العبودية، وضد أي كائن يحاول فرض إرادته على المحاربين أو على سائر إخوتهم. هذه هي فرحة المحارب، وهذا هو شغفه بالحرية. وبهذا الفهم للحرية، تكون حياة المحارب عرضة لتغيرات دائمة وتجديدات، وبالتالي لتجدد أبدي، وكل فعل من أفعاله يأخذه إلى مغامرة جديدة مثيرة في مناطق مجهولة من لغز الوجود.

الفصل السادس

إزاحة التركيز


انتقال التركيز من التثبت إلى الانطلاق هو أعظم إنجاز للمحارب


حتى الآن لم نمسّ مبدأ إزاحة البؤرة إلا مسًّا موجزًا، لكن من الضروري الآن النظر فيه بشيء من التفصيل، لأن القدرة على إزاحة البؤرة من جميع الوجوه تمثل أعظم فنون المحارب. ولكن كما يحدث كثيرًا مع جميع تجليات القوة الحقيقية، فعندما يزيح المحارب البؤرة، تمر عادةً عواقب هذا الفعل ومعناه الكامل دون أن يلاحظها أحد، وإن انكشفت فإنها لا تثير إلا اهتمامًا خفيفًا.


للاقتراب اقترابًا وثيقًا من هذا المبدأ ذي الأهمية القصوى، ينبغي وضعه في سياقه المناسب، لأن هذا المبدأ يتناقض إلى حد كبير مع التكيّف الاجتماعي، وبخاصة مع الطبع الغربي للعقل، بحيث يصبح تجسيد هذا الجانب من التعليمات على أرض الواقع بالنسبة إلى معظم التلاميذ اختبارًا بالغ الصعوبة. وكثيرًا ما يُنتزع هذا المبدأ انتزاعًا تامًا من سياقه، وحين يجد نفسه خارج سياقه، تصبح إزاحة البؤرة شبيهة بحالة يأخذ فيها المرء بيده صورة لباب واحد، ثم يحاول تحديد أي بيت من مئة بيت تنتمي إليه، مع أنه لا يملك صورًا لجميع تلك البيوت وأبوابها. ومن الواضح تمامًا أن مثل هذه المهمة تبدو مستحيلة الإنجاز.


إن السبب الأهم في ميل التلاميذ إلى انتزاع مهارة إزاحة البؤرة من سياقها هو الطبيعة الفاصلة للعقل العقلاني. بعبارة أخرى، ينسى هؤلاء التلاميذ أن جميع جوانب التعليم مترابطة ترابطًا متبادلًا بنسبة مئة في المئة، وأنها تتفاعل، وبالتالي فهي وثيقة الارتباط. وإذا لم يأخذ التلميذ ذلك في الحسبان، فإنه يرتكب الخطأ مرة بعد مرة، محاولًا إزاحة البؤرة فقط حين لا تجدي جميع الوسائل الأخرى. غير أن هذا النهج يؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى اضطراب بحيث يغرق التلميذ في حيرة وفوضى تامتين، ثم يتعجب من أن إزاحة البؤرة لم تساعده على الإطلاق.


إزاحة البؤرة هي أول ما يُعلَّم للتلميذ بطريقة أو بأخرى، لكن هذا المبدأ يتعلق بوعي الجانب الأيسر، ولذلك فإن الناغوال عاجز ببساطة عن الحديث عنه حتى مرحلة متقدمة جدًا من تطور التلميذ. ومع ذلك، إذا كان التلميذ متلهفًا لاتباع طريق المحارب، فإنه يلاحظ منذ البداية أن شيئًا غير عادي يحدث له. ومن الممكن تمامًا أن يعجز التلميذ عن تحديد ما حدث بالضبط، لكن حتى ما تمكن من ملاحظته يكفي تمامًا ليدرك من دون ظل شك أنه لم يعد أمامه خيار سوى دراسة طريق المحارب. وسبب كل هذه الحالات هو أن الناغوال ساعد التلميذ على إزاحة البؤرة بقدر كافٍ ليصل إلى صلة بقلبه. وما إن يحدث ذلك، وبصرف النظر عن مقدار قِصر تلك الصلة، حتى يفقد التلميذ أي شكوك، لأن جميع الناس في أعماق نفوسهم يدركون تمامًا أن القلب لا يكذب أبدًا.


انتقال التركيز لا يمكن إدراكه بالعقل العقلاني، لأنه يمثل فعلًا للقلب، ولا يمكن إدراك عواقب هذا الفعل إلا في سياق طريق له قلب. وانتقال التركيز يعني القدرة على التفكير بالقلب في مقابل التفكير بالعقل العقلاني. ويرتبط انتقال التركيز بالمحتوى العميق لتقنية اللافعل. ورغم أنه لا يلعب دورًا حاسمًا في تقصي إدراك المرء، فإن انتقال التركيز قدرة بالغة الأهمية تتيح بلوغ معرفة التنانين. فالمحارب الذي لا يحسن نقل التركيز نقلًا صحيحًا وبإرادته الخاصة سيظل ضعيفًا وأعزل مثل أي إنسان عادي.


إذا أراد المحارب أن ينتصر — وإن كان يخاطر بأن يُهزم أيضًا — فعليه أن يزيح تركيزه. بتطبيق الجانب الرابع من قاعدة المتعقّب في سياق المسلمات الأولى للتتعقّب


هذه المقولة تمثل صيغة انتقال التركيز، ولذلك ينبغي لنا أن نفهم ما تعنيه. قبل كل شيء، لنتذكر أن البُعد الرابع من قاعدة المتقصي ينص على أنه: حالما يدخل المحارب المعركة، يستسلم كليًا لأفعاله، تاركًا روحه تتدفق بخفة وحرية؛ وعندئذ فقط تقود قوى القدر المحارب، شاقة له الطريق أمامه.


إن الدخول في معركة، حتى لو كانت معركة مع إنسان آخر، لا يعني على الإطلاق أن المحارب يصارع ذلك الإنسان بوصفه شخصًا، بل هو بالأحرى صراع من أجل فك لغز كينونته هو. وهذه الفكرة مهمة جدًا لسببين.


أولًا، مع أيٍّ كان أو مع أي شيء كان يقاتل المحارب، فإن هذا الخصم بالنسبة إلى المحارب نفسه ليس مضطهِدًا، بل مجرد مرآة لسماته الداخلية المجهولة الكامنة فيه.


ثانيًا، بما أن المحارب يعلم من المسلَّمة الثانية من مسلَّمات التتبع أنه لا ينبغي له أبدًا أن يأمل في فك هذا اللغز، فهو غير مهووس بفكرة النصر، ولذلك يستطيع أن يسترخي تمامًا أثناء المعركة. غير أن هذين السببين لا ينبغي أن يُفهما فهما سطحيًا، ولذلك من الضروري النظر فيهما بشيء من التفصيل.


فيما يتعلق بالسبب الأول، ينبغي إدراك أن المحارب عند اختياره معركته لا يختار أبدًا تلك المعارك التي لن يتعلم منها شيئًا، لأن فعلًا كهذا سيكون إهدارًا فارغًا للوقت وللطاقة الشخصية. فالمحارب لا يقاتل إلا في تلك المعارك التي تمنحه فهمًا أعمق لغرابة وجوده الخاص. وهناك فرق هائل بين المعركة الحقيقية وما يُسمى القدرة على التمييز. وهذا المبدأ أيضًا من جملة المبادئ التي كثيرًا ما يستوعبها التلاميذ استيعابًا مشوشًا جدًا؛ ونتيجة لذلك يحوّلون الاختبار الذي يمكن تجاوزه بأبسط تطبيق للقدرة على التمييز إلى شيء أشبه بمعركة، أو بتعبير أدق — بمشاجرة في الظلام. ومن جهة أخرى، قد يتجاهلون معركة حقيقية باعتبارها إزعاجًا تافهًا.


هذه الاعتبارات تعيدنا من جديد إلى مبدأ المرايا، وإلى أن كل المحيطين، وأي حدث في الحياة، وحتى الأشياء الجامدة إن جاز التعبير، تعكس في نفسها بعض جوانب الخصال الداخلية غير المدركة للإنسان نفسه. فمثلًا، إذا كان يحاول أن يحفر ليقتلع حجرًا في حديقته، لكن الحجر لا يتحرك من مكانه، فلا داعي للشك في أن المرء قد اصطدم بانعكاس عناده الخاص، لأنه قد يكون في الحياة لا يقل عنادًا عن صخور جبل طارق. وبالمثل، إذا كان المرء يقود سيارة فبدأ فيها الإشعال يتصرف بعناد مفاجئ، فمن شبه المؤكد أن المرء نفسه في تلك اللحظة في حالة وعي غير منتظمة. وعلى المنوال ذاته، إذا كان قد تلقى للتو توبيخًا من رئيسه، وحين خروجه من المكتب أغلقت تيارات الهواء الباب خلفه بعنف، فعلى المرء أن يأخذ في الحسبان أن دوافعه الخاصة قد تؤدي تمامًا إلى طرده من العمل.


حين يصادف المحارب اختبارًا يعلم علم اليقين، دون ظل من شك، أنه لا يستطيع أن يعلمه شيئًا، فإنه يدرك أن الاختبار نفسه لا يكمن في المعركة، بل في تنمية القدرة على التمييز.


فلنفترض، مثلًا، أن شخصًا يحاول أن يحفر ليقتلع حجرًا في حديقته، لكنه مهما حفر بعمق، ومهما اشتد في الضغط على الرافعة، لا يتحرك الحجر من مكانه. فإن كان هذا الشخص في هذه الحالة واثقًا تمامًا من أنه، وإن كان عنيدًا فعلًا في السابق، فقد حوّل هذا العناد إلى ميزة مئة في المئة، فلا داعي لأن يشك في أن الاختبار التالي الذي انتصب أمامه في هيئة هذا الحجر العصي يتلخص في تنمية القدرة على التمييز. فربما يوجد سبب ما لم يلحظه المرء يدعو إلى عدم إزاحة هذا الحجر عن مكانه. وليس مستبعدًا أن يوجد في حياة المرء شيء ما أيضًا لا يجوز تغييره بأي حال، وأن الحجر يرمز إليه فحسب.


على أي حال، يتلخص كل شيء في القدرة على اتخاذ القرارات استنادًا إلى القدرة على التمييز، وهذا لا يعني ضرورة الدخول في معركة بالمعنى الكامل للكلمة. وهكذا، فإن اقتحام الحجر بكل الوسائل المتاحة سيكون إهدارًا تامًا للوقت وللطاقة الشخصية.


أما أولئك الناس الذين تربطنا بهم الحياة، فإن القدرة على التمييز كثيرًا ما تستلزم ضرورة الاختيار بين التسوية مع النفس من أجل الحفاظ على المرايا السابقة، وبين الخروج من مجال تأثير هؤلاء الناس بشكل أو بآخر. وحين يصادف المرء اختبارًا كهذا، تكون المعركة ممكنة فعلًا، إذ قد يتبين أن تحرير حياته من شخص ما ليس بالأمر الهين. غير أنه ينبغي إدراك أن المعركة، حتى في هذه الحالة، لا تعني القتال ضد مرآة بعينها، بل تتخذ طابع الصراع من أجل القدرة على التمييز بحكمة.


في الواقع، لا يستطيع المرء أن يخوض معركة مع نفسه، وإن كان يضطر أحيانًا إلى الدخول في معارك حقيقية من أجل التجسيد العملي لما يعلم أنه ملزم بفعله. فالمرء لا يستطيع أن يقاتل إلا خصمًا — بصرف النظر عما إذا كان شخصًا آخر، أو حيوانًا، أو شيئًا جامدًا، أو القوة نفسها. بل إن السبب الوحيد المسموح به لبدء معركة مع أي خصم، كما هو معلوم، هو شرط أن تتيح المعركة مع هذا الخصم للمرء أن يعرف عن نفسه شيئًا لم يكن يعرفه من قبل.


وهكذا، فإن علامة ما إذا كان المرء على موعد مع معركة أم أن الأمر مجرد تمرين على تنمية القدرة على التمييز تصبح جوابًا على سؤال بسيط: «ما الذي ينعكس في هذه المرآة؟». فإن كانت مرآة قديمة، فالمرء على موعد مع تنمية القدرة على التمييز. وإن كانت المرآة تعكس السلوك الحالي، فعليه الاستعداد للمعركة. وإن كانت تعكس سلوكًا محتملًا في المستقبل، فهذا مجرد تحذير من معركة قادمة.


إن ضرورة انعدام الهوس بالنصر تمثل موضوعًا آخر يجلب للتلاميذ كثيرًا من الإزعاج الزائد. والسبب الأساسي في ذلك هو التكييف الاجتماعي: فحتى لو خاض التلميذ معركته على نحو كامل ثم مُني بالهزيمة، فإن شعورًا بالإخفاق، أو ما هو أسوأ، بالحرج، بل بالعار من هذا الفشل، يعتريه حتمًا.


غير أن الانغماس على هذا النحو يمثل أسوأ صور الشعور بأهمية الذات، لأنه يكشف عن جهل تام. فليس في الهزيمة ما يدعو إلى العار، إذ حتى الإخفاقات تجلب الخبرة، والخبرة تقود دائمًا إلى المعرفة. وهل المعرفة مما يستوجب الخجل؟ حتى لو خسر المرء معركة بسبب انعدام الكمال، فإن الخبرة المكتسبة تظل تعني معرفة دُفع ثمنها المقابل؛ وعلى أي حال، لا يوجد في ذلك أي سبب للشعور بالحرج أو بالعار.


ولهذا السبب بالذات يؤكد التولتكيون أن الهزائم لا وجود لها على الإطلاق. فأسوأ ما يمكن أن يحدث في أي حالة من حالات ما يسمى الهزيمة يتلخص في أن يشهد شعور المرء بأهميته الشخصية هزة عنيفة — لكن هذا بالتحديد هو ما يعتبره الناغوال عادة بالغ الطرافة؛ فسيبادر إلى التصفيق بدلًا من البكاء! ونتيجة لذلك، فإن أولئك التلاميذ الذين يحاولون بعد الإخفاقات انتزاع الشفقة من الناغوال ينسحبون عادة من عنده ساخطين، إذ لا يفلحون في استخلاص أي شيء من معلمهم سوى الضحك العالي.


من اللائق تمامًا أن نبتعد قليلًا عن الموضوع الأساسي لنشير إلى ما يمكن أن يثير في المحارب عارًا حقيقيًا. فالمحارب يحق له أن يشعر بالعار فقط إذا كان يتساهل عمدًا وقصدًا مع سلوك يعلم جيدًا أنه غير كامل. غير أن بين ملايين الأفعال غير الكاملة توجد قلة من الأفعال التي يعتبرها محاربو الحرية من المحرمات التي لا تُنتهك:

   أولًا، إساءة استعمال القوة، 

   ثانيًا، إهمال الاعتماد المتبادل بين كل ما هو حي لأغراض أنانية، و 

    ثالثًا، الإساءة إلى الأم العليا بإهمال التعاون العاقل.


يعتبر محاربو الحرية هذه الذنوب الثلاثة الكبرى مناقضة للحرية نفسها تمامًا، وأي محارب يخالف هذه الوصايا في أي مرحلة من حياته سيجد نفسه سريعًا أمام نصلة سيف محارب حقيقي؛ وإلى جانب ذلك، يُطرد أمثال هؤلاء المجرمين عادة من الأخوة. علاوة على ذلك، إذا كان لهذا المحارب إمكانية الاتصال الذهني، فإنه يُقطع بالطبع؛ فيصبح منبوذًا، وتكون عواقب ذلك قاسية، بعبارة ملطفة.


لنعد إلى الموضوع قيد البحث. إن العواقب العميقة للسبب الثاني هي التي ستكون مركز اهتمامنا عند الحديث عن القسم الحالي من التعاليم. فبعد التخلص من هوس الانتصار، يستطيع المحارب أن ي surrender نفسه كليا للمعركة الجارية.
ينبغي أولا الحديث عن المعنى الحقيقي لكلمة «التحرر». فهي تعني عادة غياب التحكم الصارم، وهذا التعريف يكاد يوافق تصورات التولتك. غير أنه من المهم ملاحظة أن التحرر من وجهة نظر التولتك لا يعني أن الإنسان يصبح مهملا ومتهورا أو يفقد السيطرة على نفسه بمعنى أنه يصبح عاجزا. على العكس من ذلك، فإن تحكم المحارب دائما لا تشوبه شائبة. ولهذا السبب من الضروري الحديث بمزيد من التفصيل عما يعنيه تحرر المحارب.


يقصد التولتك بهذا المفهوم أن المحارب يغوص كليا في المعركة الجارية. وهذا الغوص لا يمكن أن يعني الانغماس الكامل ولا الهوس ولا التمسك القهري. فالغوص كليا في المعركة الجارية مع البقاء في الوقت نفسه يقظا، لا يعرف الخوف، مليئا بالاحترام وواثقا من نفسه تماما — كل ذلك يتطلب من المحارب أن ينتقل كليا إلى تلك الحالة من الوعي التي يكون فيها في اتحاد مع كل ما يحيط به. وهذه الحالة من الوعي لا يمكن بلوغها في إطار الوعي العادي الذي يتسم دائما بإدراك منفصل للذات وللعالم المحيط. وهكذا، فإن حالة الوعي التي تهمنا تنتمي إلى الجانب الأيسر.


كثيرًا ما يغفل التلاميذ غير المنتبهين عن أن الوعي العادي يتوقف عند الانتقال إلى إدراك الجانب الأيسر، وأن المحارب يصبح مؤقتًا «غير طبيعي» من كل الأوجه.


مع أن القدرة على الانتقال إلى إدراك الجانب الأيسر بمحض الإرادة تمنح مزايا هائلة، فإن هذا النوع من الإدراك لا يعين كثيرًا عند الحاجة إلى التعامل مع المسائل العملية للحياة على المستوى المادي، وهو بلا شك غير عملي تمامًا أثناء المعركة. ونتيجة لذلك، ومع أن المحارب الحقيقي يستطيع بمحض رغبته أن ينتقل إلى إدراك الجانب الأيسر وأن يغادره، فإنه يفضل أن يتصرف أولًا وقبل كل شيء على مستوى الوعي العادي — للسبب البسيط وهو أن المحارب كائن عملي قبل كل شيء.


لا ينتقل المحارب إلى إدراك الجانب الأيسر إلا حين يكون عليه أن يقوم بفعل الحلم أو أن يدخل المعركة. فماذا يحدث إذا انتقل المحارب إلى إدراك الجانب الأيسر قبل بدء المعركة؟ إن خوض القتال نفسه نشاط عملي للغاية، وهو يختلف اختلافًا كبيرًا عن ممارسة الحلم الشخصية المحضة.


من المهم أن نتذكر أن إدراك الجانب الأيسر يتصل بما لا يُعرف، وأن ما لا يُعرف هو ذلك اللاتناهي الذي يخاطر فيه الإنسان بأن «يذهب بعيدًا أكثر من اللازم»، أي أن يصبح عاجزًا عند مواجهة اختبارات غريبة تمامًا وغير معروفة. وفي هذا تكمن فائدة ما لا يُعرف وخطره، وبالتالي فائدة إدراك الجانب الأيسر وخطره. وبعبارة أخرى، فإن القفز بلا تفكير إلى ما لا يُعرف هو، على أقل تقدير، حماقة محض؛ ولما كان تحكم المحارب في كل لحظة لا تشوبه شائبة، فلن يخطر له قط أن يتصرف على هذا النحو.


لهذا السبب، يسهل فهم أنه عندما ينتقل المحارب إلى وعي الجانب الأيسر قبل بدء المعركة، فإنه هو نفسه يختار إلى أي منطقة من المجهول ينقل وعيه، لأنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يجد نفسه في مكان يكتشف فيه سريعا أنه، إذا جاز التعبير، «ذهب أبعد مما ينبغي».


بالنسبة لمحارب مدرب تدريبا جيدا وذو خبرة، توجد في المجهول أعداد هائلة من تلك المناطق التي يعرفها معرفة جيدة. ومع ذلك، عند الحاجة إلى خوض المعركة، يفضل جميع المحاربين الحقيقيين وضعا خاصا واحدا لنقطة التجميع. يسمى هذا الوضع الخاص مكان بلا رحمة، والسبب في أن المحاربين يفضلون هذا الموقف بالتحديد هو تلك الخصائص التي تجعله الأنسب لخوض المعركة.


مكان بلا رحمة ليس على الإطلاق ما يمكن افتراضه انطلاقا من اسمه، وإن كان هذا المفهوم في معنى ما يناسب بشدة هذه الضبطية الخاصة للإدراك. والسبب الرئيسي في أن المحاربين يحبون استخدام هذا الوضع عند خوض المعارك هو أن الشعور بالشمولية في مكان بلا رحمة يصبح قويا وحادا إلى حد يجعل الإنسان يغوص كليا في الترابط والتآثر والتشابك بين كل الكائنات الحية. علاوة على ذلك، وبما أن هذه الضبطية تنتمي إلى أعماق الجانب الأيسر، فإنها تتسم بغياب كامل للتفكير؛ ونتيجة لذلك، بدلا من الإدراك الخطي والمتسلسل للأحداث، يخيل إليك أن كل شيء يحدث في الوقت نفسه — على نحو يجعل من المستحيل الجزم بمكان الماضي أو الحاضر أو المستقبل.


من منظور الوعي العادي تبدو هذه المبدأ دائمًا حالة من الفوضى الكاملة؛ وأسهل ما أشرحه به هو الاستعانة بمماثلة قديمة ي compar فيها مكان بلا رحمة بشكل خاص من الفراغ. وقد شبّه التولتكيون مكان بلا رحمة بالفراغ، لأن فيه خاصية غريبة هي العزلة الظاهرية للحدث الذي يركز عليه المحارب، وهو مع ذلك لا يدرك شيئًا سوى أدق التفاصيل الخاصة بالحدث قيد النظر. وبفضل غياب التفكير، يمتلك مكان بلا رحمة خاصية الصمت التام الذي يفقد فيه مفهوم الزمن معناه. ونتيجة لذلك يجد الإنسان نفسه معلقًا في فراغ الصمت واللازمنية، حيث لا يبقى شيء سوى تفاصيل المعركة الجارية.


بما أنه لا يوجد في هذه الحالة إدراك للزمن بالمعنى الخطي، فإن المحارب يدرك كل ما حوله حصرًا بفئة الترابط؛ وهكذا يبدأ الإحساس بالزمن يتحدد بمحض سرعة إدراك المحارب. وبعبارة أخرى، إذا استوعب المحارب بسرعة ترابط كل ما حوله، بدا له أن كل شيء يحدث بسرعة؛ أما إذا كان إدراكه بطيئًا، بدا كل شيء ممتدًا في الزمن. وتكمن ميزة هذا التغير الغريب في الإحساس بالزمن في أن المحارب يستطيع بمحض إرادته أن يختار السرعة التي ستتطور بها الأحداث. 


على سبيل المثال، إذا شن الخصم هجوما جسديا على المحارب، فقد يفضل المحارب النظر إلى حركات الخصم بسرعة بطيئة وبذلك يكسب وقتا كافيا لتوجيه ضربة مضادة. ويمكن استخدام التكتيك نفسه لتقييم الأفعال الذهنية والعاطفية للخصم. غير أنه من الضروري إدراك أن كل هذه القواعد تنطبق فقط على مكان بلا رحمة، والذي ينبغي التذكر أنه يمثل حالة خاصة من الوعي؛ وهذا يعني أنه من وجهة نظر من يراقب أفعال المحارب طوال المعركة، ستتطور جميع الأحداث في الزمن على نحو عادي تماما.


من المزايا الهائلة التي يجلبها الانتقال إلى مكان بلا رحمة أنه، رغم توقف الوعي العادي في الجانب الأيسر، يتعرض المحارب مع ذلك لاهتزازات شمولية قوية إلى حد أنه يكاد يبلغ مستوى رصانة عاليًا بشكل لا يصدق، وإن كانت هذه النغمة الخاصة تختلف اختلافًا بالغًا عن الرصانة الحقيقية. فحين يتعرض المحارب، بالمعنى الحرفي للكلمة، للتأثير المباشر لإحساس ترابط كل ما هو حي، وهو في الوقت نفسه خالٍ من العقل العقلاني، فإنه لا يدرك ذاته كشيء مختلف عن كل ما يحيط به. ويصبح واحدًا مع كل ما حوله، بما في ذلك خصمه، ونتيجة لذلك يشعر بكل حركة من حركات المنافس وكأنها حركته هو. وهذا يعني أنه إذا كان الخصم في تلك اللحظة في مستوى الوعي العادي، فإن المحارب سيندمج مع أفكاره ومشاعره وعواطفه.
وتكمن فائدة كل هذا في أن المحارب لا يلاحظ شيئا لا يتعلق بالمعركة الجارية. وهو غير عرضة لأي أفكار أو عواطف، أي أنه ببساطة يتدفق مع حركات الخصم فقط بهدف التغلب عليه.


المحارب الذي يخوض معركته من مكان بلا رحمة يصبح كائنا بلا رحمة على الإطلاق، ومع ذلك، فهو إذ يفقد الأفكار والعواطف، لا يستجيب أبدا لما يحدث بالغضب أو الكراهية أو التعطش للانتقام أو النفور أو أي أشكال أخرى من العواطف أو النوايا السيئة الناجمة عن التحيز أو التفكير الخاطئ. ولهذا السبب بالتحديد يُشدد على أن مكان بلا رحمة، رغم أنه بلا رحمة تماما، ليس على الإطلاق كما قد يتصوره الإنسان بحكم تكييفه الاجتماعي.


هذا هو معنى انعتاق المحارب. فحين يجد نفسه في مكان بلا رحمة، وقد خلا من كل الأفكار والمشاعر، وهو في الوقت نفسه في اتحاد تام مع كل ما هو منخرط في المعركة الجارية، لا يشعر المحارب بحاجة أو نزوع إلى التحكم في كل ما حوله، لأن إحساس الاتحاد نفسه يكفيه.


غير أن المحارب، وإن كان يعيش إحساس البقاء في الفراغ، فإن الإحساس الأعمق بالشمولية الخاص بمكان بلا رحمة يبقيه على صلة وثيقة لا بأدق تفاصيل هذا الفراغ فحسب، بل وبالتبعات الأوسع لمعركته الجارية خارج حدود الفراغ أيضًا. وبعبارة أخرى، رغم أن المحارب يغرق كليًا في المعركة الجارية ويصبح واحدًا معها، فإنه يظل يقظًا بالمعنى الأعمق لهذه الكلمة.


المعنى الحقيقي لمفهوم «التحرر» يكمن في غياب الشعور بالحاجة إلى التحكم في كل شيء؛ وللكلمات «يترك روحه تتدفق بخفة وحرية» المعنى نفسه — أي أن يتحرر من ضرورة التحكم ويتخلص من عبء الأفكار والعواطف، أي ألا يثقل نفسه بتأثيرها. علاوة على ذلك، بفضل الشعور العميق بالشمولية، يكون المحارب على صلة وثيقة بمصيره، وبالتالي بمهمة حالمه، لأن المحارب في هذا المستوى من الوعي يدرك كل ما حوله من منظور التطور التدريجي لمصيره. ونتيجة لذلك، يدرك المحارب ويعيش معركته، شاء أم أبى، فقط من حيث ما ستتيح له بالضبط أن يحققه فيما يتعلق بمصيره الخاص. وبغض النظر عن نتيجة القتال، فإن المحارب ينهيه دائما بعد أن يعرف الكثير الجديد عن نفسه وعن مصيره. وهذا يعني أنه يحقق النصر في معركته الحقيقية، لأنه حل شفرة جزء جديد من سر وجوده الخاص — حتى لو كان من وجهة نظر القتال نفسه قد يخسر، أي ألا يتغلب على خصمه. وفي هذا بالضبط يكمن معنى الكلمات «المحارب قادر على الانتصار رغم الهزيمة في المعركة».


وبما أن المحارب في هذا الوضع على صلة وثيقة بمقصد حالمه، فإن القوة التي توجّه المحارب في معركته هي في الحقيقة قوة المقصد، لأنه حين يعمل المحارب من مكان بلا رحمة لا تنشأ لديه أي أفكار أو مشاعر معيقة.
جرى الحديث عن مكان بلا رحمة في معظمه من منظور الأفعال الجسدية، غير أن المحاربين الحقيقيين نادرا جدا ما يضطرون إلى القتال في معارك جسدية.


قُدم مثال مكان بلا رحمة من منظور جسدي فقط لأن فهم طبيعته ومبادئ استخدامه أسهل في هذه الحالة. وفي معظم الحالات يضطر المحارب إلى خوض معارك غير جسدية، ولكنه يستخدم فيها مكان بلا رحمة بالضبط كما في القتالات الجسدية. والفرق الوحيد هو أنه عند استخدام مكان بلا رحمة في معركة غير جسدية، يجب على المحارب أن يبقى فيه إلى أن يكشف جميع أفعال الخصم المقبلة ونواياه. وبالطبع، يستطيع المحارب أن ينتقل من جديد إلى مكان بلا رحمة متى دعت الحاجة إلى ذلك، وإن كانت بضع ثوان فقط من البقاء في هذا المكان تكفي عادة لتبيان كل ما يلزم، لأن الزمن لا وجود له في مكان بلا رحمة.


ليس ثمة ضرورة ملحة لأن يبقى المحارب في مكان بلا رحمة عند خوض معارك غير مادية، لأن البقاء في هذا المكان ينطوي على عيب خطير واحد. وينشأ هذا العيب لأن الجانب الأيسر عموماً، ومكان بلا رحمة على وجه الخصوص، يستبعدان الإدراك الخطي للزمن، وبالتالي يعوقان إلى حد لا يُصدق منطق تسلسل الأحداث اللازم للكلام المترابط. ونتيجة لذلك، فإن مكان بلا رحمة لا يشجع على التعبير اللفظي. وبطبيعة الحال، هذا العيب ليس مهماً جداً في القتال في معركة مادية، لكنه قد يتحول في حالات المعارك غير المادية إلى مشكلة حقيقية — لا سيما حين يضطر المحارب إلى البقاء في مكان بلا رحمة مدة طويلة إلى حد ما.


وفي محاولة للتغلب على هذا النقص، اكتشف التولتكيون بمرور الوقت أنه يمكن الانتقال إلى مكان بلا رحمة بمستويات مختلفة من الشدة. وهكذا يستطيع المحارب المتمرس إما أن يتماهى تماهياً كاملاً مع التهيئة التي تميز مكان بلا رحمة، وإما أن «يلمس» هذه التهيئة بسهولة بالغة فقط. وبطبيعة الحال، فإن الإمكانات الموصوفة تمثل طرفين متطرفين، وبينهما طيف كامل من الأشكال المتنوعة للتفاعل المتاحة للمحارب. وإذا «لمس» المحارب مكان بلا رحمة لمساً خفيفاً فقط، أمكنه الاستفادة من خصائص هذه التهيئة مع احتفاظه في الوقت نفسه بمعظم وعيه العادي، وعندئذ لن يتعرض كلامه للاختلال — مع أن المحارب، بطبيعة الحال، لن يتمكن من الاستفادة استفادة كاملة من ميزة غياب التفكير والعواطف.


من ناحية أخرى، إذا انتقل المحارب انتقالاً كاملاً إلى هذه التهيئة، فستختل قدراته الكلامية مؤقتاً؛ وهذا لا يعني أنه سيفقد القدرة على الكلام كلياً، بل إنه لن يتمكن إلا من التعبير بأوامر أو تقريرات موجزة. وعند محاولات إجراء أحاديث، يصبح كلام المحارب الذي غاص في الجانب الأيسر شبه مفكك، لأن الجانب الأيسر، كما سبقت الإشارة، خالٍ من المنطق والتسلسل اللذين يولدهما الإدراك الخطي للزمن. ويمكن أن نضيف أن صوت المحارب نفسه يتغير تغيراً صارخاً في هذه الحالة: فهو عادة يصبح منخفضاً وحاداً، أما عند الانتقال الكامل إلى مكان بلا رحمة فيبدو مستوياً وخالياً من الانفعال.

لا بد من الإشارة إلى أنه يوجد في الواقع موضعان لمكان بلا رحمة: ذاك الذي تحدثنا عنه آنفاً والذي ينتمي إلى الجانب الأيسر، وآخر يقع في مجال الوعي العادي. أما أنا شخصياً فأفضّل أن أسمّي التهيئة الثانية مكان القسوة. والمحارب الحقيقي لن يغوص أبداً في هذه التهيئة، لأنها تجسّد بالضبط ما يعكسه الاسم الذي استخدمته، أي القسوة. ولكونها النقيض التام لقرينتها، فإن المكان الثاني لا يستبعد التفكير والعواطف على الإطلاق، بل على العكس لا يمكن بلوغه إلا في ظل غياب تام للاحترام تجاه الحياة أو بمساعدة انفعالات قوية كالكراهية أو التعطش للانتقام أو النوايا السيئة الناجمة عن الرغبة في إحداث المعاناة في كائن آخر.

لا أرغب على الإطلاق في الحديث بتفصيل أكبر عن مكان القسوة، لأنه من وجهة نظر محاربي الحرية يُعدّ التهيؤ المتعمد لهذا المكان أكثر الأفعال احتقاراً، إذ يعكس سعياً متعمداً إلى إحداث المعاناة في الآخرين. ولا أذكر هذا المكان إلا لكي يستطيع القارئ أن يدرك بوضوح الفرق الهائل بين مكان بلا رحمة ومكان القسوة.

سيهتم القارئ بمعرفة أن عدداً هائلاً من الناس العاديين وجدوا أنفسهم مرة واحدة على الأقل في حياتهم، من دون إرادة منهم، في مكان بلا رحمة. ويحدث هذا كثيراً إلى حد ما: فالحوادث المفاجئة والرهيبة تدفع الإنسان إلى إزاحة نقطة تجميعه لاشعورياً إلى مكان بلا رحمة، ونتيجة لذلك يبدأ هذا الإنسان في التصرف بسرعة آسرة ويصبح عادة بطلاً.

غير أنه عندما تُطرح عليه لاحقاً أي أسئلة، فإنه يتصرف بخجل إلى حد ما ويعترف بأنه في الواقع لا يفهم على الإطلاق ما حدث؛ وقد يذكر أنه بدأ فجأة يدرك كل ما حوله بوتيرة مبطأة وبدأ يتصرف من دون أي أفكار أو مشاعر.
بالنسبة لمن لا يزال غير قادر على الرؤية، فإن القدرة على الانتقال إلى مكان بلا رحمة تمثل بديلاً لا بأس به لهذه القدرة، مع أنها لا يمكن أن تكون في الحقيقة بديلاً كاملاً عن الرؤية.

بعد أن نظرنا في العواقب المترتبة على الجانب الرابع من قاعدة القتفاء، علينا أن نتحدث عن تطبيقه على سياق المسلمة الأولى من مسلمات الاقتفاء. ومن واجبي أن أنبّه القارئ إلى أن براعة المقتفي البارع تكمن في قدرته على تطبيق أي جانب من قاعدة القتفاء على سياق كل واحدة من مسلمات الاقتفاء الأربع. وتجليات كل جانب من قاعدة القتفاء تولّد عواقب مختلفة تتوقف على السياق الذي طُبّق فيه هذا الجانب.

لنبتعد قليلًا عن الموضوع لنتعرف على ما يسمى بعناصر المصير المشترك الخمسة. وتُسمى هذه العناصر تقليديًا الأرض والنار والماء والهواء والروح؛ وبفضل الأدب الباطني وأدب الخيال العلمي الحديث، من المعروف على نطاق واسع أن ما يسمى بالسحرة يصنعون المعجزات بالتلاعب بأحد العناصر أو بمزيج منها. هذه حكايات خرافية ولّدت كثيرًا من الخرافات.

العناصر الأساسية الأربعة ليست سوى انعكاسات رمزية للصفات الأربع للمحارب، أي شيء أشبه بالتدوين المختزل الذي يتحول بالنسبة للمحارب المتمرس إلى مجلدات كاملة من المعرفة، إذا كان التلميذ قد اجتاز التدريب اللازم وتعرف على مضمون هذه الرموز. فالهواء يرمز إلى الرصانة، والأرض إلى الثبات، والماء إلى الحنان، والنار إلى الإحساس، والروح إلى النية الخالصة (الشكل 5).

تتطلب معظم الأفعال عنصراً واحداً فقط، لكن بعض الأفعال ترتبط بمزائج منها. فمثلاً، لا يُشترط للقدرة على التمييز إلا الهواء. ومن ناحية أخرى، عندما يستعد الرياضي للسباق فإنه يحتاج إلى الأرض والروح معاً. وبالمثل، إذا كان المحارب يعتزم شفاء شخص آخر، فقد يحتاج، تبعاً لطبيعة المرض، إلى مزائج مختلفة من الهواء والماء والروح، وأحياناً إلى مزيج من العناصر الخمسة جميعها.

العناصر الخمسة للقوة الواحدة والسمات الأربع للمحارب
العنصر / السمة / الجهة

الهواء / الرصانة / الشرق

الأرض / الثبات / الشمال

النار / الإحساس / الغرب

الماء / الدفء القلبي / الجنوب

الروح / النية / تتخلل كل شيء

للعناصر الخمسة أربع خصائص مختلفة مرتبطة بالأبعاد الأساسية الأربعة لـ م إ ب ز (المادة، الطاقة، المكان، الزمن) التي جرى الحديث عنها في «صرخة النسر»؛ وتُفسَّر هذه الخصائص الأربع بالمبادئ الأربعة للتلصص (شكل 6). فمثلًا، في إطار الزمن تكون للرصانة خاصية مختلفة تمامًا عما لها في بُعد الطاقة. وهكذا، مع أن العناصر خمسة فقط، فإن كلًا منها قادر على اكتساب خصائص خاصة تبعًا للبُعد الذي يتجلى فيه، أي تبعًا للمبدأ الذي يعمل في إطاره من مبادئ التلصص.

وينطبق الشيء نفسه على الجوانب السبعة من قاعدة القتفاء، لأن هذه الجوانب لا تؤدي إلا دور التفاصيل الضرورية التي تتيح الكشف عن العواقب العميقة للصفات الأربع للمحارب.

بعبارة أخرى، تنطبق قاعدة القتفاء على أي من الصفات الأربع للمحارب، وفي كل حالة من هذه الحالات تكشف الجوانب السبعة من قاعدة القتفاء سبع خصائص مختلفة للصفة المقابلة. وفي نهاية المطاف لا توجد إلا قاعدة واحدة لها سبعة أوجه.

يستحيل في مجلد واحد أن نستعرض كل الدقائق التي تتسم بها مسلمات الاقتفاء الأربع وقاعدة القتفاء. ولهذا فإنني لا أذكر إلا بإيجاز تلك التفاصيل التي تسبب في الوقت الحاضر إما ارتباكاً مفرطاً، وإما قد تجذب انتباهاً مفرطاً وتصبح نتيجة لذلك سبباً لنمو الخرافات بسبب نقص المعرفة اللازمة لدى البشرية.
لنعد إلى الموضوع الأساسي.

ترتبط المسلمة الأولى من مسلمات الاقتفاء بالرصانة في سياق قياس الزمن. «إذا أراد المحارب أن ينتصر — مع أنه قد يخاطر بأن يُهزم هو نفسه — فعليه أن يزيح بؤرته، بتطبيق الجانب الرابع من قاعدة القتفاء في سياق المسلمة الأولى من مسلمات الاقتفاء». إذن، ينبغي تطبيق الجانب الرابع من قاعدة القتفاء في سياق تلك الخاصية من الرصانة التي تتجلى في إطار الزمن.

لنرَ ماذا يعني ذلك.

تعني الرصانة في سياق الزمن ذلك المستوى من الرصانة الذي يُرى فيه كل ما يجري في تسلسله المنطقي، أي في تطوره الخطي في أثناء جريان الزمن. بعبارة أخرى، يقع في حياة الإنسان حدث ما يولّد سلسلة من الدوائر المتشعبة، وكل دائرة من هذه الدوائر بدورها تستدعي ظهور دوائر متشعبة جديدة.

ينبغي تذكر ضرورة أخذ سلسلة الأحداث كاملة التي تؤدي إلى لحظة المعركة الراهنة في الحسبان، حتى في أثناء المعركة، وكذلك حقيقة أن نتائج القتال قد بدأت تولّد سلسلة أحداث جديدة. فكل معركة يجب أن تستند إلى تفكير رصين، لا أن تكون استجابة فوضوية قائمة على عواطف منفلتة أو تفكير اندفاعي.

يقودنا هذا إلى ذلك المبدأ الذي يسميه التولتكيون ضبط النفس، مع أنهم يضعون في هذا المفهوم معنى مختلفًا تمامًا عن معنى الناس العاديين، إذ لا يقصدون إطلاقًا أن المحارب المتسامح يتحول بالضرورة إلى «خرقة بلا إرادة».

على العكس من ذلك، يتطلب ضبط النفس مستوى كبيرًا من الصبر الحقيقي والثبات؛ ولا شيء ينمي النية أسرع وأكثر فعالية من تربية ضبط النفس.

وفي هذا يكمن المعنى الذي يضعه التولتكيون في هذه الكلمة: فالتسامح هو تجلٍّ للثبات، يروّض فيه المحارب صبره إلى مستوى يصبح فيه شبيهًا بقوس مشدود بإحكام، وهو قوس يمثل السهولة ذاتها، لكنه في الوقت نفسه يحمل توترًا داخليًا قاتلًا.

لا يعد المحارب صبرا على الإطلاق ما يسميه الناس العاديون بهذه الكلمة، لأن ما يسمى الصبر بالمعنى العادي ليس سوى خضوع خامل لضرورة الانتظار تُفرض عليه إما من شخص آخر وإما من ظروف الحياة. أما صبر المحارب، من جهة أخرى، فليس انتظارا خاملا خاضعا، بل ترقب واع ومقصود للحظة المناسبة — وهو فعل يقوم به المحارب بإرادته ولا تفرضه عليه ظروف خارجية.

إن سبب ضرورة أن يربي المحارب الصبر هو أهداف التتبع، لا لأهداف ضحيته فحسب، بل لأهداف إدراكه هو للظروف الراهنة. فبتنمية الصبر، يحصل المحارب على إمكانية التقييم الكامل والدقيق للوضع الراهن، بل وقبل كل شيء يكتسب تجردا كافيا لذلك، في ذروة الأفعال والقتال. وهذا المبدأ بالغ الأهمية، ولا ينبغي للتلميذ ولا للقارئ أن يتعامل معه تعاملا سطحيًا.

وفي هذا الصدد، يُنصح القارئ بأن يستعيد في ذاكرته مجددا ذلك المثال من «عودة المحاربين» الذي تحدث عن جندي يحاول إنقاذ حياته أثناء عبوره حقل ألغام، لأن كل الدروس التي عُرضت عند مناقشة هذا المثال لها صلة مباشرة بالموضوع الراهن.

إذ لا يسيطر عليه هوس مرتبط بالنصر أو الهزيمة في معركته، يدخل المحارب المعركة دون العنفوان الذي يتصف به الإنسان العادي الذي لا رغبة له سوى
— أن ينتصر بأسرع ما يمكن. فالمحارب الذي يربي الصبر لا حاجة به إلى العجلة، لأن الزمن لا قيمة له عنده على امتداد المعركة.

بدلا من ذلك، يتذوق المحارب كل لحظة من القتال، وفي هذا التقييم الكامل لكل جزء من الثانية يدرك من التفاصيل، وكذلك من عواقبها، قدرا يجعل كل لحظة أبدية بالنسبة له — أبدية فيها طعم ما هو خارج الزمن، مع أن المحارب يتصرف في سياق الزمن. ونتيجة لذلك، هو يتبع ببساطة كل فعل وكل نية لخصمه في ذلك الأداء الذي يشبه، على نحو مفارق، لا المعركة بقدر ما يشبه حركات راقصين مصقولتين يؤديان رقصة ثنائية تحمل في طياتها كل سمات التعاون العقلاني.

في نهاية المطاف، لا يدخل المحارب المعركة بدافع تعطشه للانتقام أو رغبته في تدمير الخصم، بل فقط لأنه يريد أن يحصل من منافسه على عطايا القوة التي يقدر أن يمنحها له. وفي هذا يكمن المعنى العميق للقولين التاليين.

المتلصص على معرفة قريبة بعالمه. مع أنه يبقى منفصلًا عنه.

المتلصص لا يستنزف عالمه — بل يأخذ منه فقط ما يحتاجه حقًا.

بتنمية الصبر، وبالتالي بعدم الشعور برغبة في إنهاء المعركة بأسرع ما يمكن، يستخدم المحارب صبره لتربية النية التي لا غنى عنها بالطبع للحصول من المعركة على هدايا القوة التي يحتاجها. وبفضل تلك العوامل الكابحة التي يفرضها المحارب عمدا على أفعاله وهو يحافظ على الصبر، تبدأ نيته في ازدياد القوة وتؤدي في النتيجة إلى حركة نقطة تجميعه وإزاحتها.

وهذا بدوره يمنحه ضبطا للإدراك يتيح للمحارب أن يدرك بوضوح تام لا الأحداث التي تظهر في أثناء المعركة فحسب، بل أيضا هدايا القوة الحقيقية التي تحملها إليه. فبدلا من أن يتشبث بأفكار النصر أو الهزيمة، يستطيع المحارب أن يتصرف بتحرر وأن يدع قوى القدر توجه أفعاله. وفي هذا يكمن المعنى الحقيقي لإزاحة التركيز.

بفضل ذلك التجرد الذي راكمه المحارب أثناء تنمية الصبر، تكتسب أفعاله «خفة» لا يمكن بلوغها إلا في غياب الشدة. غير أنه، بما أن النية تزداد قوة باطراد على امتداد المعركة، تصبح أفعاله أكثر فتكا على نحو متزايد — لا بفضل النية فحسب، بل أيضا لأن الوضوح الذي يسعى إليه في كل ثانية يرفع دقة كل فعل من أفعاله.

عند استخدام الجانب الرابع من قاعدة المتتبع في سياق المسلمة الأولى، يلزم فقط أن نلمس برفق مكانا بلا رحمة. وكما لوحظ سابقا، فإن التماهي الكامل مع مكان بلا رحمة يوقف الزمن، غير أن هذا العنصر ضروري تماما لكي تسير المعركة على النحو اللائق. ومن المهم لا أن نتعلم الانتقال إلى مكان بلا رحمة فحسب، بل أيضا أن نتعلم إدارة التفاعل معه.

الصبر قابل للتطبيق لا في المعركة فحسب، فكثيرا ما يُستخدم عمليا قبل الدخول في القتال. غير أنه، سواء استُخدم قبل المعركة أو في أثناءها، فإن تنمية الصبر تؤدي دائما إلى النتيجة ذاتها. والميزة الأساسية لتربية الصبر قبل المعركة هي أنه يتيح للمحارب أن يطور استراتيجيته للقتال المرتقب بسرعة وفعالية أكبر. وهذا يصح بوجه خاص في الحالات التي يتعامل فيها الإنسان مع طاغية صغير.

إن المحارب الذي يربي الصبر بتطبيق الجانب الرابع من قاعدة المتتبع في سياق المسلمة الأولى من مسلمات التتبع يُنهي المعركة دائما وقد بلغ هدفه، أي أنه يحصل من خصمه على هدية القوة التي كان ينوي الظفر بها قبل كل شيء. فمثل هذا المحارب ببساطة لا يمكن أن يُمنى بالهزيمة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإن كان قد يبدو للمراقب الخارجي أن المحارب خسر المعركة.

يسهل ملاحظة ذلك في مثال شون وويليس: فمع أن شون مُني بالهزيمة في المعركة مع ويليس لأول وهلة، فإن هدية القوة التي استحوذ عليها شون في النهاية، أي تلك المعرفة عن نفسه، وخصوصا الثقة بالنفس واحترام الذات اللذين استعادهما، لا يمكن قياسها بمقاييس المنفعة المادية. لم يكن شون يستطيع الحصول على هدية القوة هذه بأي مال؛ ولم يكن ليتمكن من بلوغها لو لم يدخل تلك المعركة التي يجب أن يشكر ويليس عليها من كل قلبه.

الفصل السابع
تمشيط الظلال

بالنسبة إلى المحارب المتمرس، تصبح الظلال صلة بين المعلوم والمجهول — أشبه بأبواب يمكن للمرء بفضلها أن يرى المجهول وهو باقٍ في إطار المعلوم.

ننتقل إلى مناقشة الجانب الخامس من قاعدة المتلصص. علينا أن نتعرف على واحد من تلك المبادئ الغريبة والغامضة في طريق المحارب، وهي مبادئ قلّ جدًا أن يفهمها فهمًا صحيحًا أولئك الذين لا يسلكون طريق الحرية. يسمي السحرة هذا المبدأ التأمل الحاد في الظلال، ويستخدمون هذه التقنية للانتقال إلى حالات إدراك مغايرة. أما محاربو الحرية فيستخدمون هذه الطريقة على نحو مختلف بعض الشيء ويسمونها تمشيط الظلال.

مثل أي إنسان عادي، يواجه المحارب في حياته ظروفا يُضطر فيها إلى التصدي لقوى متفوقة عليه تفوقا كبيرا؛ ويبدو لأول وهلة أن المحارب ببساطة لا يستطيع التقدم وأنه وجد نفسه حرفيا بين نارين. غير أن كل هذه الأوضاع ليست سوى نتيجة وهم، وهذا الوهم يؤدي حتما إلى أن يجد المحارب نفسه محصورا في إطار نظرة معينة إلى العالم. قد يبدو هذا غريبا، لأن القارئ سيتذكر أن المحارب ليس لديه نظرة جامدة إلى العالم، فكيف يمكن أن يقع في فخ أي رؤية للعالم؟

ومع ذلك لا ينبغي أن ننسى أيضا أنه، مع أن المحارب حقا ليس لديه نظرة جامدة إلى العالم، فإن المحيطين به غالبا ما يكونون غارقين تماما في رؤاهم الخاصة إلى العالم، ولذلك يضطر المحارب عند تفاعله مع هؤلاء الناس إلى مراعاة نظرات إخوانه إلى العالم رغمًا عنه.
مع أن المحارب حر في اختياره أي نظرة إلى العالم تلائم استراتيجيته، توجد معارك تتطلب من المحارب أن يستخدم الرؤية ذاتها إلى العالم التي يستخدمها خصمه.

غير أن لأي نظرة إلى العالم حدودها التي قد تعيق أفعال المحارب حتى، إذ في الحالات التي يتعين عليه فيها أن يتصرف ضمن إطار هذه النظرة إلى العالم فقط، يكون المحارب بالطبع ملزما بتقييد أفعاله بالأطر التي يفرضها ذلك المفهوم للعالم. وهكذا، رغم أن المحارب يدرك إدراكا تاما أنه يتعامل مع الوهم الملازم لأي نظرة إلى العالم، فإن هذه التصورات الوهمية ليس من السهل والبسيط دائما تجاوزها مع البقاء في الوقت نفسه في سياق ذلك المفهوم للعالم الذي تنتمي إليه.

لتوضيح ما سبق، لنعد مرة أخرى إلى مثال شون وأخيه ويليس. فحين يدخل شون في معركة مع ويليس، لا يكون أمامه خيار سوى الأخذ في الاعتبار نظرة ويليس إلى العالم. فشون ببساطة لا يستطيع أن يبدأ معركته دون أن يواجه أخاه ضمن إطار نظرة ويليس إلى العالم.

وهذا يعني أن على شون أن يتواصل مع ويليس في أرضه وأن يكيف أفعاله الظاهرة مع متطلبات نظرة أخيه إلى العالم. فأي نهج آخر لن يؤدي إلا إلى أن يشعر ويليس بتهديد من جانب شون أكثر حدة، ونتيجة لذلك يصبح أكثر توترا وريبة وعدوانية وعداء مما كان عليه من قبل. ومن الواضح أنه إذا أراد شون أن «يكسب» معركته مع أخيه، فإنه يلزمه تماما أن يتعقب ويليس في ظروف التعاون. وفي الواقع، لا يستطيع شون تحقيق ذلك إلا بطريقة واحدة: أن يجعل ويليس يعتقد أنه تغلب على شون، وبعد ذلك يتعين على شون أن يؤدي دوره وفقا للمعايير التي تحددها نظرة ويليس إلى العالم.

رغم أن المحارب لا يملك نظرة جامدة إلى العالم، فإنه عند دخوله المعركة قد يجد نفسه مع ذلك، إلى حين، محبوسا في إطار ضيق لنظرة غيره إلى العالم. وبالنسبة إلى المحارب المتمرس، لن يكون مثل هذا الفخ سوى إزعاج مؤقت، غير أنه لا ينبغي تجنبه دائما. وهكذا يدخل المحارب أحيانا بمحض إرادته، وبوعي، في مثل هذا الفخ إذا كان هذا الفعل يخدم استراتيجيته، وعلى وجه الخصوص في الحالات التي تنص فيها استراتيجيته على ضرورة إيهام الخصم بإحساس زائف بالأمان. غير أن المحارب إذا وجد نفسه في مثل هذا الفخ على حين غرة، فسيلجأ فورا إلى التطبيق العملي للجانب الخامس من قاعدة المتعقب، الذي ينص على ما يلي: عند مواجهة خصم غير متكافئ، ينفتح المحارب على العالم المحيط ويترك عقله ينشغل بأمور الحياة الصغيرة.

إن تجسيد الجانب الخامس من قاعدة المتعقب في الممارسة العملية يتبين عادة أنه حيلة تكتيكية خادعة تماما، لأن الخصم يغدو لديه دائما انطباع بأنه قد تغلب على المحارب بالدهاء. وبمجرد أن «يسقط المحارب في الفخ»، فإنه يقدم فورا على ما هو أكثر مفاجأة من وجهة نظر الخصم: يتوقف عن كل مقاومة. ومن البديهي أن هذا مجرد وهم، لأن المحارب في الواقع يوقف المعركة مؤقتا فحسب ليتيح لنفسه الفرصة لتقييم الظروف المستجدة تقييما دقيقا. وبعبارة أخرى، بانصرافه إلى حين عن الاصطدام المباشر، يعيد المحارب تقييم الموقف وتكتيكه معا ليحقق تفوقا على الخصم. ونتيجة لذلك فهو لا يتكبد الهزيمة إطلاقا، بل، بانحرافه عن الصراع، إنما يجمع قواه لينتقل من جديد، على حين غرة، وفي أي لحظة، إلى الهجوم بزاد أعظم من الثبات والقوة مما كان عليه من قبل.

حين يتراجع المحارب مؤقتا نتيجة اصطدامه وجها لوجه بقوى متفوقة للخصم، فإنه يستخدم قدرته على التمييز للانفصال عن الموقف. وبانفصاله عن الموقف لا يضعف المحارب سيطرته بأي حال، بل على العكس يقويها. وهكذا، وفق تعريف التولتك، فإن هذا «التراجع» لا يعني الفرار إطلاقا، بل على العكس، يفهم بمعناه الحرفي التام، أي كخطوة إلى الوراء وهجوم جديد باستخدام تكتيك مختلف. قد يبدو أن المحارب تنازل عن مواقعه وألقى سيفه، لكنه في الحقيقة يستعد فقط لاتخاذ أفعال أخرى جديدة.
وهذا ينقلنا بطبيعة الحال إلى النظر بعمق أكبر في مفاهيم الفعل ورد الفعل والاستجابة. فهي في قاموس المحارب ليست مترادفات، لأن كل كلمة تحمل في طياتها معنى خاصا، رغم أن مضامينها تتفاعل بعضها مع بعض تفاعلا وثيقا.

الفعل هو استجابة المحارب لمصير حالمه. أما الفعل المقابل فهو الوسيلة الأساسية التي يقيد بها الإنسان العادي نفسه بحماقة أقرانه.

يفترض الفعل تطبيق شيء جديد وأصيل، سواء كان مستوى جديدا من الإدراك، أو أحاسيس ومشاعر وطريقة تفكير جديدة، أو طريقة جديدة في الكلام والأكل وإدارة الأعمال والتواصل مع المحيطين. والفعل يعني القدرة على العيش في اللحظة الراهنة، وبالتالي الرقص على الحد.

وهكذا، فإن الفعل ممكن فقط عندما ينفصل المرء عن نظرته الجامدة إلى العالم. وهذا يرجع إلى الاستيقاظ في الحلم وإحكام السيطرة على مضمون هذا الحلم. فالمحارب الذي حقق السيطرة على مضمون حلمه يحصل في الوقت نفسه على السلطة على حياته؛ وهذا بدوره يعني أنه متحد اتحادا لا تشوبه شائبة مع قدر حالمه.

يستجيب المحارب استجابة لا تشوبها شائبة لمصير حالمه، فيقدم على أفعال في المستوى المادي باستمرار؛ ولما كانت أفعاله كلها جديدة دائماً، فإن كل فعل منها ينقله إلى مجالات جديدة من الخبرة، وكل خبرة جديدة تولد أبعاداً جديدة للقوة.

من ناحية أخرى، فإن الفعل المقابل، كما سبق توضيحه في الفصل الثاني، ليس سوى تكرار للحماقة الذاتية، أي شيء لا يعد، من وجهة نظر المحارب، مضيعة للوقت والقوة الشخصية فحسب، بل يمثل أيضاً الطريق الأكيد لاستمرار الارتباط الصارم بحماقة الآخرين. وهكذا، إذا قام المحارب أثناء المعركة بانسحاب مؤقت، فإنه لا يخضع للموقف، بل يقدم على فعل يقوده إلى معارف جديدة.

لاستيعاب أهمية هذا المبدأ استيعابا كاملا تاما، لا بد من إدراك أنه كلما اصطدم إنسان عادي بما يبدو له قوى متفوقة، فإنه إما يحاول ببعض الطرق تجنب الظروف المستجدة، أو يستسلم ببساطة لرحمة الخصم. وبعبارة أخرى، يفترض الإنسان العادي خطأ أن القوى المتفوقة تعني بمعنى ما هزيمته الكاملة، ولذلك يجب أن يخضع لإرادة الخصم، بصرف النظر عما إذا كان خصمه إنسانا آخر أو سلسلة من ظروف الحياة. غير أن تكرار الخطأ نفسه يعني تكرار تجلي الغباء الذاتي.

إذ يدرك المحارب أن الاصطدام بقوى غير متكافئة ليس سوى اختبار يتيح استكشاف المجهول، فإنه لا يستسلم للهزيمة، حتى إذا بدا من الخارج أنه خسر المعركة بالفعل. ونتيجة لذلك، يستخدم المحارب الفرصة التي تنشأ عن هزيمته المزعومة لإعادة تقييم الظروف الراهنة تقييما كاملا من منظور ما يسمى تمشيط الظلال.

إن تمشيط الظلال فعل يمثل في ذاته تمريناً على ضبط النفس، وفي هذا الصدد وُصف معناه بوضوح في الفصل السابق. ولما كانت تقنية تمشيط الظلال تنشأ بفضل تجلي ضبط النفس، فإن الفهم الصحيح لهذا المبدأ يقتضي إدراكاً تاماً لما يعنيه هذا التعبير الغامض بالضبط، ولهذا السبب علينا أن نناقش معنى مفهوم «الظل».

أولئك الإخوة الذين يسلكون طريق المغامرة العظمى يتلقون كلمة «الظل» على معناها الحرفي ويستخدمون تقنية التأمل الحاد للعمل مباشرة مع خصائص غريبة إلى حد بعيد للظلال الفيزيائية. والتبرير العقلي لتقنية التأمل الحاد في الظلال يقوم على حقيقة أن الظلال الفيزيائية تنشأ نتيجة وجود أشياء تعوق التدفقات الطبيعية وانتشار الضوء. وقد نظر التولتيك في الماضي إلى هذه الظاهرة من منظور المقاومة.

وبعبارة أخرى، يلقي الشيء ظلاً لأن سطحه يعكس أشعة الضوء الساقطة عليه أو يمتصها أو يمررها جزئياً. غير أنه بصرف النظر عما إذا كان الضوء قد انعكس أو امتُص أو مُرر جزئياً، أي استُقبل بمقاومة، فإن الواقع الثابت هو أن الضوء لا يستطيع أن يمر عبر الشيء وأن هذا الشيء يعوق الانتشار الحر للضوء، وهو ما يعتبره التولتيك مقاومة.

يعتبر التولتيك كل ما هو موجود تعبيراً عن الحياة، وتحتاج جميع أشكال الحياة، بدرجة أو بأخرى، إلى الخصائص المحيية للضوء الفيزيائي، ضوء الشمس. ومنذ المراحل المبكرة من سعيهم إلى المعرفة، أولى التولتيك الراؤون اهتماماً جدياً لسبب انعكاس أشكال الحياة الفيزيائية للضوء أو امتصاصها له أو مقاومتها له جزئياً. وباستخدامهم قدرتهم على رؤية عملية الحياة، أدرك التولتيك سريعاً أن الظاهرة التي تسمى المقاومة لا تسببها كثافة الأشياء بقدر ما تسببها حالة وعيها الملازم لجميع مستويات الوجود، بما في ذلك حتى تلك المستويات التي تعد، من وجهة نظر علمية، غير مادية؛ فحالة الوعي هي التي تولد الكثافة وتكوين الحزم.

بعد هذا الاكتشاف لم يحتج التولتك إلى وقت طويل ليدركوا أن للظلال في الواقع خصائص معينة ترتبط ارتباطا مباشرا بالوعي. وبعبارة أخرى، بما أن المقاومة تعبير عن حالة وعي ما، فقد تكون لها مستويات مختلفة من الشدة، ودرجات شدة المقاومة هذه تحدد جودة الظل الفردي.

وهكذا، رغم أن كل الظلال تبدو متطابقة تماما للبصر العادي، فإن الرائي المتمرس قادر على كشف الفروق في خصائص الظلال. وقد قادت هذه السمة التولتك إلى ممارسة التأمل الحاد للظلال، لأن الظلال في نهاية المطاف ليست مجرد ظلال. فمع التفسير الصحيح للرؤى الداخلية الماهرة، يكشف الظل معلومات غنية عن حالة الوعي السائدة في الشيء الذي يلقي هذا الظل، بصرف النظر عما إذا كان هذا الشيء إنسانا أو حيوانا أو نباتا أو حجرا.

بتطبيق تقنية التأمل الحاد في الظلال، يستطيع الساحر أن يحرك نقطة تجميعه ويزيحها مستخدمًا خصائص الظلال كدليل. غير أن هذه التقنية تقوم بالكامل على التماهي — وهو ما يتجنبه محاربو الحرية تجنبهم للطاعون، لأن التماهي لا يؤدي تقريبًا أبدًا إلى الحرية. ومع ذلك، سأضطر الآن إلى شرح هذه التقنية — لا لأن التماهي يُوصى به لتلاميذ طريق الحرية، بل لسبب وحيد هو أنه دون معرفة تقنية التأمل الحاد في الظلال لن يتسنى فهم تمشيط الظلال.  

عند ممارسة التأمل الحاد في الظلال، يختار الممارس أي ظل، ثم «ينفتح» على الصفة الاهتزازية لهذا الظل. وتتطلب ضرورة الانفتاح على شيء ما صمتاً داخلياً تاماً، وهذا بالطبع لا يتأتى إلا في غياب الحوار الداخلي الذي يؤدي، كما ينبغي أن يُذكر، دور الدرع الذي يعزل الإنسان عن العالم الخارجي. وعندما تتحقق هذه الحالة من الصمت الداخلي، أي عندما يتخلص الإنسان من الدرع الفاصل، يصبح من السهل عليه الانتقال إلى حالة التماهي التام مع ما يركز عليه.

إذا ركز الإنسان، مثلاً، على ظل شجرة ما، فسرعان ما يبدأ بالتماهي مع الصفة الملازمة لهذا الظل. والتماهي المطوّل مع هذه الصفة يجبر نقطة التجميع عاجلاً أم آجلاً على الحركة أو الإزاحة، لأن ذلك ضروري للتناغم التام مع الصفة المقابلة. وسيكون هذا التناغم حالة إدراكية مغيّرة تتيح للإنسان أن يستشعر ذلك الجزء من وعي الشجرة الذي يولد مقاومتها.

سيلفت القارئ دون شك انتباهه الشديد إلى ما قيل بشأن الضبط على وعي الشجرة. ولنلاحظ أن هذا الضبط يقوم كليًا على التماهي الذي يفتقر إلى الموضوعية، لأن كل تماهٍ يخلو من الرصانة، ومن ثم فهو النقيض التام للانفصال. فالإنسان لا يضبط نفسه على الوعي الكامل بالشجرة، بل على ذلك الجزء منه فحسب الذي يولّد المقاومة.

لنتذكر أن نقاط الإنسان العشر تتداخل وتتصل باثنين وعشرين جانبًا من جوانب الوعي تُسمى الأحجار الكريمة. غير أنه بالإضافة إلى هذه الأحجار الكريمة الاثنين والعشرين، التي تسمى أحجار النور الكريمة أو ببساطة الأحجار الكريمة المضيئة، توجد أيضًا أحد عشر حجرًا كريمًا داكنًا، سُمّيت كذلك لأن جميعها يعكس النور ويمتصه ويمرره جزئيًا.

مع أن ليست كل الأحجار الكريمة الداكنة تتمتع بخاصية المقاومة، فإن ما يهمنا هو ذلك الحجر الذي يُسمى بهذا الاسم: المقاومة، لأن هذا الحجر الكريم الداكن يمثل في معنى ما تجسيدًا للمقاومة ذاتها.

يكاد يكون من المستحيل توضيح ماهية الجواهر الداكنة قبل التعرف على الجواهر المضيئة وفهمها فهمًا كاملًا. ولهذا السبب سيكون كافيًا القول إن الجواهر الداكنة هي خصائص ملازمة للوعي، ولذلك لا ينبغي خلطها بمبادئ مثل الشر أو ما يمكن تسميته قوى الظلام.

الجواهر الداكنة جزء واسع من المجهول، لكنها تمثل ظلالًا خادعة ومراوغة من المجهول إلى حد أن يبدو وكأنها تقاوم أن يبتلعها نور المعروف. وهكذا، يُقصد بالجواهر الداكنة ما يتعلق بالجانب المظلم من الوعي، وإن كان الجانب المظلم من الوعي لا علاقة له بما يسمى قوى الظلام.

في هذا الصدد سيكون من المفيد الابتعاد قليلًا عن الموضوع الأساسي للحديث عما يعتبره كثير من الناس شرًا وإبليس والشيطان. من وجهة نظر التولتكيين، تفتقر مثل هذه المفاهيم إلى المعنى تمامًا، لأن التولتكيين يعرفون جيدًا أن كل شيء في الكون المتجلي له مقصد معين. ولما كانت جميع المقاصد تبلغ تحقيقها حتمًا في شكل تطور الوعي، فلا يمكن اعتبار أي منها شرًا. ومع ذلك، كما ورد بشكل بديع في المثل القديم، «الشيطان يكمن في كل ما هو غير مفهوم».

السبب الوحيد الذي يجعل الإنسان الجاهل ينظر إلى أفعال الآخرين على أنها شر خالص أو يعدّها مصدرًا للشيطان أو للشيطان نفسه، هو أن جميع الأفعال التي تبدو سيئة تعود حتمًا إلى الاستخدام الخاطئ لأحد الأحجار الكريمة الداكنة الأحد عشر. فإذا لم يفهم المرء ما هي هذه الأحجار الكريمة في حقيقتها، فهو ببساطة غير قادر على التعامل معها بإتقان، وعواقب التعامل غير المتقن معها تتجلى دائمًا بصورة مدمّرة أو شيطانية. ولأن الناس العاديين يفضّلون بحكم العادة الانغماس في تبادل الاتهامات بدلًا من تحمّل المسؤولية عن أفعالهم، يصبح الشيطان أو إبليس بالنسبة لهم كبش فداء مريحًا للغاية؛ ونتيجة لذلك يبادر الناس بسرور كبير إلى إلقاء اللوم في كل شيء على الشياطين أو على الشيطان. والحقيقة أن كائنات مثل الشيطان غير موجودة ببساطة، لأن إبليس في نهاية المطاف ليس سوى تجسيد لغياب الإتقان عند الإنسان، وهو غياب سببه الجهل بجانبه المظلم الخاص.

غير أن أكثر ما يتسم به المفهوم العام للشيطان من سخرية هو أن الناس العاديين لا ينظرون إلى أفعال أقربائهم على الإطلاق باعتبارها انعكاسات مرآوية لسلوكهم هم. ونتيجة لذلك، فجزء كبير منهم منغمس تمامًا في كشف أتباع الشيطان بين المحيطين به؛ وهؤلاء الناس لا يدركون أن تلك السمات التي يرونها في الآخرين سيئة أو شريرة ليست في الحقيقة سوى انعكاسات لسلوكهم هم أنفسهم في الماضي والحاضر أو في مستقبل ممكن محتمل. ومع ذلك، ومن خلال انغماسه بكل شغف في لعبة الاتهامات المتبادلة وإدانته السريعة لأقربائه كأناس أشرار، يحاول الإنسان العادي منذ الأزل أن يفصل نفسه عن أولئك الذين يعتبرهم أشرارًا، وهو في هذه العملية يضع باستمرار خططًا لهلاك الشيطان وأنصاره وانهيارهم وتدميرهم.

تكمن السخرية الحقيقية في أن كلمة «شيطان» تعني حرفيًا «مؤامرة» أو «مكائد ضد أحدهم». وهكذا، فإن الشيطانيين الحقيقيين هم تلك النفوس الضالة التي انفصلت عن العالم الخارجي إلى حد يجعلها بشعورها الزائف بالقداسة لا تكف عن التلهف لمعاقبة أي إنسان لا تتوافق آراؤه مع آرائها. ويمكن تشبيه هذا الوضع السخيف بإطلاق النار على قدم المرء نفسه، لأن أولئك الذين يؤمنون بإبليس أو بالشيطان هم بالضبط أكثر الشيطانيين حماسة!

تثير هذه الاستدلالات دائمًا سؤالًا: «هل يعني كل هذا أن الشر غير موجود على الإطلاق؟» الإجابة بسيطة جدًا، لكن من الصعب في الوقت نفسه التعبير عنها بكلمات قليلة. سيكون كافيًا القول إن الشر الحقيقي الوحيد في العالم هو خطيئة الانفصال، ولذلك ينبغي اعتبار أي فعل أو رد فعل يقوم على الجهل بترابط كل ما هو حي شرًا محتملًا. انتبه إلى أنني وصفت هذا الشر بأنه «محتمل»، لأن ليس كل تجليات الانفصال تؤول بالضرورة إلى شر. فالقدرة على التمييز لا شك أنها مرتبطة أيضًا بالانفصال، ومع ذلك لولا هذه القدرة لما استطاع الوعي أن يتطور ببساطة.

إن الدافع إلى البحث عن الاختلافات وحده هو ما يجعل تطبيق القدرة على التمييز «صالحًا» أو «سيئًا». وبعبارة أخرى، إذا كان الإنسان يمارس هذه القدرة لتحقيق الوضوح في مسألة ما، فإن هذا الفعل «حسن»؛ أما إذا كان يميز بين الناس تحيزًا على أساس انتمائهم العرقي أو لون بشرتهم أو ثقافتهم أو معتقدهم الديني وغير ذلك من سمات مشابهة، فإنه يفعل ذلك فقط لأنه يسعى إلى الانفصال، وهذا التمييز يمكن أن يُسمى بحق «سيئًا».

ثمة سؤال آخر يُطرح كثيرًا ويتعلق بمن تسميه الكنيسة المسيحية لوسيفر، الملاك الساقط. ومع أن هذا السؤال مشروع تمامًا في المرحلة الحالية من عرض التعاليم، فمن المستحيل تقريبًا تقديم إجابة مُرضية عنه إذا لم يكن السائل يمتلك معرفة عميقة بعلم الكونيات، وإلا أصبح هذا السؤال أشبه بطلب يُوجَّه إلى عالم رياضيات بأن يتحدث عن حساب التفاضل، مع أن من يطلب ذلك لم يتعرف بعد على أساسيات الجبر.

وهكذا، يمكنني في أفضل الأحوال أن أحاول أن أشرح أن لوسيفر ليس مخلوقًا بعينه، بل هو بالأحرى وعي جماعي لجماعة كاملة من الكائنات القديمة التي تنتمي إلى الفرع غير العضوي من الحياة. علاوة على ذلك، لا ينبغي لتلميذ طريق المحارب أن يقع في الخطأ ويؤمن بأن لوسيفر هو تجسيد للشر. ومع أن ذلك صحيح بمعنى ما، فإن التولتكيين أنفسهم لا يعتبرون لوسيفر شيئًا أسوأ من الإمكانات غير المتطورة لأي إنسان. وقد واجهنا من جديد أن «الشيطان يكمن في كل ما هو غير مفهوم».

إن اسم «لوسيفر» يعني «حامل النور»، ومن الصعب ربط معناه بالشر. في اللحظة الراهنة لا أستطيع ببساطة أن أقول أي شيء أكثر، وفي الختام سأورد فقط قولًا واحدًا — فمن لديهم أعين سيستطيعون استخلاص إشارة أو إشارتين منه إلى الطبيعة الحقيقية للوسيفر ومقصده.

في بداية نشوء هذه المنظومة الشمسية تجسّد روح أطل واتخذ الشكل المادي لجميع شظايا الشمس. وشظايا الشمس تمثل اختبارًا لا يمكن تجاوزه، متبقية من المنظومة الشمسية السابقة؛ وهي في طبيعتها شكل من الإشعاع، قادر كامنًا إما على الانفجار بوهج يبهر الأبصار، وإما على الانكماش إلى ظلام مطلق. وهذه الشظايا الشمسية بالذات، التي نفذت إلى شرنقة الأرض المضيئة، هي التي تمنح جميع أشكال الحياة على هذا الكوكب نزوعًا غريبًا إلى الجمود، لكنها في الوقت نفسه تزودها بقدرة كامنة على أن تصبح مصدرًا مشعًا لنور إشعاعي. ولهذا السبب سُمّيت مجموع هذه الشظايا كلها لوسيفر، «حامل النور».

لنعد إلى موضوع المقاومة. إذن، الأحجار الكريمة الداكنة ليست شريرة أو سيئة، وإن كانت جميع أنواع المقاومة في جوهرها تجليات للانقسام، ولذلك يكون من عواقب الاستخدام الخاطئ للأحجار الكريمة الداكنة عادة شكل من أشكال الشر. وهذه الملاحظة بالغة الأهمية لمناقشة التأمل المتفحص في الظلال، لأنه من الواضح تمامًا أن الإنسان إذا تماهى مع المقاومة وحدها، فإن هذه المقاومة ستكون في غير موضعها الصحيح، لأنها لن تُنظر إليها في سياق الكل الذي هي جزء لا يتجزأ منه. ولتوضيح ذلك، لنعد مرة أخرى إلى مثال القدرة على التمييز.

لو لم يستطع البشر التمييز موضوعيًا بين الليل والنهار، والنور والظلام، والصيف والشتاء، والرجل والمرأة، والإيجاب والسلب، والربح والنفقات، وما إلى ذلك، لما تمكنت البشرية قط من تنمية العقل العقلاني كله، ولولا الخصائص الفاصلة للعقل العقلاني لما وُجدت رياضيات ولا علم ولا تقنية؛ ولأصبح تطور الأديان والتعليم وحتى السياسة أمرًا مستحيلًا. ونتيجة لذلك كان العالم سيبقى في اضطراب فوضوي، وظلّ الكائن البشري قليل الاختلاف عن الحيوانات التي تعيش بالغرائز وحدها. ومع ذلك، فعلى الرغم من أهمية القدرة على التمييز لتنمية الوعي، يوضح لنا العالم المحيط بوضوح أن الإنسان لا يستطيع أن يسمح لنفسه بانتزاع هذه الصفة من سياقها، وإلا فبدلًا من التمييز بين ما يمكن تسميته، توخيًا للوضوح، «صحيحًا» و«غير صحيح»، يبدأ الإنسان في تمييز الظواهر تمييزًا متحيزًا انطلاقًا من اعتبارات الانفصال.

لم يفهم الناس القدرة على التمييز يومًا كما ينبغي أن تُفهم، وذلك لأنهم انتزعوها من سياقها. ونتيجة لذلك يريد الناس أن يستمر الصيف طوال العام، وألا تهب الريح أبدًا، وأن تشرق الشمس في السماء دائمًا دون أن يفسد تلك البهجة غيوم أو أمطار. لكنهم يريدون فوق ذلك، أكثر من أي شيء، أن يكون لكل من حولهم لون الجلد نفسه، وأن ينتموا إلى الثقافة نفسها، ويتحدثوا اللغة نفسها، ويدينوا بالدين نفسه.

بعد أن تعلّم الناس التمييز تمييزًا متحيزًا لا موضوعيًا، يعلنون عمومًا عن سعيهم إلى المساواة، لكنهم في الواقع يتبينون أشد التبين في فصل أحد الأمرين عن الآخر، ونتيجة لذلك لا توجد في أي مكان في العالم مساواة حقيقية.

وعلى العكس من ذلك، يسود في كل مكان الانقسام والكراهية والارتياب والخوف؛ ويتعزز باطراد نزوع إلى تشابه ممل يكاد يستحيل معه تحديد أين المرأة وأين الرجل، وما هو ثمين حقًا وما هو عديم القيمة، وما هو «صحيح» وما هو «غير صحيح» — وقبل كل شيء، أي القوانين كلية وأيها من وضع البشر.

ينبغي تنمية المقاومة، شأنها في ذلك شأن القدرة على التمييز، والنظر إليها في سياقها المناسب، وإلا فإن تطبيقها قد يصبح مدمرًا. وأي شخص يضبط نفسه على نحو غير إرادي على شكل من أشكال المقاومة لا بد أن يصبح متمردًا معاديًا للمجتمع، لا يفهم حتى سبب رغبته في التمرد، فضلًا عن مدى تصوره الجيد لما يتمرد عليه. وهكذا، من المنطقي أن نفترض أن التماهي مع مقاومة الشجرة أمر سخيف ببساطة، بصرف النظر عن الدوافع التي يحاول الإنسان بها ذلك، لأن الناس في نهاية المطاف ليسوا أشجارًا بل كائنات بشرية — فأي معنى لأن تقاوم الحياة كما تفعل الشجرة؟

إن سحر القوة الذي يعرضه طريق المغامرة العظمى عظيم إلى حد أن من انحرفوا إلى هذا الطريق يصبحون بسرور أكثر انفصالًا، ويتوحدون عن طيب خاطر مع أي شيء كان، ما دام ذلك يؤمّن لهم الوصول إلى قدرات ترفعهم فوق إخوانهم وسائر الكائنات. والمبدأ الأساسي لطريق الحرية هو الطريق الذي له قلب؛ وعلى نحو مماثل، تصبح الجشعية هي اللحن المهيمن على طريق المغامرة العظمى. والاستخدام الصحيح لمهارة التمييز في طريق الحرية يولّد صفتي الشمول والتواضع، أما إساءة استخدام هذه المهارة في طريق المغامرة العظمى فتفضي إلى تنمية صفتي الانفصال والتمركز حول الذات.

التمركز حول الذات هو حجر كريم مظلم آخر، وأكثر تجلياته شيوعًا هو الجشعية. ومن ناحية أخرى، تنتمي مهارة التمييز إلى الأحجار الكريمة المضيئة، وإن كان قد اتضح بالفعل أنه يمكن إساءة استخدام هذه الأحجار الكريمة أيضًا. وليس من الصعب أن نفهم مدى خطورة الأحجار الكريمة المظلمة، لأنها بطبيعتها ذاتها تثير الإغراء وتدفع الممارس إلى إساءة الاستخدام.

هذا يقودنا إلى ضرورة مناقشة الطابع الحقيقي للمقاومة وغايتها، لأنه في غياب فهم هذا الجانب من الوعي لن يتسنى إدراك المعنى الحقيقي لتمشيط الظلال. وأبسط طريق لفهم المعنى الحقيقي للمقاومة يتمثل في النظر في مثال أحد أكثر تجلياتها شيوعًا، ألا وهو قوة الاحتكاك. فلو لم يكن هناك احتكاك على الإطلاق، لما استطاع الإنسان أن يمشي ولا أن يستخدم سيارة ولا أن يقود قاربًا؛ بل لما تمكن حتى من إبقاء أي قطعة أثاث غير مثبتة بالأرض في مكانها.

يميل الناس إلى التعامل مع قوة الاحتكاك كأمر بديهي، ولذلك لا يدركون ما للقوة من قيمة لا تُقدَّر بثمن. فقوة الاحتكاك ليست سوى تجلٍّ واحد من تجليات المقاومة العديدة، بينما المقاومة نفسها، كما تحققنا، هي أحد التجليات الأحد عشر للقوة الواحدة الشاملة المسماة القصور الذاتي — أقدم أبعاد الوعي الشمسي.

يتجلى المقاومة على جميع مستويات الكون المتجلّي، ولولاها لاستحال تطور الوعي — للسبب البسيط القائل إن حتى تطور الوعي يعتمد اعتماداً كاملاً وتاماً على أشكال متنوعة من الاحتكاك. فمثلاً، إذا لم تنشأ في حياة الإنسان اختبارات، فلن يستطيع أبداً أن يعلن حقه في القوة. وإذا لم يواجه الإنسان الصراع ولو مرة واحدة، فلن يتعلم أبداً القدرة على التمييز. وأساس العملية العامة للمقاومة هو القانون الكوني المسمى الانسجام عبر الصراع، لأن هناك حيث لا ينشأ تعارض لا يمكن أن توجد مقاومة ولا احتكاك، وفي غياب المقاومة لن تنشأ الحاجة إلى القدرة على التمييز، أي لن تكون هناك أي إمكانية لبلوغ الانسجام — إذ إن الكون المتجلّي في هذه الحالة كان سيبقى في حالة فوضى متجانسة.

للمقاومة ثلاث خصائص بالغة الأهمية: فهي تجعل الأشياء الحية وغير الحية على حد سواء تعكس النور وتمتصه وتمرره جزئيًا، أو تُظهر في سلوكها توليفات مختلفة من خاصيتين أو من الخصائص الثلاث كلها.

سنكتفي بمناقشة مقاومة الوعي البشري. يحدد التولتك الكون المتجلّي كله بمفاهيم العقلانية، التي تفترض وجود الوعي وتطوره. وهكذا، فإن حتى النباتات والحجارة تستعين بالمقاومة لتطوير وعيها، لكن أهداف هذا الكتاب لا تسمح لنا بالانحراف إلى مناقشة تطور الوعي في ممالك الطبيعة الأخرى غير المملكة البشرية.

أنا أذكرها فقط لكي لا ينسى القارئ أنه إذا كان يأمل في إتقان التعاليم الأكثر تعقيداً على طريق المحارب، فعليه أن يربّي في نفسه عادة التفكير بفئات الشمولية والترابط بين كل ما هو حي.

كل أحجار الوعي الكريمة — أي الأحجار المضيئة والمظلمة على حد سواء (التي يطلق عليها أحيانًا الأحجار الكريمة الخفية)، وكذلك الأحجار الكريمة الخاصة المسماة المحرمة — تتصرف في كثير من النواحي تصرفًا شبيهًا بسلوك الذرات. فالذرات في جوهرها أيونات غير مستقرة تتحد بذرات أخرى عند تشكيل الجزيئات؛ وعلى نحو مماثل، فإن جميع جوانب الوعي هي أيضًا أيونات غير مستقرة تتزاوج أبدًا مع ذرات أخرى مكوِّنةً جزيئات الوعي. وجزيئات الوعي قادرة إما على أن تتبلور في هياكل جامدة للتفكير، وإما على أن تحافظ على حالتها الطبيعية السائلة للكائن؛ وفي الحالة الأخيرة تظل ذرات الوعي باستمرار «تتلاقى حوافها مع ذرات أخرى على أروع نحو وأشده إثارة».

من الاعتبارات المهمة للفهم حقيقة أنه كلما لامست ذرة وعي حواف ذرة أخرى، اتحدت هاتان الذرتان لبعض الوقت وشكّلتا ما يمكن تسميته جزيئات الإدراك — ويدرك عقل الرائي هذه التشكيلات بصريًا بوصفها فقاعات إدراك.

وهكذا، في حالة الإنسان ذي البنية البلورية للوعي، تكون فقاعات الإدراك هذه مضغوطة إلى حد أنها لا تكاد تُحدث أي حركة في وعيه. وحتى تلك الحركات التي تظهر فيه تكون بطيئة إلى حد أنها لا تكاد تخضع للإدراك.

من ناحية أخرى، كلما ازداد الإنسان سيولة، ازدادت حرية وسرعة تكون فقاعات الإدراك هذه وانتقالها، ومع مرور الوقت يتحول هذا الإنسان إلى محارب سيال حقًا، تبدو وعيه شبيهًا بنافورة رغوية على النقيض من بلورة الوعي «الصلبة» تقريبًا لدى الإنسان العادي.

فما الذي تعنيه بالضبط مفاهيم الانعكاس والاستيعاب والتمرير الجزئي؟ عند استخدام المفاهيم المرتبطة بالوعي، تصبح كلمة «النور» مرادفة لكلمة «الإدراك»؛ وهكذا، عندما يقال إن إنساناً يعكس النور، فإن هذا يعني أنه يعكس الإدراك. ومن وجهة نظر منطقية محضة يبدو هذا واضحاً إلى حدٍّ كافٍ، باستثناء واحد فقط هو أننا ما زلنا لا نعرف ماذا يعني أن يعكس الإدراك ويستوعبه ويمرره جزئياً.

لفهم هذا المبدأ فهماً كاملاً، لنضرب بعض الأمثلة البسيطة. أولاً وقبل كل شيء، لننظر إلى إنسان يسهل تخويفه بالكلمات أو الأفعال. وعادةً ما يشعر أولئك الذين يسهل تخويفهم بسرعة بالحاجة إلى الدفاع عن أنفسهم، فيصبحون إما كثيري الكلام في محاولة لتبرير أفعالهم لفظياً، وإما عدوانيين إلى حد السعي إلى تصفية حسابه جسدياً مع الإنسان الذي يصدر عنه الخطر الذي يشعرون به. وفي هذه اللحظة، الأهم من كل شيء هو إدراك أن أساس كلا نمطي السلوك هو بالضرورة الشعور بالخطر.
عندما يتواصل إنسان قلِق على أمنه — ولنقل إنه جون — مع إنسان آخر — ولنسمّه بيتر — فإن إحساس الخطر الذي يعيشه جون سوف ينعكس أو يُستوعب أو يُمرَّر جزئياً من قبل بيتر وفقاً لمستوى إدراك بيتر نفسه. فإذا كان بيتر هو أيضاً غير واثق من أمنه إلى حدٍّ ما، فسوف يعكس إحساس جون بالخطر، أي أنه سيبدأ في التصرف تجاه جون على نحو يجعله يشرع فوراً في تبرير أفعاله أو — في حالة أخرى — يصبح عدوانياً. غير أن جون في الحالتين سيبدأ في الغضب: فإما أن تستفزه تبريرات بيتر، وإما أن يشعر بأن بيتر يلقي اللوم عليه هو نفسه؛ وسيحدث هذا أيضاً إذا صار بيتر عدوانياً من دون أي سبب ظاهر. وعلى أي حال، فإن جون وبيتر كليهما سيعكسان ببساطة إدراك كل منهما للآخر — ومن البديهي أن مبدأ المرايا يتمثل في هذا بالضبط.

غير أن بيتر إذا كان من ذلك الصنف من الناس الذين هم دائماً على حق، فسيسعى فوراً إلى إثبات تفوقه على جون — لفظياً أو جسدياً أو بالطريقتين معاً. وتبعاً لمدى إقناع بيتر في إصراره، فإن جون إما سيغضب وإما سيشعر بخطر أكبر؛ وفي الحالة الأخيرة، الأرجح أنه سينسحب ببساطة بعيداً كحيوان عُوقب. ومن الواضح أن بيتر في هذه الحالة سيمرر إدراك جون تمريراً جزئياً.

من ناحية أخرى، إذا لم يكن بيتر راسخاً إلى هذا الحد في نظرته إلى العالم وكان يمتلك مستوى إدراك أكثر سيولة، فإنه لن يسارع إلى الاستجابة لتواصله مع جون، بل سيقيّم تواصلهما بدلاً من ذلك تقييماً دقيقاً بفئات معارفه الخاصة. وفي هذه الحالة سيبدأ بيتر في استيعاب إدراك جون لكي يتشربه ويستوعبه استيعاباً تاماً وفقاً لمستوى إدراكه هو.

هذه الأمثلة البسيطة كافية تماماً لفهم ما تعنيه الانعكاس والاستيعاب والتمرير الجزئي عندما يتعلق الأمر بالإدراك، ومع ذلك لا بد من إدراك أن الحالات الثلاث التي تناولناها كلها مرتبطة بالمقاومة، لأن حتى الاستيعاب هو خاصية من خصائص المقاومة.

ليس من الصعب على معظم التلاميذ أن يفهموا لماذا يُعدّ انعكاس الإدراك وتمريره الجزئي من باب المقاومة، غير أنه من الأصعب بكثير على التلاميذ أن يدركوا لماذا تكون خاصيتها الثالثة هي الاستيعاب.

عند أي امتصاص يُفعَّل حجر التمييز الكريم، ولكن بما أن هذه القدرة تفصل بطبيعتها ذاتها، فإن فعل الامتصاص يقترن دائمًا بالانفصال.

بعبارة أخرى، حتى لو كان بيتر محارباً بالغ السيولة لا يسمح في الممارسة بأي تجليات للانفصال، فإنه مع ذلك لا يستطيع أن يستوعب التواصل مع جون استيعاباً غير مميِّز. فبيتر ما زال بحاجة إلى أن يميّز موضوعياً — بين معارفه الخاصة وما يتعلق بمعارف جون. وهكذا، بصرف النظر عن مستوى إتقان بيتر، وعلى الرغم من أنه قد يفهم فهماً ممتازاً في أعماق قلبه أنه، شأنه شأن جون، جزء من الحياة الواحدة، فإن بيتر لا يملك إمكانية تجنب فعل التمييز. وهو قادر على تجنب شيء واحد فقط: إساءة استخدام القدرة على التمييز، أي التمييز المتحيّز إلى حدٍّ ما تجاه جون.

في نهاية المطاف، وعلى الرغم من الأهمية البالغة للقدرة على التمييز، فإنها تبقى مع ذلك فاصلةً ومُفَرِّقة. وقد حُدِّد هذا الوضع بقوة، ولذلك فإن المحارب الأكثر إتقاناً والأشمل لا يستطيع أن يتجنب تجليات المقاومة عند الحاجة إلى التمييز بحكمة في فعل الاستيعاب.

عند الحديث عن المقاومة، أنا أبسّط كل شيء عمداً إلى أقصى حد ممكن، لكن على القارئ أن يفهم أنه إذا أراد تحقيق النجاح على طريق المحارب، فمن الضروري تماماً أن يولِي اهتمامه لكل جزء من التعاليم المنقولة وأن يستكشف كامل عمق معناها، مستوعباً كل دقيقة من كل ظلٍّ من ظلالها.

لا يستطيع أي ناغوال نقل التعاليم بكاملها، لأن الحياة أقصر من أن تُعبَّر عنها بالكلمات. ونتيجة لذلك، لا ينقل الناغوال سوى ما هو ضروري لفهم مبدأ بعينه، تاركًا للتلميذ أن يجسد كل وجه من أوجه التعاليم في الممارسة، وأن يعيش بالتالي بتجربته الخاصة، وبكل تفاصيلها، ما كانت ستلزم لشرحه كميات هائلة من الوقت. وفي هذا الصدد، يُنصح القارئ ألا ينسى أبدًا القول التالي.

بعد تلقي إرشادات بشأن أي جزء من المعرفة، يستطيع التلميذ في غضون دقائق معدودة من التجارب الشخصية العملية في سفيرا المقابلة أن يحقق معرفة أكبر بكثير مما يمكن استخلاصه من كميات هائلة من المعلومات أُبلغت له على مدى أسابيع طويلة.

سأواصل فعل كل ما في وسع البشر لنقل أكبر قدر ممكن من المعلومات في جميع كتبي، لكنني سأكون غير منصف تجاه القارئ إذا لم أؤكد أن عبء المسؤولية عن تجسيد جميع التعاليم المنقولة في الممارسة يقع بالكامل وعلى نحو تام على عاتق التلميذ نفسه، إذ لا تتيح سوى التجربة الشخصية استيعاب هذه التعاليم بكاملها. وينبغي أن ندرك أنه حتى لو واصلت كتابة الكتب إلى أن أموت، فلن أتمكن مع ذلك من عرض تعاليم التولتيك بكل اكتمالها.

ينبغي أن نتذكر أننا حتى الآن نظرنا إلى المقاومة من منظور الوعي البشري فقط، ومع ذلك فقد مررت عمدًا، من أجل الوضوح، على سطح الموضوع مرورًا عابرًا. والآن يجدر التفكير في بقية الأحجار الكريمة المذكورة، التي يوجد إلى جانبها تسعة وثلاثون حجرًا آخر! فلا ننسَ التفاعل بين كل هذه الأحجار الكريمة. ولكن حتى بعد كل ذلك، ستبقى خارج اهتمامنا عشرة أبعاد والتفاعلات بين هذه الأبعاد والأحجار الكريمة، ناهيك عن معنى هذه المفاهيم في إطار MEPV. وآمل أن يوضح هذا المثال بوضوح اتساع تعاليم التولتيك، وأن يفسر لماذا من المهم جدًا أن يستخدم كل تلميذ بانتظام كل الفرص للتعلم من تجربته الخاصة.

كل ما قيل سابقًا لا ينبغي أن يوضح معنى ظاهرة المقاومة فحسب، بل ينبغي أن يبرز أيضًا بوضوح أي تفاعل عميق وترابط واعتماد متبادل تتسم به جميع جوانب الوعي. علاوة على ذلك، يصبح من الواضح الآن لماذا يعرّف التولتك الظل بأنه نتاج المقاومة.

المقاومة مرتبطة ارتباطًا لا ينفصم بفعل الإدراك، كما أن الاحتكاك مرتبط بالحركة. ففي غياب المقاومة كان الإدراك سيتحول إلى فعل بلا معنى، وكانت التجارب لن تجلب أي معرفة.

كل الظلال هي ما اعتدنا حتى الآن أن نسميه العيوب، لأنه بصرف النظر عن ماهية ما يكون عيبًا في الإنسان، فإن هذه العيوب تظل دائمًا نتيجة لشكل من أشكال تجلي المقاومة.

بعبارة أخرى، تنشأ العيوب كلما عكس الإنسان الإدراك أو مرره جزئيًا أو استوعبه. وإضافة إلى ذلك، من المهم للغاية أن نتذكر أن عيوب الإنسان تحددها قدراته الكامنة غير المتجلية؛ وهذا يعني بالطبع أن الظلال تخفي في داخلها إمكانات معينة، واستكشافها واجب على الإنسان، لأن الظلال ليست فقط ممرًا إلى القوة، بل أيضًا تذكرة إلى الحرية.

غير أن الكامن لا يكمن في ظلال الإنسان نفسه فحسب، بل أيضًا في ظلال جميع الناس والكائنات الآخرين. فالمحارب المتمرس، حتى إن لم يكن رائيًا، قادر على فهم لغة الظلال، على غرار قدرة الناس العاديين على قراءة كتاب مفتوح.

وهكذا، فإن كل ما تعلمناه حتى الآن يتيح لنا أن نفهم بسهولة أن تمشيط الظلال يعني «قراءة» عيوب الذات وعيوب الآخرين. ومع ذلك، ينبغي أن ندرك أن أي «قراءة» من هذا القبيل تنطوي على الإدراك. وبما أن جميع أشكال الإدراك ذات المعنى تقوم على التطبيق الصحيح للمقاومة، فإن تمشيط الظلال يُعرَّف شكليًا بأنه حالة من الانفصال يسببها التعارض الإيجابي.

ينبغي أن يكون واضحًا الآن للقارئ لماذا كررت مرارًا وتكرارًا في بداية هذا الكتاب أن المحارب، حين يتراجع، لا يهرب ولا يستسلم لهزيمته. فأي تراجع كهذا ليس سوى شهادة ظاهرية على أن المحارب قد انتقل إلى حالة الانفصال التي تسببها المقاومة الإيجابية.

يُستخدم مفهوم «التعارض الإيجابي» للدلالة على الجانب المستوعب من المقاومة، في مقابل التعارض السلبي، كما يُسمى جانب التمرير الجزئي، والتعارض المحايد، أي الجانب العاكس.

وهكذا، فمع أن المحارب ينفصل عن الظروف الراهنة، فإنه يظل منهمكًا فيها تمامًا؛ وهذا يعني أنه يدرك إدراكًا حادًا أدق تفاصيل ما يجري.

في هذه اللحظة، من المهم جدًا أن نفهم أنه رغم اليقظة الدائمة للمحارب الكامل، فإن تمشيط الظلال يمثل مستوى من الوعي يتجاوز الوعي العادي؛ وهذا يعني أن مستوى إدراك المحارب يرتفع، وبالتالي فإن المحارب يدرك ما يجري بقدر أعلى من الحدّة مما هو عليه في مستوى الوعي العادي. وهذا الاعتبار هو الأهم، لأن الإنسان العادي لا ينتقل إلى مثل هذا المستوى من الوعي إلا عندما يصبح بقاؤه الجسدي مهددًا، لكنه حتى في هذه الحالات قلما يكون قادرًا على الانفصال عما يجري بالقدر الذي يمنعه من الاستسلام للخوف أو الذعر.

ومن ناحية أخرى، يعرف المحارب كيف يحقق، وهو يحقق فعلًا، انفصالًا تامًا عن جميع تفاصيل الموقف، بما في ذلك انفعالاته هو نفسه، إلى حد يجعله قادرًا على النظر إليه من وجهة نظر شاهد موضوعي تمامًا، ونتيجة لذلك يدرك تلك التفاصيل الدقيقة التي كانت ستبقى، لولا ذلك، دون أن تُلاحظ.

كل هذا أسهل في الفهم إذا تأملنا مثالًا من حياة إنسان عادي.

لنتحدث عن رجل يُدعى آلان، عاتبه رئيسه زاعمًا أن آلان جاهل بعمله. وعند مواجهة وضع كهذا، يلجأ معظم الناس إلى أحد ردَّين نمطيين. قد يشعر آلان بأنه مُفاجأ، وفي هذه الحالة سيهلع على الأرجح، لكن آلان، إذا استسلم للهلع، لن يتمكن على الأرجح من الاستماع بانتباه إلى رئيسه، لأنه سيبدأ إما بمقاطعته باستمرار محاولًا تبرير أفعاله، وإما بتوجيه كل أفكاره إلى البحث عن أعذار، ولكنه حتى حينها لن يتمكن من الاستماع بانتباه. وفي الحالة الثانية، قد يشتبه آلان بأنهم يعتزمون طرده بمجرد علمه باستدعائه إلى مكتب الرئيس، وحينها سيدخل في صراع مع عقله الممتلئ بأشد الافتراضات تنوعًا مقترنة بمزيج من انفعالات لا يمكن ضبطها، وهي في الأساس الشك والعار. وفي هذه الحالة، لن يتمكن آلان أيضًا من الاستماع بانتباه إلى رئيسه، لأن تصوراته المتشكلة مسبقًا وانفعالاته التي لا يمكن ضبطها ستضفي على المحادثة مع الرئيس ظلالًا من شأنها أن تجعل من غير المرجح أن يتمكن آلان من إدراك هذه المحادثة بدرجة كافية من الصفاء.

ومع ذلك، فإن كلا الحالتين ترجعان في جوهرهما إلى أن آلان يقوم بفعل ردّي على نحو يخل بقدرته على الاستماع؛ ونتيجة لذلك لن يسمع إلا ما يريد أن يسمعه، أو بتعبير أدق، سيدرك ما تكرره عليه نظرته الخاصة إلى العالم، بدلًا من أن يتعمق في المعنى الحقيقي لكلمات رئيسه. وفي هذا الصدد، يجب على القارئ أن ينتبه جيدًا إلى المعنى الذي تُستخدم به كلمة «يستمع» في هذا السياق.

لا يقصر التولتكيون القدرة على الإصغاء على حاسة السمع وحدها؛ بل يعرّفونها بأنها القدرة على الإدراك بكل ألياف كائنهم المتوهج. وبعبارة أخرى، يهتم المحاربون بالرنين نفسه أكثر من اهتمامهم بالمعنى المحدد للكلمات، لأن الرنين هو أساس الاستشعار، والمحارب، إذ يتبع قلبه، يفضّل أن يشعر بالعالم بكل جزيء من كيانه، بما في ذلك حواسه الجسدية.
إذا فقد آلان القدرة على الاستماع الحقيقي إلى رئيسه، فلن يتمكن من إيلاء الاهتمام الواجب أيضًا لإحساسه بما يجري؛ بل سيغرق تمامًا إما في محاولات إقناع الرئيس بأنه في الواقع موظف ذو خبرة كافية، وإما في التفكير في ما سيفعله بعد أن يُطرد من عمله. 

مهما كان الأمر، وبصرف النظر عن نوع رد فعل آلان، فسيبقى صحيحًا أنه سمح لنفسه بالخضوع التام لما يجري، أي أنه اعترف بهزيمته على الفور. فإذا حاول آلان التوسل إلى رئيسه ألا يطرده، فسيكون في الحقيقة قد طلب منه فقط أن يمنحه فرصة أخرى. وهذا يعادل الاعتراف بأنه ربما لم يكن بالفعل يعمل بكامل طاقته، لكنه سيجتهد الآن. ومن ناحية أخرى، إذا كان آلان قد تصالح بالفعل مع فكرة طرده، فهو لم يعد يسمع شيئًا، لأنه يفكر في أين يبحث عن عمل جديد، وهذا يعادل التفكير في مدى سرعة تمكنه من الهرب من الاختبار الذي نشأ.


غير أن ألان لو كان محاربًا، لاقترب من هذا الحديث مع الرئيس من منظور اختبار بدا له في الظاهر أنه يواجه فيه قوى تفوقه بكثير. بعبارة أخرى، بوصفه محاربًا منزهًا، يدرك ألان جيدًا أنه في الواقع يؤدي عمله على نحو لائق تمامًا، لكن إذا كان الرئيس يتهمه بما يتجاوز حدود كفاءته، فإن هذا يعني أنه قد واجه إدراك الرئيس ونظرته إلى العالم. ومن الواضح أن المحارب في مثل هذه الظروف لا يستطيع تجاوز الاختبار الناشئ بطريقة لا تتوافق مع نظرة الخصم إلى العالم، لأن الخصم لديه إمكانية «إطلاق النار من مرتفع» — على الأقل في اللحظة الراهنة.

في مثل هذه المواقف يسترخي المحارب دائمًا في تمشيط الظلال. انتبه إلى كلمة «يسترخي» — فهي تعني أن المحارب ينتقل إلى أفعال يعلم علم اليقين أنها ستتيح له تحقيق تفوق على خصمه، ولذلك ليس لدى المحارب أي سبب للقلق. بطبيعة الحال، لا علاقة لهذا المفهوم بالاسترخاء بمعنى الشعور بلا جدوى أي أفعال. فحين يسترخي المحارب في تمشيط الظلال، يكون مستغرقًا تمامًا في ما يمثله maneuver حقيقي بارع في التتبع — maneuver قوي إلى حد أنه في الوقت نفسه رفيع إلى درجة لا يستطيع معها أي خصم أن يدرك ما يفعله المحارب في الواقع، حتى يلحظ فجأة، وكأنه بالسحر، نصل السيف الذي انتصب أمامه.

ومفاجأً بهذا التحول المذهل في القوة، فإن أي خصم إما يستسلم في حيرة تامة، وإما يندفع إلى فوضى جنونية من المبررات التي تفضح حتمًا نقاط ضعف موقفه هو نفسه. غير أن الخصم في كلتا الحالتين يوجه إلى نفسه ضربة قاتلة، إما باعترافه بهزيمته وإما بحفره لنفسه حفرة أعمق، تولّدت عن مبرراته الذاتية العنيفة.

ومع ذلك، حين يشرع المحارب في تمشيط الظلال، فإنه يفعل شيئًا واحدًا فقط: ينكشف أمام التفاصيل الدقيقة التي تكشف الإمكانات الكامنة في عيوب الخصم. ومن المهم أن نتذكر أنه ما دام الإنسان لم يُحوِّل عيوبه، فإنها تبقى نقاط ضعف شديدة العرضة للعالم الخارجي. ويتجلى هذا بوضوح خاص حين تتحسس العقول المحيطة هذه العيوب، عمدًا أو دون قصد، بطريقة أو بأخرى — وهو ما يُسمى عادة «لمس وتر حساس».

وهكذا، فإن المحارب، وهو يمشط الظلال، يراقب سلوك الخصم بأدق عناية، لأن سلوك الإنسان يكشف دائمًا لا عيوبه فحسب، بل وكل دقائق تلك العيوب أيضًا. وفضلًا عن ذلك، إذا كان المحارب موضوعيًا تمامًا في إحساسه بالانفصال، فإنه يدرك عيوب الخصم على خلفية ما يبقى مجهولًا كامنًا داخل الخصم نفسه.

نتيجة لذلك، يستطيع المحارب دائمًا أن يفهم بوضوح كيف يمكنه استخدام عيوب الخصم ليباغته ويفقده توازنه. وهذا بالضبط ما يُقصد به في القول الوارد في بداية هذا الفصل، حيث يُقال: بالنسبة إلى المحارب المتمرس تصبح الظلال صلة بين المعلوم وغير المعلوم — أشبه بأبواب يمكن بواسطتها رؤية غير المعلوم مع البقاء داخل حدود المعلوم.

بعبارة أخرى، بمقارنة عيوب الخصم بما يعرفه هذا الخصم فعليًا عن نفسه، يلحظ المحارب فورًا نقاط ضعف الخصم، أي إمكاناته غير المكشوفة. وبعد تقييم نسبة غير المعلوم إلى المعلوم في خصمه، لم يبقَ للمحارب سوى أن يدفع الخصم إلى الاصطدام بنقاط ضعفه، وبعد ذلك يُضطر إما إلى الاستسلام فورًا، وإما إلى حفر حفرة أعمق لنفسه.

علاوة على ذلك، ولأن غير المعلوم يبث في الإنسان الخوف دائمًا، فإن مثل هذه المواجهة تثير لدى خصم المحارب إحساسًا متزايدًا بالخطر. ونتيجة لذلك، ينتقل الخصم بسرعة من الثقة الكاملة بانتصاره على المحارب إلى البحث المحموم عن أي وسيلة للاختفاء.

لتجلية كل ما قيل، لنعد إلى مثال ألان.

رئيس ألان، الذي يُدعى إيرول، يدير شركة كبيرة للبيع بالجملة للملابس. يبدأ المواجهة بتصريح مفاده أن ألان، كما يبدو، يقضي معظم وقت العمل في الضحك وتبادل الدعابات مع المشترين الذين يتوجهون إليه، بدلًا من مساعدتهم باقتصاد وسرعة ولباقة. لقد وصف إيرول بالفعل طبيعة استيائه، لكن ألام لا يستجيب له على الفور — بل يسترخي في تمشيط الظلال، معترفًا بأنه يحب الضحك والدعابات حقًا، لكنه سيكون ممتنًا جدًا لو وصف إيرول وجهة نظره بمزيد من التفصيل. ولأن رد فعل ألان هذا يوحي لإيرول بشعور بالأمان، فإنه يشعر بثقة كافية في نفسه ليطرح على الطاولة كل شكاواه بشأن ألان — بما في ذلك أيضًا me منها ما كان هو نفسه يعتبره صبيانيًا أو تافهًا إلى حد ما. وبينما يعرض إيرول كل مطالبته، يستمع ألان ببساطة بإنصات دقيق إلى كلماته، وهو يومئ برأسه من وقت إلى آخر، وكأنه يوافق على كل ما قيل. وبعد أن استحوذ على انتباه ألان الكامل وواجه ما يبدو له غياب أي مقاومة، يبدأ إيرول في الاسترخاء، وهو في الوقت نفسه ينكشف أكثر فأكثر أمام ألان، متيحًا له أن يرى تلك الجوانب من نفسه التي يخفيها عادة بعناية.

بإنصات دقيق إلى كل ظلال كلمات إيرول ورنين صوته، وملاحظة دقائق لغة حركة الجسد، يدرك ألان بسرعة كافية أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن إيرول يحسد اجتماعيته وانطلاقه في لقاءات مع أصعب المشترين. وبعد أن تثبت من ذلك، يبدأ ألان في تمشيط الظلال بحثًا عما يتيح له الاستفادة من حسد إيرول، وهو مجددًا لا يحتاج إلى وقت طويل ليلحظ أنه رغم تبجحه المتصنع، فإن إيرول إنسان خجول ومنطوٍ إلى حد بعيد، يفضّل الأمان النسبي لمكتبه الخاص. وفي الوقت نفسه، من الواضح تمامًا لألان أن إيرول نفسه لا يدرك حسده لألان، مفضلًا أن يرى في ودّيته إسرافًا في إضاعة الوقت في تبادل الدعابات الطيبة.

وهكذا، فإن محاولة دفع إرول إلى مواجهة مشكلته الحقيقية مباشرة لن تفيد آلان على الإطلاق، لأن إرول سينكرها ببساطة، وإلى جانب ذلك، فحين يواجه الحقيقة، من المرجح أن يستشيط غضبًا شديدًا ويمتلئ إحساسًا بصواب موقفه. وبدلًا من ذلك، يشرع آلان في تقييم إرول من حيث ما يعرفه عن نفسه وما لا يعرفه. ولكي نفهم كيف يحدث ذلك، ينبغي أن نتذكر أنه بعد أن أدرك آلان ما هي المشكلة الحقيقية بالضبط، لاحظ أن إرول يخفي خجله حتى عن نفسه ويحاول أن يبدو رجلًا بلا عاطفة. غير أن نتيجة هذا السلوك هي أن إرول ليس من السهل إحراجه فحسب، بل إنه، بسبب انغلاقه، ليس من الصعب ترويعه بتهديد كشفه أمام الجميع. هذه المعلومات هي كل ما يعرفه إرول عن نفسه، غير أنه لا يدرك أن أساس كل هذه النقائص هو افتقاره إلى الثقة بأهميته الذاتية. وبسبب هذا الخوف المكبوت، قلما يصبح إرول منفتحًا وودودًا. وإذ يفضل في تواصله مع من حوله التباعد والحفاظ على المسافة، فإنه يأمل ألا يستطيع أحد الاقتراب منه إلى حد يلاحظ فيه أنه في الحقيقة ليس على الإطلاق كما يود أن يكون. وهكذا، فإن محاولات إحداث انطباع بأنه رجل قوي جدًا تتيح لإرول إخفاء خوفه العميق حتى عن نفسه، ومع ذلك يظل هذا موضع ضعفه.

بعد تحديد ماهية موضع ضعف إرول، لم يبق لآلان سوى أن يدفعه إلى مواجهة خوفه وجهًا لوجه، ليخرجه من توازنه تمامًا. وفي هذا الصدد يتذكر آلان أنه كثيرًا ما كان يتساءل في الماضي لماذا يبذل إرول قصارى جهده ليتجنب لقاءات المشترين العاديين، إذ يسرع بتسليمهم إلى رعاية آلان، مع حرصه في الوقت نفسه على تمثيل الجاذبية والاهتمام المؤثر بأن يُخدم العملاء على أفضل وجه ممكن. والطريقة التي كان إرول يفعل بها ذلك كانت تترك دائمًا لدى المشترين انطباعًا بأنهم يُسلمون إلى أأمن الأيدي، أي أن إرول كان يقنعهم بأنهم سينالون ذلك الاهتمام الخاص الذي يستحقونه. غير أنه الآن يتبين لآلان فجأة أن هذه الجاذبية والاهتمام المتصنعين لم يكونا لإرول سوى فرصة لتجنب احتمالية عرض ضعفه أمام الأعين،
حين ينهي إرول خطابه، يكتفي آلان بالابتسام ردًا على ذلك، ثم «بسذاجة» يجبر إرول على مواجهة خوفه وجهًا لوجه، إذ يقترح عليه أن يعمل معه بضعة أيام في قاعة العرض، حتى يتمكن آلان من تعلم المهنة من مثال إرول. وإذ يشعر إرول بخوف مفاجئ، يبدأ في اختلاق أعذار متنوعة، إلى حد القول بأنه ببساطة ليس لديه وقت للقيام بذلك وعليه أن يجد بنفسه الشكل الأفضل لخدمة المشتري. غير أن آلان، بعد أن تظاهر بأنه مرتبك تمامًا، يجيب بأنه في حيرة، لأنه كان دائمًا يكن الاحترام لانشغال إرول، ولهذا السبب بالتحديد بذل قصارى جهده ليجد بنفسه الطريقة الأفضل للعمل وألا يكون متطفلًا.

ليس أمام إرول المأخوذ على غرة سوى مخرج واحد: أن يوافق آلان. وباستغلال هذه الحيلة، يغرس آلان سيفه أعمق، إذ يسأل عما إذا كان سبب عدم رضاه عن عمله هو مستوى المبيعات. وإذ يجد إرول نفسه في الفخ مرة أخرى، يضطر إلى الاعتراف بأن نتائج المبيعات مرضية تمامًا وأن ما يقلقه هو فقط حقيقة أن أحاديث آلان الجانبية مع المشترين قد تؤثر على سمعة الشركة. هذه المرة يثبت آلان نظره في عيني إرول حتى يرتبك الأخير ويحول بصره؛ وبعد ذلك يسأل آلان إرول عما إذا كانت قد وردت أي شكاوى من المشترين. وبعد أن يبلغ آلان صراحة أنه لم تكن هناك أي شكاوى — معترفًا لنفسه سرًا بأن العملاء كانوا يلاحظون دائمًا كم كان من الممتع لهم التعامل مع آلان — يضطر إرول أخيرًا إلى إدراك بعض الحقيقة عن نفسه.
وبعد أن اشتعل غضبًا، يطلب من آلان أن يغادر مكتبه، متمتمًا بكلام غير واضح بأن يفكر في هذا الحديث، وهو في أعماق نفسه يدرك تمام الإدراك أن آلان قد انتصر، إذ أظهر حسده هو نفسه من رجل منفتح وودود. يكبت آلان ابتسامة فاهمة ويشكر إرول بلياقة على «إرشاداته المفيدة»، قبل أن يخرج من المكتب.
طوال مواجهته مع إرول، استند آلان بثبات إلى معرفته الخاصة، غير أنه لم يعرض مسيرته المهنية للخطر على الإطلاق. بل على العكس، إذ أوقع إرول في موقف أحمق تمامًا، نال احترامه بكونه لم يسعَ إلى إثبات خطئه علنًا، مع إظهاره في الوقت نفسه بوضوح لإرول تفاهة مآخذه الناجمة عن الحسد. وبفعله ذلك، أتاح آلان لإرول مادة غنية للتفكير، وبسبب ذلك بدأ حسده يتحول بالفعل إلى إعجاب بشجاعة آلان وقدراته اللامعة. ومع ذلك ينبغي أن نفهم أنه في الحقيقة لم يفعل آلان سوى شيء واحد: دفع إرول إلى مواجهة خوفه هو نفسه وجهًا لوجه. وإذا كان إرول على قدر كافٍ من الصدق مع نفسه للتصالح التام مع ما انكشف في هذا الحديث، فإنه لن يعترف فحسب بأن آلان قد تفوق عليه في الذكاء، بل سيشكره أيضًا على مساعدته له في إدراك مخاوفه الخفية.

إذا أراد إرول مواجهة خوفه، فسوف يبلغ فهمًا أعمق لنفسه، وبفضل ذلك سيدرك الإمكانات الكامنة المرتبطة بخجله والانغلاق الناجم عنه. غير أنه بعد المعركة مع المحارب، لا يقدر إلا قليلون من الناس على فهم المساعدة التي قدمها لهم بمثل هذا التتبع. فحين يواجه الإنسان العادي قوة المحارب، فإنه ببساطة سيسعى إلى نسيان ما حدث في أسرع وقت ممكن وسيواصل حياته كما لو أن شيئًا لم يحدث.

وفي ختام الحديث عما يمثله تمشيط الظلال، لا بد من تقديم تحذير واحد. تأملوا المثال المذكور بعناية. لكن لا ينبغي أن تظنوا أن تمشيط الظلال يكون دائمًا بسيطًا كما يبدو في الحالة التي تناولناها. إنني أستخدم أمثلة بسيطة فقط من أجل الوضوح، ولكن، والحق يقال، لا يوجد شيء بسيط في المسارات المتعرجة لعمل العقل البشري. ولكي يتقن المرء فن تمشيط الظلال، يلزمه الوقت والصبر وممارسة واسعة. وفي هذا الصدد، لا ينبغي أبدًا أن ننسى أنه لا توجد أشخاص متطابقون ولا أوضاع متطابقة، مهما بدت متشابهة للوهلة الأولى. إن فن التتبع يظل دائمًا مهارة على الارتجال الفعال والبارع في اللحظة الراهنة — وبالطبع، لا يمكن بلوغ هذه البراعة في يوم واحد.

في يد المتعقب الماهر يصبح تمشيط الظلال وسيلة عظيمة القوة، خفية ورقيقة إلى حد أن الخصم كثيرًا ما يشعر بعد المعركة بإحساس مزعج بأن المحارب كانت لديه قوة خارقة للطبيعة، بأي معنى فُهمت به هذه الكلمة الخالية تمامًا من المعنى. غير أن في تمشيط الظلال لا شيء «خارقًا للطبيعة»، والمحارب لا يمتلك أي قوى غير متاحة لكل من هو مستعد لبذل الجهد والوقت اللازمين لدراسة فن التعقب.

وخلافًا للجوانب الأربعة الأولى من قاعدة المتتبع، لم أتناول الجانب الخامس فيما يتصل بمسلمات التتبع الأربع. ويرجع ذلك إلى سببين. أولًا، كما سبقت الإشارة إليه، فإن جميع الجوانب السبعة من قاعدة المتتبع يمكن تطبيقها في سياق أي من مسلمات التتبع أو في سياق تركيبات منها.

لا توجد قواعد صارمة ومحددة تحدد أي جانب من قاعدة المتعقب ينبغي تطبيقه في سياق مسلمة معينة. ففهم أي جانب من القاعدة يرتبط بحالة محددة، وتطبيقه في سياق المسلمة المناسبة، يستندان إلى ملكة تمييز بارعة لا يمكن بلوغها إلا بالممارسة المستمرة.

وهكذا، فإنني إذ وصفت بأمثلة مناسبة الجوانب الأربعة الأولى من قاعدة المتعقب، كنت أحاول ببساطة أن أتيح للقارئ إمكانية إدراك المبادئ التي يقوم عليها عملها، حتى يتمكن على الأقل من بدء جهوده لتطبيق قاعدة المتعقب تطبيقاً فعلياً.

لا يمكن للتفسيرات النظرية أن تقدم عوناً أكبر، لأن الممارسة وحدها هي القادرة على منح القارئ فهماً حقيقياً لكيفية استخدام قاعدة المتعقب في سياق مسلمات التعقب الأربع.

كان السبب الثاني لإغفالي الشروح المتعلقة بتطبيق الجانب الخامس من قاعدة المتعقب في سياق كل مسلمة على حدة هو مقتضيات البساطة. فمن المهم أن نفهم أن نتائج الجوانب الخامس والسادس والسابع من قاعدة المتعقب واسعة إلى حد أنها، في أي سياق تطبيقي تقريباً، ستمتد بالضرورة عبر مجالات ظهور مسلمتين أو جميع مسلمات التعقب الأربع.

أما الجانب الخامس من قاعدة المتعقب، فإن هذا الجانب يرتبط ارتباطاً شبه كامل بالفعل في مقابل رد الفعل. فالفعل ينتمي إلى الشمال، وللجهة نفسها من العالم يوافق غياب رد الفعل المعتاد على أية أحداث، أي عدم الفعل. وهكذا ليس هناك أي شك في أن هذا الجانب ينبغي النظر إليه في سياق المسلمة الثانية من مسلمات التعقب. غير أنه نظراً إلى أن الهدف العام من تمشيط الظلال هو بلوغ مستوى من الرصانة لا يكون ممكناً عادة، يصبح مفهوماً أن تمشيط الظلال يجب أيضاً النظر إليه بمفاهيم المسلمة الأولى من مسلمات التعقب.

بالعودة إلى مثال آلان وإيرول، يمكن ملاحظة أنه عند مواجهة نظرة رئيسه إلى العالم يجد آلان نفسه في وضع غير موات، ولذلك يجب عليه أن يسعى إلى استخدام الجانب الخامس من قاعدة المتعقب. وكما هو معلوم، فإن هذا يعني ضرورة تطبيق عدم الفعل، أي أولاً ألا يستجيب للظروف بالإدراك السطحي، وثانياً أن يقدم على الفعل الذي يسمى تمشيط الظلال. ومن المنطقي أن نفترض أنه إذا كان آلان ينوي تحقيق النجاح ومنع ردود الفعل المضادة، فعليه أن يتناول مواجهته مع إيرول من منظور المسلمة الأولى، لأن ذلك وحده هو ما سيتيح له ألا يقع في فخ الموقف السطحي إزاء ما يجري. وإلى جانب ذلك، يحتاج آلان إلى إجراء تمشيط الظلال، وهو فعل يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمسلمة الثانية. غير أنه ينبغي مع ذلك إدراك حقيقة واحدة: فرغم أن تمشيط الظلال يساعد آلان على بلوغ الوضوح في هذه المواجهة، وهو الوضوح الذي سيتيح له تحقيق التفوق على إيرول، فإن هذا الوضوح قابل للتطبيق في هذه الحالة وحدها. ففي اليوم التالي أو بعد بضعة أيام قد يواجه آلان تماماً اختباراً مشابهاً جداً في تواصله مع شخص آخر، ولذلك يلزمه تماماً الاعتراف بحماقة الآمال في أنه سيتمكن يوماً ما من حل لغز الوجود، وهذا الفكر بالطبع يدفعه إلى الغوص برأسه أولاً في أعماق المسلمة الرابعة.


الفصل الثامن
خلف حجاب الزمان


الزمان يعبّر عن العامل العقلاني في إطار القدر رباعي الجوانب لغير المعبَّر عنه. ولهذا السبب فإن ما يُدرَك بوصفه زماناً هو في حقيقة الأمر حركة ملازمة للوعي — تعبير أصيل عن نية غير المعبَّر عنه وعقله. يجوز اعتبار الزمان جوهر كل ما هو مخلوق، والاتجاهات الثلاثة الباقية من القدر رباعي الجوانب (المادة والطاقة والمكان) انعكاسات لغير المعبَّر عنه في جوهر المخلوق، أي في الزمان. وبسبب ذلك يفقد الإنسان تماماً نقطة المرجع إذا لم يعترف بأن الزمان هو الجوهر الأصلي للكون المتجلي — جوهر مقدس عند الجميع إلا غير المكرَّسين.

قبل النظر في مضمون الجانب السادس من قاعدة المحارب، أي حقيقة أن المحارب يضغط الزمان دائماً، لا بد من تحقيق فهم أوضح للطبيعة الحقيقية للزمان نفسه. في المجلدين الأولين عُرِّف الزمان بأنه نتيجة إدراك عملية الحياة — وهذا التعريف جيد بما يكفي لكل من غير المتخصص ولمن لديهم عيون لتبصر. غير أنه من المهم جداً للمناقشة المقبلة للزمان أن نحاول الاستعانة، جزئياً على الأقل، بالوصف التقني للزمان الوارد في العبارة التي تفتتح هذا الفصل.

ليس من السهل أبداً إدراك الطبيعة الحقيقية للمعنى الأربعة أبعاد بالعقل العقلاني، كما أن التعبيرات الأربعة للقدر رباعي الجوانب لغير المعبَّر عنه تمثل أكثر المبادئ تجريداً وصعوبة في الفهم. وعلى نحو مماثل، فإن محاولات أي ناغوال لوصف طبيعة المعنى الأربعة أبعاد لفظياً تمثل مسعى عبثياً إلى حد كبير، ومع ذلك، بما أن الناس مضطرون إلى استخدام اللغة الشفهية والمكتوبة، فليس لدينا خيار آخر سوى محاولة تحقيق المستحيل. عليكم أن تسعوا إلى الإحساس بالمعنى المنقول.

في محاولاتي لتوضيح مبدأ الزمن سأضطر إلى استخدام الزمن على نحو سخيف إلى حد العبث: الزمن لا شيء، لكنه في الوقت نفسه كل شيء، وفي هذا يشبه المكان الذي هو فارغ وفي الوقت نفسه ممتلئ حتى آخره. إن ما يقيسه الإنسان بالساعات ليس الزمن، تماماً كما أن ما يدركه كفراغ بين ذرتين أو بين كوكبين ليس هو المكان على الإطلاق. فالزمن والمكان يمثلان نقيضين يجعلان ظهور الكون ممكناً. ونتيجة لذلك، فإن كليهما تعبيران عن الوعي الفطري، أي الوعي الفطري باللامعبَّر عنه. وهكذا يمثل الزمن والمكان حالتين خاصتين ومتعارضتين للوعي؛ وبهذا المعنى يبقيان غير قابلين للانفصال ومترابطين، إذ بدون ذلك الوعي الذي يسمى الزمن لا يمكن أن ينشأ وعي المكان، وبدون الوعي المسمى «المكان» يستحيل وعي الزمن.

من وجهة نظر رياضية، فإن مفهوم «وعي الزمان» يعني «الوعي المقوَّى بالزمان»، والتعبير «وعي المكان» يعني «الوعي المقوَّى بالمكان». غير أن الزمان والمكان نفسهما حالتان من الوعي الفطري؛ وهذا يعني أنه سواء تحدثنا عن «وعي الزمان» أو «وعي المكان»، فإن كلا المفهومين يعادلان التعبيرين «وعي الوعي»، أو «الوعي المقوَّى بالوعي»، أو، على نحو أدق، «الوعي المقوَّى بالوعي الفطري».

ومن جهة أخرى، ما هو ذلك الوعي الذي يتيح تعزيز الوعي الفطري؟ لقد أتاح استعراض موجز لعلم الكون في «صرخة النسر» فهم ليس فقط أن هناك نوعين من الوعي، هما الفطري والمتطور، بل أيضاً أن كلا النوعين يمتلك قطبين: الانفصال والشمول. فالقطب الفاصل هو العقل، مبدأ التفكير، والقطب الموحِّد هو النية، مبدأ الشعور. ولما كنا الآن نهتم أكثر بالوعي الفطري، فمن المنطقي أن نفترض أن ذلك الوعي «الآخر» المشار إليه يمثل أحد قطبي الوعي الفطري؛ وهذا يعني ضمناً أن الظاهرة التي كانت تسمى سابقاً الوعي الفطري هي في الواقع القطب الثاني لهذا الوعي.

وهكذا يمثل المكان والزمن قطبي الوعي الفطري، وبهذا المعنى يكون المكان تعبيراً عن العقل، مبدأ التفكير، الذي يفصل وبذلك يولّد العنصر المسمى المكان.

ومن جهة أخرى، يمثل الزمن تعبيراً عن النية، مبدأ الشعور، الذي يوحد وفي الوقت نفسه يستدعي إلى الظهور عنصر التطور التدريجي، أي الإدماج المتتابع، أو التدريجي، للمجهول في المعلوم، وبذلك يولّد هذا المبدأ الزمن. ومع ذلك ينبغي إدراك أنه عند ذكر الزمن والمكان فإن الحديث يدور عن جزء من اللامعبَّر عنه يسمى «هذا يتحرك».

التعبير «الوعي المقوَّى بالزمان» يعني «المكان المقوَّى بالزمان»، وكلمة «الوعي المقوَّى بالمكان» تعادل كلمة «الزمان المقوَّى بالمكان». وبالطبع، كل هذا يمثل الشيء نفسه، وبذلك يُظهر ليس فقط أن الزمان والمكان قطبَا الوعي الفطري، بل أيضاً أن نتيجتهما واحدة — فكلاهما يؤدي إلى «هذا يتحرك»، أي إلى العقلانية الفاعلة الموصوفة في «صرخة النسر».

من وجهة نظر غير المتخصص، يُعرَّف المكان كنتيجة لإدراك الغاية من الحياة، والزمن كنتيجة لإدراك مسار الحياة. وبعبارة أخرى، فإن المكان مرتبط ارتباطاً لا ينفصم بالغاية من الحياة، والزمن مرتبط بمسار الحياة.

وهذا يعني أن المكان هو وعي الغاية من اللامعبَّر عنه، والزمن هو وعي ذلك المسار الذي يمكن بهذه الغاية أن تتحقق ويجب أن تتحقق. وهذا يتيح افتراض أن الزمن ليس تعبيراً عن النزوع إلى الظهور فحسب، بل هو أيضاً تعبير عن النية. ولما كانت النية هي القوة الواحدة الوحيدة للكون الظاهر بأكمله، والكون الظاهر نفسه ليس سوى نتيجة النية (انظر «صرخة النسر»)، يصبح واضحاً تماماً لماذا اعتبر التولتكيون الزمن جوهراً أولياً للكون الظاهر.

وهكذا، على الرغم من أن الزمن والمكان قطبان متقابلان للوعي الفطري، فإن الزمن مع ذلك يسبق المكان. وليس من السهل إدراك هذه الحقيقة بالعقل، ولذلك يمكن للتأمل في ما يلي أن يساعد على استيعابها: ما دام في ذلك الفراغ الذي يدل على ما لا يُعبَّر عنه شيء ما في حركة، فإن هذا الفراغ يتحدد بـ«لا شيء» ما، ولكن بمجرد، أو حين، تنشأ الحركة، يصبح ما يدل على هذا الفراغ متاحا للإدراك. غير أن تعبيري «بمجرد» و«حين» يفترضان عنصر الزمن، وهذا بالطبع يجعل الفراغ مدركا فورا في صورة مكان أو، بدقة أكبر، مكان ما.

يساعد هذا على إدراك ليس الاعتماد المتبادل بين الزمن والمكان فحسب، بل وترابطهما أيضا. علاوة على ذلك، وكما هو معروف من «صرخة العقاب»، فإن التعاون العقلاني بين قطبي الوعي الفطري هو ما يسمح بتجلي الوعي وتطوره ويكفلهما. والحقيقة أن التفاعل الدائم بين هذين القطبين وحده هو ما يتيح للكون المتجلي أن يوجد، لأنه في اللحظة التي يندمج فيها هذان المتقابلان يتوقف التفاعل ويظهر «هذا الذي لم يعد يتحرك»، أي يصبح ما لا يُعبَّر عنه مجددا فراغا ساكنا.

هذا التفاعل المتصل نفسه، الذي هو ثابت أصيل، بين قطبي الوعي الفطري، بين المكان والزمان، هو ما أفلت من ألبرت أينشتاين حين كان يطور نظرياته النسبية ويحاول وصفه بمفاهيم الضوء. ونتيجة لذلك يتضح أن معادلته E = mc 2تعني E/m = c 2، أي أن الطاقة مقسومة على المادة هي نتيجة الزمن مضروبا في المكان (c 2). وهذا يعني أنه حين يتفاعل قطبا الوعي الفطري، تكون النتيجة خارج قسمة الوعي الموحد على الوعي المنفصل («صرخة العقاب»)، وهذا الخارج هو ما يسمى تكوين الحزم.

غير أنه ينبغي التذكر بأن الطاقة نتيجة للقوة، ولما كانت القوة نتاج الإدراك، فإن المعادلة E = mc 2يمكن تفسيرها على النحو التالي: الطاقة (E، نتيجة القوة) = الوعي المنفصل (m) مضروبا في حاصل ضرب المكان والزمان (c 2، وهو ثابت التفاعل بين قطبي الوعي الفطري).

يُقال كل هذا لإثارة إحساس معين لديكم بما يعنيه الزمن وعلاقته بالمكان والطاقة والمادة والقوة.

غير أن كل هذا، كما ذُكر آنفا، ليس سوى حافز على الإحساس، ولذلك لا ينبغي تلقيه حرفيا، لأن التعامل السطحي مع هذه الإيضاحات لن يجلب للقارئ سوى الإحساس بالتشوش الخالي من أي معنى. ومن جهة أخرى، إذا تُلقيت المعلومات المنقولة للتو بوصفها عونا في تكوين الإحساس بما يُفهم ليس من الزمن نفسه فحسب، بل ومن النموذج الكلي للتصور الزماني المكاني ومن القوة في مجملها، فإن هذا الإحساس سيثير لديكم تجارب معينة. ولا حاجة للقول بأن التجارب تمثل ليس المعرفة الحقيقية فحسب، بل والأهم من ذلك، معرفة من المصدر الأول.

وبينما نمضي قدماً، ستتمكنون من ملاحظة إلى أي مدى غصنا في المجهول خلال الحديث عن الوقت؛ وكما في جميع الحالات الأخرى من الاصطدام بالمجهول، لا يستطيع العقل العقلاني أن يقدم لنا أي عون. وفي مثل هذه الحالات لا بد من التعامل مباشرة مع المجهول في سياق وعي الجانب الأيسر، ولكن إلى أن تتعلموا النفاذ إلى وعي الجانب الأيسر والخروج منه بإرادتكم، فإن أفضل وسيلة للمضي قدماً تبقى الانتباه إلى أي مشاعر تنشأ لديه بفضل التجارب.

لا يمكن للمعلومات أن تحل أبدا محل التجربة الشخصية المباشرة، غير أنها قادرة، إذا أُحسن استخدامها، على أن تساعد الإنسان على التقاط إشارات على الأقل إلى نوع الأحاسيس التي ينبغي أن ينتظرها من تجارب معينة. وحين تتكون لدى الإنسان تصورات معينة عما ينبغي انتظاره، يصبح قادرا على التقاط الشعور المطلوب الذي تثيره التجربة المناظرة، وسيكون هذا الشعور تعبيرا عن وعي الجانب الأيسر.

في البداية لا تجلب هذه الأحاسيس إلهامات خاصة، ولكن مع إضافة أحاسيس أخرى ملحوظة ومألوفة من قبل إلى الإحساس الأول، تبدأ أمام الإنسان صورة أصيلة تماما في التشكل ببطء ولكن بثقة، وهي في البداية ضبابية، لكنها تتكاثف عاجلا أم آجلا إلى ذلك المستوى من الإحساس الذي يستطيعه العقل العقلاني. ولهذا أرجو أن تقدم المعلومات المنقولة إليكم إشارات خفية على الأقل، تؤدي في المستقبل إلى فهم أعمق لما يعنيه في الحقيقة ليس الزمن نفسه فحسب، بل والنموذج الكلي للتصور الزماني المكاني في مجمله، وللدور الذي تؤديه القوة في هذه الصورة العامة.

بعد معرفة أن الزمن جوهر أولي للكون المتجلي، وأنه في هذا السياق تعبير عن النية في آن واحد، ليس من الصعب فهم لماذا يعد التولتك الزمن مقدسا. وينبغي إدراك أنه في غياب الجوهر الأولي لا يمكن خلق أي شيء، وبفضل وجود الجوهر الأولي وحده يصبح الخلق أحد الخيارات الممكنة. وبعبارة أخرى، كل ما هو مخلوق يعتمد على وجود الزمن واستخدامه.

غير أنه لا بد من إدراك أن الفهم الإنساني العام للزمن ليس سوى رأي الإنسان في كيفية تجلي الزمن على المستوى الفيزيائي. وحين يستوعب الإنسان المعنى الأعمق لأنظمة العد، ويبدأ في إدراك أن هذا المعنى لا يمكن استيعابه إلا بمساعدة علم الأعداد المنسي، تنشأ صورة جديدة تماما للرياضيات، تلك الصورة المرتبطة بمماثلات نفسية مدهشة، والتي لا تراعي فحسب ترابط كل ما هو حي، بل تعترف أيضا بضرورة إدراج متغير الزمن في جميع المعادلات الرياضية.
بفضل عنصر الزمن نحن لا نعيش في كون مطلق.

الكون كله نسبي إزاء الزمن وإزاء نية ما لا يُعبَّر عنه؛ فبمجرد أن يستوعب الإنسان ما يعنيه ذلك في الحقيقة، سيصل العلم إلى إدراك أن الكون المتجلي يحمل في ذاته صفة شعورية معينة لا يمكن إلا أن تؤخذ في الحسبان.

وكما أن المشاعر تعبير عن النية على المستوى الفيزيائي، فإن الزمن تعبير كوني عن النية في الكون المتجلي كله، الذي لا يشكل الكون الفيزيائي المرئي إزاءه سوى جزء صغير. وهكذا، ومهما بدا ذلك غريبا، فإن الزمن تعبير أولي عما يمكن تسميته بالمشاعر الكونية. والزمن، بالمعنى الحرفي للكلمة، هو مشاعر ما لا يُعبَّر عنه، أيا كان معنى ذلك ومغزاه، لأننا من وجهة نظرنا الإنسانية لا نعرف عن أنفسنا ما يكفي لنكون في موضع الحكم على مشاعر ما لا يُعبَّر عنه.

غير أن التولتك يعرفون في عصرنا عن الزمن ما يكفي ليجزموا بأنه ليس جزءا من البعد الرابع فحسب، بل يتسم أيضا بطابع المشاعر الخالصة. وهذه المشاعر، مع ذلك، ممتدة على مدى أبدية كاملة، ولذلك هي بالغة التعذر على الإدراك في امتدادها كله، حتى إن الإنسان لم يفلح طوال تاريخه الممتد ألف عام إلا في التقاط إشارات خفية إليها.

على مدى قرون طويلة بشكل لا يصدق، كدّ علماء التولتك بجد، وورّث جيل بعد جيل ثمار جهود عمرهم كله لأبنائهم، حتى انكشفت للإنسان تدريجيا، وببطء شديد، الدورات الكونية للزمن، وكل دورة منها هي بلا شك تعبير عن موجة عاطفية منفردة. وبفضل ذلك نعلم اليوم أنه لا توجد مصادفات ولا صدف، وأن التاريخ كله ليس سوى نتيجة لما يصح تسميته الأزمنة، أو، بدقة أكبر، نتيجة النية الكونية التي تتجلى أولا في صورة قوة، ثم في صورة طاقة مشحونة بدافع عاطفي.

وهكذا، فإن حسن تدبير الزمن تدبيرا مثاليا له أهمية كبرى بالنسبة إلى محاربي التولتك. فلن يعتبر أي محارب حقيقي الزمن شيئا يمكن تبديده بلا مبالاة على شتى التفاهات والأمور التافهة غير الجوهرية. فإهدار أي وقت لا يمكن تصوره ببساطة بالنسبة إلى المحارب، لأن فعل ذلك يعني تفويت الفرصة الناشئة للمشاركة في الخلق الكوني.

وبناء على ذلك، فإن الحياة على الأرض لا معنى لها بالنسبة إلى المحارب الحقيقي إذا كان يهدرها فقط في الوصول إلى منصب جيد، أو شراء سيارة جديدة أو منزل، أو تكوين أسرة وحساب كبير في المصرف. ولا تكتسب الحياة على الأرض معناها الحقيقي بالنسبة إلى المحارب إلا إذا استخدمها ليترك أثره في الكون، الذي هو نفسه من إبداعه.

من الواضح أن المحارب لا يستطيع تحقيق ذلك إلا بطريقة واحدة، هي العيش في سياق الزمن؛ ومن الواضح أيضا أن الشكل الوحيد للتحكم الفعال في الزمن يتمثل في السيطرة الكاملة على وعيه، لأنه، كما هو معروف بالفعل من معادلة الزمن الواردة في المجلدين الأول والثاني، فإن الزمن يتناسب عكسيا مع الوعي.

بما أن الزمن تعبير عن النية الكلية، فمن الطبيعي ألا تكون للإنسان إمكانية التلاعب به. غير أن الزمن يتناسب عكسيًا مع الوعي، ولذلك يظل الإنسان قادرًا بمعنى ما على التلاعب بالزمن، لأنه يستطيع التحكم في وعيه.

بعبارة أخرى، مع أن الإنسان لا يستطيع التأثير بشكل مباشر في الزمن نفسه بأي وسيلة، فإنه مع ذلك قادر على تغيير إدراكه للزمن، وبذلك إمّا التعجيل بجريانه وإمّا إبطاؤه. غير أنه ينبغي إدراك أن أي تغيير من هذا القبيل في سرعة جريان الزمن يحدث حصرًا في إطار الإدراك، لا في العالم المادي المتجلي. ومع ذلك، فبامتلاكه القدرة على تغيير سرعة جريان الزمن في إطار الإدراك، يجيد المحارب القيام بأفعال مذهلة تمامًا، كثيرًا ما تبدو للإنسان العادي معجزات حقيقية.

لتوضيح ما يعنيه تحديدا إبطاء انسياب الزمن وتسريعه، لننظر بإيجاز في مثال الرائي من التولتك. يكمن فن الرائي في قدرته على تناغم إدراكه مع إدراك الشخص الذي يراه، مثلا، بدقة بالغة، بحيث يتحد وعي الرائي لفترة ما مع وعي الشخص الآخر. وهذا الاتحاد بين الوعيين هو في طبيعته تماه كامل مع موضوع خارجي، لذا يمكن القول إن الرائي يصبح حرفيا، ولمدة مؤقتة، شخصا آخر.

في اللحظة التي يحدث فيها هذا التماهي، يغيّر الرائي إدراكه للزمن فورا بحيث يتباطأ هذا الإدراك أو يتسارع وفقا لأهداف الرائي.

إذا أراد الرائي أن يرى، مثلا، سبب سلوك معين عند شخص آخر، فإنه يسرع انسياب الزمن. غير أنه ينبغي إدراك أن ما يتسارع في هذه الحالة ليس انسياب الزمن الفيزيائي، بل إدراك الرائي للزمن فقط. وهذا بدوره يعني أن الرائي، بفضل التماهي الكامل مع الشخص الآخر، قادر على ملاحظة سلسلة الإدراك المتتابعة بأكملها عند هذا الشخص، التي أدت إلى نمط السلوك الحالي.

وبعبارة أخرى، يجري كل شيء وكأن الرائي يعود لعدة لحظات إلى الماضي، مع أنه في الواقع لا ينتقل إلى أي مكان، بل ينقل الماضي فحسب إلى الحاضر عبر ضغط الزمن ضمن الإدراك، الذي لا يحدده الزمن ولا المكان بحد ذاتهما، لأن أي إدراك للماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى نتيجة للتناغم، وجميع التناغمات الممكنة حاضرة دائما في الشرنقة المتوهجة.

من ناحية أخرى، إذا أراد الرائي أن يتحقق، على سبيل المثال، من دوافع شخص آخر، فإنه بعد التناغم مع إدراكه يبطئ انسياب الزمن في إدراكه. وهذا الإبطاء للزمن يشبه إلى حد كبير تحليلا شديد التدقيق للحظة الراهنة بحيث تصبح حتى أدق التفاصيل وكل ظلال هذه التفاصيل متاحة للإدراك. ويمكن تشبيه ذلك بفيلم سينمائي أبطئ إلى حد يستطيع فيه المرء أن يتفحص كل إطار على حدة. ونتيجة لقدرة الرؤية على رؤية كل شيء بهذه التفصيلات، تروي كل تفصيلة للمرء قصة كاملة؛ وبجمع هذه القصص كلها معا، يبدأ الرائي في رؤية كل ما يحاول الشخص الآخر إخفاءه.

وبعبارة أخرى، بإبطائه انسياب الزمن، يمدد الرائي الزمن ضمن الإدراك، وعندها تصبح كل نوايا الشخص الآخر واضحة كأنها موضوعة على زجاج مجهر.
بطبيعة الحال، ما قيل عن براعة الرائي من التولتك يصف جانبا واحدا فقط من فنه، لأن قدرات الرائي لا تقتصر على الكائنات الحية، بل تمتد إلى الأشياء الجامدة وإلى المصفوفة الكاملة للطاقة والإدراك الكوني عموما.

ومع ذلك، بما أن فن الرائي مرتبط بالتماهي الكامل، ينبغي أن يتضح لماذا نادرا ما يشعر الرائي الحقيقي بإغراء استخدام قدراته للتجسس على المحيطين به. فالتمايز الكامل نادرا ما يكون ممتعا، إذ إن التماهي حتى مؤقتا مع مخاوف الآخرين وشكوكهم وقلقهم وعادات تفكيرهم المنحرفة أو انفعالاتهم المضطربة، وعيشها كأنها خاصة بالمرء، غالبا ما يجعل هذه التجربة غير سارة إلى حد بعيد، إن جاز التعبير.

ختاما للحديث عما يعنيه تغيير سرعة انسياب الزمن، تجدر الإشارة إلى أن حتى المحارب الذي لا يتقن الرؤية يستطيع التحكم في الزمن، وإن كان لن ينجح في تحصيل المعرفة المتاحة للرائي ما لم يتعلم التناغم بدقة مع شخص آخر. ومع ذلك، فبعد أن يتعلم التحكم في وعيه، يصبح المحارب بالفعل قادرا على تغيير سرعة انسياب الزمن، وبالتالي على صنع المعجزات. ولهذا السبب ينبغي التوقف بتفصيل أكبر عند كيفية تنظيم حياة المحارب الذي لا يتقن الرؤية في الممارسة العملية.

ينص الجانب السادس من قاعدة السالك على ما يلي: المحارب يضغط الزمن دائمًا؛ فكل معركة، كبيرة كانت أو صغيرة، هي صراع حياة أو موت، وفي ذلك الصراع الذي تكون الحياة فيه هي الرهان، يتحول البرهة إلى أبدية — أبدية تحدد نتيجة المعركة.

أولا، يقال فيه إن المحارب يضغط الزمن دائما. غير أن هذا القول لا ينبغي فهمه حرفيا، لأن كلمة «يضغط» تستخدم هنا بمعنى أوسع يختلف عن معناها السابق الذي استعملناه عند بحث تغيرات سرعة انسياب الزمن. وفي الواقع، يعني هذا القول أنه سواء كان المحارب يضغط الزمن أو يمدده، فإنه لا يهدر الوقت أبدا.

لا تعني القدرة على عدم إهدار الوقت أن المحارب يسرع بجنون ويكدس الساعات على مدار اليوم حتى تدمى أصابعه؛ بل تعني أنه يستخدم الوقت في جميع شؤونه استخداما مقتصدا وفعالا. وبعبارة أخرى، إذا كان المحارب منشغلا بعمل، فإنه يغوص فيه بكليته؛ وإذا كان نائما، فإنه يستسلم للنوم بكليته؛ وإذا كان يسترخي، فإنه يكون في سكون تام.

ومع ذلك، فمهما كان ما يشتغل به المحارب، فإنه يبقى دائما واعيا تماما بأدق تفاصيل شغله، وباستجابته لهذا الشغل، وبكل ما يتصل به وما يجري حوله. وهذا يعني أن المحارب لا يغفل أبدا عن مصيره، حتى في ساعات النوم، لأن النوم بالنسبة إلى محارب مكتمل الإعداد ليس سوى حالة معدلة من الإدراك يتوقف خلالها النشاط الجسدي العادي مؤقتا.

ويمكن قول الشيء نفسه عن الاسترخاء، لأن الاسترخاء لا يعني للمحارب مجرد إمكانية إرخاء الرأس إلى الوراء والانغماس في حالة أشبه بنعاس. فالاسترخاء هو للمحارب إمكانية لإعادة تقييم إحساسه بالمصير المحتوم في اللحظة الراهنة، لكنه يفعل ذلك في سياق الإحساس أكثر من انغماسه في نشاط ذهني أو عاطفي أو جسدي ما.

بإدراكه المستمر لكل حركة من حركاته ولكل تغير في العالم المحيط، يشعر المحارب باستمرار بنمو إحساسه بالغاية، ويدرك كيف يجسّده على أفضل وجه في إطار هذه الحياة اللامحدودة التي هو جزء منها. وبهذا المعنى، يدرك المحارب إدراكًا تامًا أنه لا توجد في الحياة مصادفات ولا صدف، وأن جميع أحداث الحياة وكل أفعاله تتضافر معًا وتشكل جزءًا من الغاية العامة لللامعبَّر عنه.

وهكذا، فإن المحارب لا يستطيع أن يترك أثره الحقيقي في الكون، أي أن يطالب بحقّه في حياة لا تشوبها شائبة، إلا بالسير في مسار مصيره الخاص بمساعدة إحساسه بالغاية.

غير أن حياة المحارب التي لا تشوبها شائبة ترتبط بالصراع طوال الحياة، أو بالأحرى بصراع متواصل من أجل الحفاظ المستمر على اليقظة والانتباه طوال التجسد الراهن. وهذا الصراع يشبه المعركة في كثير من النواحي، لأن المقاومة المستمرة للميل إلى الجمود تمثل في النهاية معركة حقيقية. غير أن الاستسلام للجمود يعني البدء في الانزلاق على حلزون نازل — ذلك الحلزون الذي يؤدي إلى التوقف التام للحركة، وبالتالي إلى التحلل والهلاك المحتوم. وفي هذا الصدد من المهم أن نتذكر أن هناك أشكالا أخرى للموت، أكثر دقة من الموت على المستوى الجسدي.

وهكذا، عندما يقال إن أي معركة هي صراع حتى الموت، فإن المقصود أن المحارب لا يقاتل من أجل البقاء على المستوى الجسدي فحسب، بل أيضا من أجل الحفاظ على الحياة بمعنى اتباع نمط حياة لا تشوبه شائبة. فنمط الحياة الذي لا تشوبه شائبة وحده هو ما يتيح للمحارب أن يترك أثره في الكون؛ وهذا الأثر بالتحديد يمثل مستقبله وخلوده.

من المهم أن نفهم أن الإنسان يفقد ما لم يستفد منه؛ ولهذا السبب يوجد في الوقت الحاضر كثير من الكائنات غير المتجسدة التي لم تعد تستطيع أن تتجسد لأنها لم تسر في مواكبة الأزمنة. وبعد أن تخلفت تخلفا ميئوسا منه في تطور وعيها، لم تعد هذه الفئة من الناس قادرة على أداء أي دور ذي شأن في تحقيق مصير غير القابل للتعبير، ولذلك أصبحت زائدة في عملية الحياة.

وهكذا فإن تعبير «صراع حتى الموت» يتضمن أكثر من معناه الحرفي، والمحارب يدرك ذلك إدراكا تاما. فالأفعال التي تُرتكب في لحظات معدودة في أي حياة قادرة على التأثير في المحارب لمدة أطول بكثير مما يستطيع الناس العاديون تصوره، والعواقب، الدوائر المنبثقة من لحظة واحدة، قد تعبر مع الوقت حدود تجسد واحد وتنتقل إلى آخر حيث تولد دوائر جديدة — تلك أيضا ستنتقل إلى الحياة التالية وهكذا دواليك.

ولهذا السبب فإن القول بأن «اللحظة تتحول إلى أبدية»، وأن «الأبدية تحدد نتيجة المعركة»، ليس مجرد استعارات، لأن أي فعل يُرتكب اليوم يشكل أساس المستقبل، كما أن كل اختبار راهن يمثل نتيجة متراكمة للماضي.

الناس مقيدون تماما بقناعتهم بأن الحياة المحدودة بسياق الزمن تُمنح مرة واحدة فقط، ونتيجة لذلك يبدأون في اعتبار كل يوم جديد من حياتهم حدثا مستقلا ما، لا صلة له على الإطلاق بالامتداد العام للحياة. وبسبب ذلك يتصرف الناس وكأن الزمن لا أهمية له على الإطلاق، وكأن عواقب أي أفعال يمكن ببساطة تجاهلها باعتبارها شيئا لا صلة له بالحاضر، وبالأولى بالمستقبل.

إن كل ما تم استيعابه حتى اللحظة الحالية يتيح فهم أن هذا النهج في الحياة ليس مجرد علامة على الجنون، بل هو أيضا الطريق الأضمن إلى تدمير الذات. ومع ذلك، ورغم ذلك، فإن البشرية ككل تكن احتراما ضئيلا جدا للحياة والزمن، حتى إن غالبية الناس لا يزالون يواصلون تبديد حياتهم في أفعال انتحارية ومدمرة للذات.

لا يضيع المحارب الحقيقي لحظة واحدة من وجوده على الأرض. فحين يعد الزمن ثمينا بل مقدسا، يتعلم المحارب بجد أفضل السبل لضغط الزمن. ولا توجد منهجية واحدة لتحقيق ذلك، لأن المحارب لا يتعلم ضغط الزمن إلا عندما يحيا التعاليم حياة كاملة. غير أنه من الضروري أن نفهم أن ضغط الزمن لا يعني محاولات «اقتصاد» الزمن من حين إلى آخر. إن ضغط الزمن يعني أن الإنسان يقظ دائما: أولا، هو يفهم أن في حياته الراهنة مصيره، وثانيا، هو مستعد دائما لالتقاط لحظة الفرصة العابرة.

ومهما حاول الناغوال أن يشرح معنى ضغط الزمن بأي طرق، فإن التلاميذ يواجهون دائما حقيقة أن هذا المبدأ لا يصبح أسهل للفهم عند محاولة تطبيقه عمليا. والسبب في ذلك هو أن ضغط الزمن، بحسب طبيعته، ليس فعلا بقدر ما هو شيء أشبه بالمزاج. وتنعكس هذه الحقيقة في القول التالي.

إن ضغط الزمن هو امتداد إلى تلك اللانهاية. التي تسمى عملية الحياة. ونتيجة لذلك يبدأ الإنسان في إدراك مصيره. بعد أن يرى مصيره في إطار الكل العظيم. فالإنسان. يمتلئ بشعور قوي بالمصير المحتوم. سرعان ما يصبح مزاجا مستوعبا لكل شيء — مزاجا. يتحول تدريجيا إلى نية.

بما أن الزمن تعبير عن المشاعر الكونية، فليس مفاجئا أن ترافق محاولات العمل مع الزمن أو التماس مع مصير المرء نشوء مشاعر معينة. غير أن المشاعر الكونية تفوق بدرجة كبيرة نطاق المشاعر الإنسانية، ولذلك فإن أي لقاء معها لا يترك في الإنسان إلا إحساسا غامضا، وإن كان واضحا تماما، بأن شيئا ما «ينقص» في حياته. وبالطبع، فإن ما يبدو له ناقصا هو في الحقيقة مصيره الذي لم يتحقق؛ ولا يبدأ هذا الإحساس في التغير إلا بعد أن يتجسد مصير الإنسان في الواقع.

في اللحظة الراهنة، من الضروري إدراك أنه ما دام الإنسان لا يعرف فيم يتمثل مصيره، فإن عنصر الزمن يتجلى في حياته على نحو يثير مزاجًا غريبًا ما يزداد مع الوقت. ويحدث ذلك بصرف النظر عمّا إذا كان الإنسان يحاول السير على طريق المحارب أم لا. علاوة على ذلك، يستمر هذا المزاج حتى عندما يحدد الإنسان مصيره ويحاول تحقيقه بوعي، وإن كان إحساسه بشيء «فائت» يتحول عندئذ إلى شعور بعدم الاكتمال.

لفهم ما يعنيه كل هذا فهما كاملا، ينبغي أن نتذكر أن جميع الناس جزيئات من الحياة ويؤدون أدوارهم في تطور هذا الكل العظيم. وهذا هو ما يسمى المصير المحتوم؛ ولتحقيق مصيره المحتوم يتجسد الإنسان من وقت إلى آخر على المستوى الجسدي ويكدس تلك المعارف اللازمة لتحقيق هذا الهدف. وفي اللحظة الحالية لا يمكن الحصول على المعارف التي يحتاجها الإنسان إلا عبر التجارب على المستوى الجسدي وما يرافقها من اختبارات تتيح للإنسان أن يتعلم كل ما يلزم.

ولهذا السبب فإن ما يسمى بالمصير يعني حرفيا المعارف اللازمة لتحقيق مصير الإنسان المحتوم. وأما كيفية حصول الإنسان على هذه المعارف، والاختبارات التي ستقوده إليها، فإنها تعتمد فقط على الإنسان نفسه في تجسده الجسدي، رغم أن الحالمين يحاولون باستمرار، طوال حياته على الأرض، أن يبينوا له اتجاه الحركة الصحيح. وهذه الإرشادات بالتحديد، وليس المعارف التي ينبغي تكديسها، هي ما يسميه الناس عادة المصير.

ونتيجة لذلك كثيرا ما يشعر الناس بأنهم ضحايا ظروف الحياة، بدل أن يبحثوا عن هدايا القوة الحقيقية التي تنشأ في طريقهم بفضل الاختبارات.
يصعب على الناس حقا أن يفهموا مصيرهم فهما حقيقيا، والسبب الأول في ذلك هو ذلك الكسوف الذي يصيب الوعي في لحظة الولادة. وبسبب هذا الكسوف لا يستطيع أي إنسان أن يتذكر لماذا تجسد، وأي المعارف يبحث عنها.

ونتيجة لذلك، لا يجد الحالم بدًا من محاولة طبع الحقيقة في وعي الإنسان، وهي أنه لا يملك وقتًا، أي لا هدف له، أو بتعبير أدق، لا هدف له لسبب أنه نسي مؤقتًا غاية تجسده. وفي هذا الصدد ينبغي التذكر بأن الهدف الوحيد للإنسان هو غايته، أي الدور الذي عليه أن يؤديه في تطور الكل العظيم، والذي يعكس تعبيره جزءًا في النية الكونية.

يظهر هذا الشعور بغياب الوقت لدى كل شخصية بصورة مختلفة، غير أن أي إنسان، عاجلًا أو آجلًا، يبدأ في إدراك مرور الوقت السريع بمعنى ما أو آخر، ونتيجة لذلك يغيّر موقفه ليس من الوقت نفسه فحسب، بل من هدف حياته أيضًا. وهذا التقييم الجديد يثير لدى الإنسان دائمًا مزاجًا واضحًا جدًا — مزاجًا قد يكون خاصًا بكل إنسان أيضًا، لكنه يملؤه دائمًا بالشعور بأن شيئًا قد فاته.

بعد بدء هذه العملية قد يحدث أحد أمرين: فإما أن يحافظ المرء على هذا المزاج ويفعل كل ما في وسعه للعثور على ما ينقصه، وإما أن يبدأ في التسليم بشكل متزايد لمختلف أشكال الهروب من الواقع، تلطيفًا لذلك الشعور المخدّر بالفراغ الذي يولده إحساسه بأن شيئًا ينقصه.

عند بدء البحث عن المفقود، يدرك الإنسان قسرًا كل ما حوله بصورة أحدّ بكثير مما كان من قبل، ونتيجة لذلك، حتى إن لم يسلك طريق المحارب، تكتسب حياته معنى مختلفًا تمامًا، وهذا يقوده ببطء ولكن بثقة إلى فهم أعمق لكيفية إدارته لوقته. ومن هذه اللحظة يبدأ التلميذ فجأة في فهم المضمون العميق لإحدى أولى العبارات التي تُعطى لكل التلاميذ في بداية التعلم.

الوقت جوهر الكمال. إن الإحساس الحتمي بالموت وحده هو ما يثير في الإنسان الرغبة في أن يتصرف بلا عيب

وهكذا يتجلى الوقت بطريقتين: أولًا، يقود الإنسان إلى لحظة إدراك أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بإهدار حياته على الأرض في توافه الأمور؛ وثانيًا، يتيح له بعد هذا الإدراك أن يفهم أن لحياته هدفًا — فالواقع أن على كل إنسان أن يحقق شيئًا خاصًا. غير أنه سواء فهم الإنسان ذلك أم لم يفهمه، فإن إدراك أهمية الوقت يُنشئ صلة بالمشاعر الكونية التي تثير فيه مزاجًا ما لا يمكن وصفه. وتحت تأثير هذا المزاج يبدأ الإنسان في البحث عن مصيره ثم في إنجازه. وبفعله ذلك يستجيب للنية الكونية، أي يبدأ في التعاون بعقل مع حالمه وفي تعلم معنى توجيه النية نحو تحقيق غايته. ومع ذلك، ينبغي في النهاية أن نفهم أن كل هذا بسيط وعميق بقدر العبارة التالية.

حين يأتي الوقت. يجب أن يمتلك الإنسان مخزونًا كافيًا من القوة الشخصية. لكي ينشر أجنحة الإدراك. ويتصل بالناغوال. وبالتونال معًا ويعرف معنى الأزل. في هذا الطيران عبر الزمن يدرك معنى النية. ثم الغاية من كل الكائنات.

في هذا الفصل لم نتناول إلا لمحة موجزة موضوعًا واسعًا للغاية هو الوقت، غير أنه وفقًا لأهداف هذا الكتاب، تكفي المعلومات المنقولة تمامًا للحظة الحالية. في بداية هذا الفصل حذرت من أن MEPV موضوع لا ينضب حقًا، وحتى تلك الأوقات التي ستفهمون فيها التعاليم ككل فهمًا أفضل، لا معنى لنا في الغوص في هذا الموضوع أعمق. وبمفاهيم المسيحية، قد تحين هذه الأوقات، وقد تنشأ فقط حين تدركون أن جوهر أي معركة، كبيرة كانت أم صغيرة، هو الصراع من أجل ضغط الوقت. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أنكم قد تلقيتم بالفعل وصفًا لكل ما يلزم لضغط الوقت، ألا وهو: درع المحارب.

إذا نظر إلى كل اختبار على أنه المعركة الأخيرة على الأرض، وإذا تناول الإنسان أي معركة من منظور الزمن، فسيستخدم غريزيًا تمامًا درع المحارب. وما عسى أن يحتاج إليه الإنسان بعد أن رفع هذا الدرع، أي بعد أن أصبح يقظًا لا يعرف الخوف، ممتلئًا بالاحترام وواثقًا تمامًا بنفسه؟.

لم يبق إلا الشروع في العمل. وهكذا، عند ضغط الوقت، يتخذ المحارب موقفًا في الشمال، في مكان الفعل، ويعمل في سياق الثاني

الجزء الثالث

عالم السحرة

الفصل العاشر

بإيجاز عن البعد الرابع

وراء عالمنا يوجد عالم آخر عجيب يُسمى عالم السحرة — متلألئ ببهاء مبهر ومشبع بقوة تبعث على الرهبة. ولكن سيكون ضربًا من الجنون أن يدخل هذا العالم من لا يملك المفاتيح، إذ إنه، مع أنه كان مطلوبًا عبر القرون من كثيرين، فإن اسمه يفسر نفسه بأن نسيجه قد حُبك فيه رفات الباحثين الذين لم يملكوا المفاتيح الواجبة.

بالنسبة لمعظم التلاميذ، ربما لا شيء في تقليد التولتك أكثر جذبًا من مفهوم العوالم الأخرى. فعلى فكرة أن التولتك قادرون على بلوغ عوالم غير مرئية تقع وراء العالم المألوف لنا، يُبنى الكثير من الحكايات السحرية، ولا تزال روايات المحاربين عن هذه العوالم تأسر الناس. غير أن هذه الروايات، مع أنها تبث في التلاميذ روح المغامرة البطولية الحقيقية، تصبح في أغلب الحالات أيضًا مصدرًا لسآمة عميقة لديهم: فروح المغامرة تولدها اعترافٌ حدسي بالطبيعة الإلهية للإنسان، أما السآمة فتكون شاهدًا ثقيلًا على حالة اللامبالاة والعجز التي تعيشها البشرية اليوم.

في أغلب الأحيان، يعجز التلاميذ ببساطة عن تخيل أنهم سيحصلون يومًا ما على قوة شخصية تكفي لإدراك عوالم أخرى، ناهيك عن بلوغها. وإذ يكونون على يقين راسخ بأنهم لا يملكون ما يلزم للمطالبة بميراثهم الإلهي، فإن هؤلاء التلاميذ كثيرًا ما يهدرون وقتًا ثمينًا في أحلام لا أساس لها بالعثور على طريقة بسيطة أو سحرية ما لنيل القوة. ولكن مع أن امتلاك القوة واستخدام سحر هذه القوة حق مقدس أصيل للإنسان، فإنه لا توجد طريقة بسيطة ولا سحرية لنيل القوة.

كثير من الناس، وقد امتلأوا بالخرافات، قد يصدقون وجود ما يسمى بالقوة الخارقة للطبيعة؛ فممارسة الطقوس وتعاطي المواد المهلوسة قد تتيح للإنسان لمحة عابرة عن حالات بديلة من الواقع، ولكن مهما يكن الأمر، لا توجد إلا قوة حقيقية واحدة تُسمى القوة الواحدة، وهي ليست خارقة للطبيعة على الإطلاق — بل هي طبيعية كأي شيء آخر في الطبيعة. وبما أنها طبيعية تمامًا، فإن القوة الواحدة لا تتجسد فجأة، كوميض برق بين سحب من الدخان، بل يجب، مثلها مثل كل نتاج للطبيعة، رعايتها وترويضها بدأب وصبر. ومع أن التولتك يمتلكون قوة عظيمة إلى حد أنهم يستطيعون صنع المعجزات، فإن هذه القوة لم تُكتسب بواسطة ما يسمى بالظواهر الخارقة للطبيعة، بل هي نتاج عمل شاق ومضنٍ على مدى عدة حيوات. وكل من يرغب يستطيع أن ينال القوة، شرط أن يكون مستعدًا للعمل من أجلها وأن يدفع مقابل امتلاكها الثمن الواجب — ثمنًا قلّ من التلاميذ من فكّر فيه بجدية وهم يعربون عن رغبتهم في السيطرة عليها.

إن بلوغ حالات الإدراك المتغيرة والدخول الواعي إلى عوالم أخرى هما، وفقًا لتقليد التولتك، مجرد مكافأتين، بل مكافأتين غير مهمتين، لمن امتلك القوة. وإذ لا يستسلم محاربو الحرية لسحر ما يلازم أفعال القوة من هذا النوع، فإنهم لا يرون فيها أكثر من وسائل لبلوغ الحرية الحقيقية. ولأنهم يعرفون من تجربتهم الخاصة، بل بشكل جيد جدًا، أن السعي إلى القوة من أجل القوة هو أحد الأعداء الأربعة الطبيعيين للبشرية، يحاول التولتك بكل السبل منع تلاميذهم من السماح لأنفسهم بأي تصرفات محسوبة لإحداث أثر ظاهري. وفي هذا الصدد كثيرًا ما يذكرونهم بأن المحارب الحقيقي ليس حيوانًا مدربًا، ولذلك لا ينبغي أن يسلك سلوكه.

روح الضحية، وروح الشفقة على الذات، والشعور بالأهمية الشخصية، مميزة إلى حد بعيد للإنسان العادي، حتى إنه رغم أن التلاميذ، كقاعدة عامة، لا يسمحون لأنفسهم بشيء من هذا القبيل، فإن معظم الناس يخطون على طريق المحارب وهم يضمرون سعيًا خفيًا إلى الارتفاع بالقوة على أمثالهم. قد يرتعد التلميذ أمام القوة الواحدة، وقد يكون مثاله الأعلى امتلاك رمح القدر وسيف القوة، لكن ما يأسرهم في الحقيقة في أغلب الأحيان هو بالضبط هذه الفكرة الساذجة إلى حد ما — اكتساب القدرة على التحكم بالآخرين بواسطة السحر. ولهذا السبب فإن قليلين جدًا منهم فقط مؤهلون حقًا لأن يعبروا صعوبات التدريب اللازم لنيل القوة الحقيقية. أما الغالبية الساحقة من الناس، رغم رغبتهم الصادقة في إتقان القوة الواحدة، فغير مستعدين لدفع الثمن المطلوب لذلك.

إيثارًا لهذا على ممارسة السحر التي تبدو للوهلة الأولى غير مقتضية لكل هذا القدر وسهلة المنال، اختار كثيرون على مدى قرون درب الشامانية، ظانين أنها ستعتقهم من ضروب القهر المختلفة وتضمن لهم بذلك النجاح في جميع مجالات الحياة. لكن لسخرية القدر، انتهى أولئك الذين أقدموا على هذا «الاقتناء» الرخيص إلى التخلي عن حلقة القوة الثانية والثالثة معًا، مضحين إلى جانب ذلك بحريتهم الحقيقية — وهو ثمن بالغ الإفراط ولا يمكن أن يبرر تلك المكاسب القليلة التي تعد بها قوة الشامان. المعرفة الحقيقية غالية الثمن فعلًا، لكن ثمنها عند من يخطون على طريق الحرية ضئيل بالمقارنة مع ما يدفعه الشامان، أما المكافأة التي ينالونها فهي بدورها أكثر جلالًا بكثير.

ينبغي، مع ذلك، أن ندرك جيدًا أن الحجم الفعلي لهذا النوع من الثمن يتحدد تمامًا بما يقرر الإنسان أن يركز عليه انتباهه بالضبط. ثمن القوة الحقيقية هو حياة من يطالب بها؛ ومع الأخذ في الاعتبار طريقة تعاملنا المعتادة مع حياتنا، قد يبدو هذا الثمن هائلًا إلى حد مرعب. أما أولئك الذين يخلصون إلى أن حياتهم الراهنة لم تعد تمثل لهم قيمة، فإن هذا الثمن، وإن ظل مرتفعًا، لا يقارن إطلاقًا بذاك الذي يتعين على الإنسان الذي لا يسعى إلى التضحية بحياته أن يدفعه. ولهذا السبب بالدرجة الأولى يقال إن أولئك الذين يخطون على طريق المحارب مستعدين للموت هم وحدهم من يمكنهم أن يأملوا النجاح، لأن إتقان القوة الواحدة يقتضي تحولًا كاملًا وتجليًا يفترض اندثار القديم في عملية إعادة البناء الكاملة لجزيرة التونال.

ولأن طريق الحرية يقتضي موت السابق، فإن معظم الناس يجدون هذا الثمن مفرط الارتفاع، حتى في الحالة التي كانت فيها طريقة حياتهم السابقة تافهة ومستنزفة للقوة. وفقط في الحالة التي يُضطر فيها التلميذ إلى الاختيار من أجل بقائه هو نفسه، يجرؤ على الإقدام على التخلي عن تلك الحياة الوحيدة التي عرفها يومًا. لذلك لا عجب في أنه حتى يومنا هذا ليس كثيرون إلى هذا الحد قادرين على إتقان القوة الواحدة إتقانًا فعليًا، مع أن آلافًا مؤلفة من الناس حاولوا نيلها «بسهولة ويسر».

أعلم أن كثيرًا من قراء هذه الكتب لن يستطيعوا مقاومة الإغراء بمحاولة الحصول على القوة بالطريقة «السريعة» — عن طريق التسلسل إلى عالم السحرة عبر الطريق «السهل». لكنني لا أستطيع فعل شيء حيال ذلك سوى أن أذكّر مرة أخرى بأعظم الأخطار الكامنة في هذا النوع من النشاط. هذه الأخطار مرتبطة بأن الناس، كقاعدة عامة، لا يتصورون على الإطلاق أي قوة تكمن في فعل الإدراك. فمعظم الناس يجدون ببساطة أن من الصعب جدًا عليهم أن يصدقوا أن العالم هو بالضبط ما ندركه، وحين يلتقون بإنسان يدركه على نحو مغاير لإدراكهم، فإنهم ينفرون من هذا الإنسان نفورًا ثابتًا، معتبرينه مجنونًا أو ناقصًا عقليًا. غير أن قليلين فقط من يسميهم الطب غير المتوازنين نفسيًا هم مرضى حقًا. بعضهم كذلك فعلًا، لكن كثيرين منهم ليسوا سوى أبناء جفوة للمجتمع الذي يخشى حالات الإدراك البديلة. على العكس من ذلك، فإن معظم المجانين الحقيقيين لا يقيمون إطلاقًا في المستشفيات والملاجئ النفسية — فكثيرًا ما يكونون هم أنفسهم أولئك الناس الذين يجلهم المجتمع مواطنين شرفاء صالحين وتجسيدًا حيًا لحكام حكماء.

في مثل هذه الحالة، ليس مثيرًا للعجب إطلاقًا أن يتمسك كثيرون جدًا في العالم كله بهذه العقائدية بتصوراتهم عما يعنيه أن يكون المرء عاقلًا ورشيدًا وعمليًا. والأقل إثارة للعجب أن كثيرين جدًا من أولئك الذين يسعون إلى نيل القوة واقعون في أشد الضلالات عبثية، وهي أن تقديم المرء حريته ذاتها قربانًا يمكن أن يمنحه إياها. ومع أن هذا النوع من الاستدلال عديم المعنى تمامًا، فإن هناك (وكان هناك دائمًا) — تخيلوا — آلافًا مؤلفة من الناس يؤمنون بجدية تامة بأن الغاية تبرر الوسيلة، ولذلك سيجد المرء دائمًا من يغتنم بسرور فرصة الحصول على قليل من القوة بأي ثمن، ما دام قد وُعد بأن ذلك سيحدث بسهولة وسرعة. أما كون هذه الوعود لا يُرجح أن تتحول إلى شيء ملموس، فيُتجاهل تجاهلًا تامًا.

ومع ذلك، فمن المثير للعجب أن نرى كم من الناس، وهم مثقفون عمومًا، تستهويهم ممارسة السحر لمجرد أنها تمنحهم، أو بتعبير أدق تعدهم بمنحهم، ميزة على أمثالهم. فبدلًا من السعي إلى نيل قوة تمنحهم الحرية من إملاءات الآخرين، يريدون إخضاعهم لإرادتهم في مجال التلاعب الاجتماعي — ويسمي التولتكيون هذه الظاهرة جنون الحلم.

إن جنون الحلم في زمن أطلانطس هو بالضبط ما أثار انشقاق الإخوة التولتكيين، وهو بالضبط ما أدى في نهاية المطاف إلى تدمير هذه القارة. لكن رغم دروس التاريخ، لا يزال كثيرون اليوم يواصلون التمادي في هذا الجنون، مع أن البشرية مرت منذ دمار أطلانطس بحربتين عالميتين. وهكذا عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل، وألفية بعد ألفية، يحاول الناس الحصول على القوة بالطريقة «السريعة»، بدخول عالم السحرة عبر الطريق «السهل»، رغم أن معظم هؤلاء التعساء دفعوا ثمنًا باهظًا لمثل هذه المحاولات الطائشة.

عالم السحرة ملك لكل إنسان، حتى لأولئك الذين لم يسمعوا به قط، لأنه هو بالضبط «الآخر». وهكذا، إذا كنت فقيرًا، فإن «الآخر» هو وفرة الثروات؛ وإذا كنت مريضًا، فإن «الآخر» هو الصحة المتينة؛ وإذا كان ينقصك العلم، فسيتمثل «الآخر» في هيئة وعاء هائل من ضروب المعرفة المختلفة؛ وإذا كنت ضحية، فإن «الآخر» يعني أن تكون منتصرًا؛ وإذا كنت تتوق إلى السلطة الدنيوية، فسيعرض عليك «الآخر» في هذا الشأن خيارًا واسعًا إلى حد تدور معه الرؤوس؛ وإذا كنت تميل إلى التصوف، فسيمنحك «الآخر» نشوة دينية لا توصف؛ وإذا كنت تحتاج إلى أسرار الشامانية، فسيتبين أن «الآخر» معمور بأعداد كثيرة من الكائنات من جميع الأنواع المتصورة، تكشف أسرارًا بالغة الإغراء. في الجوهر، «الآخر» هو كل ما يستطيع الإنسان أن يتصوره وأن يأمل فيه، وهنا بالضبط تكمن المصائد القاتلة لهذا العالم الأخاذ ذي السحر الخيالي.

كيف يمكن أن نشرح لإنسان له نظرة راسخة إلى العالم أن الخيال ليس خيالاً، وأنه يبدو كذلك فقط حين يتعارض مع التصورات المتشكلة عن الواقع؟ كيف نشرح لهؤلاء الناس أنه بقوة السحر الكامنة في فعل الإدراك يمكن تحويل ما يُسمى بالخيال إلى واقع؟ حين فكر الأخوان رايت أول مرة في الطائرة، بدا كثيرون أنهما حالمان. وحتى خطا أرمسترونغ خطواته الأولى على القمر، كانت رحلات الفضاء تُعد شأن الخيال العلمي. لكن اليوم لم يعد يُنظر إلى الطائرات ولا إلى المركبات الفضائية كأحلام بلا أساس أو خيالات مجنون — فقد صارت مألوفة بقدر السيارات. غير أنه رغم أن كثيرين قادرون اليوم على ضبط عالم السحرة على نحو صحيح ونافع لهم، فإن عدم إيمانهم بأنفسهم يمنعهم من ذلك. وفي هذا الصدد من المهم للغاية أن نفهم أنه لو لم يؤمن الأخوان رايت بأنهما يستطيعان بناء آلة أثقل من الهواء قادرة على الإقلاع، لما تمكنا من ذلك أبداً. وبالمثل، لو استمر العلماء في الإيمان بأن مركبة موجهة تتحرك خارج الغلاف الجوي للأرض مستحيلة، لظلت رحلات الفضاء حتى الآن ليست أكثر من خيال.

لا يوجد فعل أقوى من فعل الإيمان. المحارب هو من يؤمن بقدراته الإلهية ككائن سحري في الكون. أما الساحر فلا يؤمن بطاقته الإلهية الكامنة، ولذلك يشعر بالحاجة إلى إيجاد ما يمكن استخدامه بدلاً من تلك القوة التي يرى أنه يفتقر إليها.

تُظهر الحكمة المأثورة أعلاه بوضوح شديد الفرق بين المحارب الحقيقي والساحر، لكن رغم أن أخوية التولتك اتخذت دائماً موقفاً بالغ الوضوح في هذه المسألة، فإن من غرائب العقل البشري أنه أيسر عليه بكثير أن يؤمن بأن شيئاً ما لا يمكن أن يكون من أن يؤمن بالعكس. وبسبب ذلك كان يوجد في الأخوية دائماً من لا يؤمنون بالطاقة الإلهية الكامنة في الإنسان، ولم يستطيعوا كذلك الإيمان بإمكانية تكديس القوة دون عون ممارسة سحرية. هذا عدم الإيمان بالتحديد هو ما شتت أخوية التولتك طويلاً، لأن كل الممارسات السحرية تقوم على مبدأ التلاعب القسري المخالف لمحاربي الحرية.

معظم الناس، حتى المسيحيون المخلصون، لا يفهمون بأي حال أن السحر، أياً كان ما يُروى عنه في الحكايات، ليس أكثر من مجموعة محددة من الممارسات المصممة لإجبار أحدهم على تنفيذ إرادة شخص آخر. وهذا صحيح سواء كان الأمر يتعلق بطقس يستخدمه ما يسمى بالشامان لإيقاع المصائب بعدوه، أو برجل أعمال يحاول بالوسائل المالية إزالة منافسه من السوق، أو بطبيب يحاول شفاء مريض بالأعشاب، أو بمحامٍ لمجرم يحاول بتشابكات لفظية إلقاء الغبار في عيون هيئة المحلفين. أساس كل الممارسات السحرية هو التلاعب القسري، بغض النظر عما إذا كان من يستخدمها يشبه الساحر وما الذي يغطي به أفعاله تحديداً. من الحماقة الخالصة الإيمان بأن قناع الساحر هو ما يجعله ساحراً، وكذلك بأن كلمات غير مفهومة تُنطق أثناء طقوس غامضة هي ما يمنحه القوة. إن أفعال الساحر والدوافع التي تدفعه إليها هي ما تجعله ساحراً. تذكروا أنه رغم أن القاضي عادة ما يكون مرتدياً ثوباً غير عادي بالقدر ذاته، وأن المصطلحات القانونية تبدو غير مألوفة لغير المطّلع، فإن هذا لا يعني أن جميع القضاة سحرة. غير أن هذا القاضي، إذا استخدم معرفته بالقانون للتلاعب بالمحكمة كي يتوافق القرار المتخذ مع فهمه الخاص للعدالة، فهو ساحر تماماً كأولئك الذين يعترفون علناً بأنهم شامان.

يُظهر المثال أعلاه مرة أخرى كيف يولد الجهل بالحياة الخرافات عند الحمقى. عالم السحرة أكثر يسراً بكثير مما يميل معظم الناس إلى الاعتقاد، والسحرة المنهمكون اليوم في أنواع النشاط البشري العادية أكثر بكثير من أولئك الذين لا يزالون متمسكين بالأسماء والسمات والطقوس التقليدية.

ولكن ما هو إذن هذا العالم، عالم السحرة، بالضبط؟ كما سبق القول، عالم السحرة خاص بكل واحد، لكنه في جوهره عالم الاكتمال — عالم يكون فيه كل شيء ممكناً، لمجرد أنه لا فرق فيه بين ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون. وهكذا يفقد مفهوم الإمكان في هذا العالم معناه، لأن كل ما هو ممكن واقعي هنا بفضل عدم ماديته فقط — وهذه السمة تجعله النقيض التام للعالم المادي الملموس؛ ومن هنا أيضاً comes اسمه: الآخر. ومع ذلك فإن عالم السحرة ليس نقيض العالم المادي التام فحسب، بل هو، بوصفه إمكانية كل شيء، نسخة من العالم المادي أيضاً. لذلك يوجد في عالم السحرة كل ما هو معروف الآن، وكل ما كان معروفاً، وكل ما سيصبح معروفاً يوماً، ومع ذلك فكل ذلك موجود واقعياً تماماً في اللحظة الحاضرة، التي هي أيضاً الماضي والمستقبل. ومن هنا القول إن عالم السحرة متاهة بالغة التشابك. ولأن أي جزء من هذه المتاهة كامل في ذاته، فإن هذا الكل، لكي يكون كلاً، لا يمتلك بداية ولا نهاية ولا سيولة ولا تحديداً؛ وهذا العالم يتحول باستمرار في ذاته ليكون كل ما سواه. لذا فالمكان هنا هو دائماً هنا بالضبط، لكنه أيضاً هناك، ثم فجأة في كل مكان، بحيث يمكن للمراقب، أياً كان موضعه في المتاهة، أن يكون في أماكن كثيرة في آن واحد، وهو في الوقت نفسه في لا مكان، بل هنا. وبالمثل فإن الآن هو دائماً الآن بالضبط، لكنه أيضاً الآن بالضبط، قبل قليل، ثم فجأة يجد نفسه خارج الزمن. وبناءً على ذلك، فإن ذلك الاكتمال المذكور، الذي هو السمة المميزة لعالم السحرة، لا يمكن إدراكه على الإطلاق بالنظر إلى عدم ماديته.

لإدراك عالم السحرة وإيجاد طريقك عبر متاهة أشكاله المتغيرة باستمرار، لا بد من امتلاك المفاتيح التي يسميها التولتك واحداً وعشرين جوهرة للوعي. هذه المفاتيح، غير المادية بقدر عالم السحرة نفسه، تُسمى أيضاً بسبب لا شكلانيتها واحداً وعشرين نواة مجردة. غير أنه رغم أن التولتك يتحدثون عادة عن واحد وعشرين جوهرة، فإنها في الواقع اثنتان وعشرون — ويخفي هذه الحقيقة أحد أعمق الأسرار المرتبطة بالوعي وفعل الإدراك. في جوهر الأمر، إن السر المحيط بواحد وعشرين جوهرة للوعي هو نوع من «فخ-22» (تلميح إلى رواية ج. هيلر التي تحمل العنوان ذاته. والمقصود وضع متناقض داخلياً وملتبس)، إذ يكاد يكون من المستحيل إدراك عالم السحرة ولو قليلاً دون فهم هذه المفاتيح، كما أنه من الصعب للغاية دون فهم عالم السحرة استيعاب معنى المفاتيح التي هي في الحقيقة ليست مفاتيح على الإطلاق. لكن هذه هي الطبيعة الغامضة لمعظم طريق المحارب، لذا فإن السبيل الوحيد لإدراك المعنى الكامن في أي لغز هو أن يتضح أولاً ما الذي يشكل هذا اللغز بالضبط.

افهموا أنه لا توجد ألغاز في حد ذاتها، تماماً كما لا توجد مصادفات وتوافقات. كل لغز لا يبدو لغزاً إلا بسبب «الثغرات» في معرفتنا. وغني عن القول إن كل «ثغرة» من هذه تمثل علاقة متبادلة بين ما يبدو لنا نماذج متناقضة. بعبارة أخرى، إن عبثية اللغز أو استعصاءه على الحل ليست سوى وهم التناقض بين النماذج. ومع ذلك، فإن جهداً يسيراً من التفكير يكفي للتوصل إلى استنتاج أن لا شيء في الكون يمكن أن يكون متناقضاً حقاً، لأن مثل هذه الفكرة تفترض أن الكون مجموعة فوضوية من شذرات غير مترابطة — وهذا عبث واضح. ومن ثم، فإن الألغاز التي لا تُحل لا وجود لها من حيث المبدأ، وما يحدث هو فقط إصرار الإنسان السخيف على الإيمان بأن كل نموذج يخالف نموذجه الوحيد العقلاني هو بالضرورة هراء أو خيال أو، في أفضل الأحوال، لغز مستعصٍ على الحل. وفي هذا الصدد لا يسع المرء إلا أن يعجب حين يرى كم مرة يقع الإنسان العادي في أفخاخ طريقة تفكيره العقلانية ذاتها. فهو لا يخطر بباله أن كل المواقف المفارقة ليست سوى نتاج التفكير العقلاني الدائر في حلقة مغلقة، وأنه، بما أن هذه الحلقة من صنعه هو، يستطيع أن يكسرها متى شاء.

لذلك، عند التعامل مع ما يبدو لغزاً يحيط بعالم السحرة ومفاتيحه، من المهم أن نفهم أنه إذا كنا لا نريد أن نجد أنفسنا منجرين إلى دورات التفكير العقلاني، فمن الأهمية بمكان بالنسبة لنا أن ندرك، قدر ما يمكن، العلاقة المتبادلة بين عالم السحرة ومفاتيحه. ومن الأهمية بمكان أيضاً أن نتذكر أن كل الأفعال وكل الفهم عند المحاربين يقوم على نحو أو آخر على العلاقات المتبادلة، لأنه لا توجد في نهاية المطاف سوى حياة واحدة، مكوناتها متفاعلة على نحو وثيق، ومتعاضدة، ومن ثم مترابطة. لا يوجد في الكون على الإطلاق أي شيء غير مرتبط بشيء آخر، وغير متفاعل مع شيء آخر، وبالتالي غير معتمد على شيء آخر في وجوده ومقصده وجوهره. أكرر، لا يوجد شيء، أي لا شيء واحد، سوى الفراغ الواحد الذي يحتوي في ذاته الكل، أي كل شيء. ولما كان عالم السحرة هو إمكان الكل، فهو إذن بوضوح إمكان الكون المتجلي، إمكان التونال الكوني.

ولنتذكر مع ذلك الخلفية الواسعة المرتبطة بطبيعة عالم السحرة. بما أنه إمكان التونال الكوني، فإن عالم السحرة هو بالضبط ذلك الجزء من إمكان ما لا يُعبَّر عنه الذي يتحقق في اللحظة الراهنة بوصفه الكون المتجلي. بعبارة أخرى، عالم السحرة هو ما يرغب ما لا يُعبَّر عنه في الكشف عنه في تجسده الحالي، ومن ثم فإن ما ينعكس في عالم السحرة هو المقصد الرباعي لما لا يُعبَّر عنه، وبالتالي أيضاً المقصد الحقيقي وجوهر الإنسان — الكوسموس الصغير للكوسموس الكبير.

ولهذا السبب، من بين كل العوالم الممكنة، يضطر السحرة إلى تركيز كل جهودهم على إتقان العالم الآخر. غير أن ما يتبين من الحكمة المأثورة الواردة في مطلع هذا الفصل هو أن عالم السحرة لم يحصل على اسمه بسبب شعبيته بين السحرة، كما قد يبدو، بل بسبب أن كثيراً من المدعين للقب ساحر ظلوا لقرون يغذون هذا العالم بوعيهم وقوتهم الشخصية، وقبل كل شيء بجوهرهم الحيوي.

كان هذا التغذي الاصطناعي قوياً إلى حد أن هناك اليوم في عالم السحرة تجمعاً من القوة البشرية الفوضوية التي يبدو أنها صارت تعيش حياة خاصة بها، مستقلة عن القوة الكامنة في عالم السحرة نفسه. وقد انتشرت فوضى القوة البشرية هذه في عالم السحرة كله، واكتسبت على مدى آلاف السنين من العظمة ما جعلها شيئاً أشبه بالأضواء التائهة الأسطورية. وهذا بالطبع يجعل هذا العالم، الخطير أصلاً، أكثر خطورة. في الجوهر، كثير من الأساطير عن الأضواء التائهة وأبي الهول والحاربيات والكائنات الشريرة التي تحرس مفترقات الطرق وقائد الصيد المتوحش وما شابه ذلك، تقوم على أوهام تولدت عن بقايا البشر المتراكمة في متاهة عالم السحرة. يسمي التولتك هذه البقايا البشرية مرآة العدالة، والنظر فيها ينزل الأمراض أو الموت على من لا يملك مفاتيح عالم السحرة، أما من يملك القوة اللازمة لاستخدام المفاتيح فإنها تمنحه التحرر بواسطة قوة النية.

بما أن عالم السحرة يعكس المقصد الرباعي لما لا يُعبَّر عنه، ففي هذا العالم بالذات يمكن حل المشكلات المتعلقة بالمادة والطاقة والفضاء والزمن بسهولة أكبر مما في أي عالم آخر. في الواقع، لا يمكن البقاء في عالم السحرة إلا بعد إدراك معنى المادة والطاقة والفضاء والزمن ومقصدها. غير أن من المهم لهذا الغرض أن نتذكر أن المادة والطاقة والفضاء والزمن ليست بأي حال ما يتصوره فيها الإنسان العادي. لقد أوضحنا هذا جزئياً في كتاب «صرخة النسر»، وسيكون حسناً للقارئ أن يعيد بعناية هذا الجزء من التعاليم، لأن ما يرد أدناه يصعب استيعابه إلى حد ما دون فهم أسس علم الكون الواردة هناك.

على الرغم من أن مسألة الزمن قد أُلقيت عليها بعض الضوء بتفصيل أكبر في الفصل الثامن، فإنه لا يتسنى في هذه المرحلة تفسير المادة والطاقة والفضاء والزمن تفسيراً كاملاً. غير أننا ينبغي لبلوغ أهدافنا الحالية أن نحاول على الأقل التعمق أكثر في خلفية المادة والطاقة والفضاء والزمن في سياق عالم السحرة. وفي هذا الصدد ينبغي أن نتذكر أن العوالم العشرة كلها هي في الحقيقة أبعاد للوعي القائم في أربعة اتجاهات. بعبارة أخرى، عالم السحرة ليس عالماً بعيداً ما، بل هو حالة خاصة من الوعي تمثل جزءاً كبيراً جداً من هذا العالم، وهي في الوقت نفسه موجودة خارج حدوده. هذه الفكرة عسيرة الصياغة إلى حد بعيد؛ وقد يساعد هنا التشبيه بالذرة، غير أن على القارئ أن يتذكر أن الذرة في هذه الحالة ليست سوى تشبيه لواقع لا يقبل الوصف اللفظي.

لنتخيل العالم المادي الملموس، أي الكون المتجلي بكامل تمامه، على هيئة ذرة عملاقة. ولنشبه الآن المادة بالنيوترونات الخاملة الموجودة في نواة هذه الذرة، والطاقة بالبروتونات الموجبة الشحنة الموجودة هناك أيضاً. تحيط بهذه النواة طبقة يحدها إلكترونات سالبة الشحنة تدور حولها؛ وفي تشبيهنا هذا تمثل هذه الطبقة الفضاء، وتمثل الإلكترونات الزمن. ولنأخذ في الحسبان مع ذلك أنه، خلافاً للذرة حيث توجد النيوترونات والبروتونات مستقلة بعضها عن بعض، فإن الطاقة تحيط بكل المادة وتتخللها، كما أن الفضاء ليس عدماً فارغاً، بل يمثل قوة ملموسة تماماً تحيط بالطاقة والمادة معاً وتتخللهما. وبالمثل، ليس الزمن مجرد مجموع الإلكترونات الدائرة حول النواة، بل يمثل قوة واحدة كلية تحدد معالم الفضاء، وهي مع ذلك موجودة في كل مكان في الفضاء والطاقة والمادة.

على الرغم من أن هذا التشبيه يساعد إلى حد ما في تفسير مفهوم البعد الرابع، فإنه في الوقت نفسه يشوّه الواقع بالقدر ذاته الذي تشوّهه به النموذج ثلاثي الأبعاد الذي رفضناه. فالبعد الرابع لا يمكن تفسيره بمصطلحات عملية ولا توضيحه بيانياً لسبب بسيط هو أنه مجال دينامي لا مركز ثابت له. لا أعرف بأي كلمات أخرى يمكن وصفه، لكن القارئ قد يتمكن من تخيّل مثل هذا المجال في ضوء التشبيه الوارد أعلاه، ثم يتصور بصرياً مركزه الذي يتحرك باستمرار على نحو يجعل المجال يُعاد تعريفه مع حركة المركز، إذ يُسحب إلى الداخل بحركة المركز. غير أن كل موضع للمركز يحدد مجال الوجود، ولذلك لا يمكن إغفال أي منها. وهكذا فإن جميع مواضع المركز — الماضي والحاضر والمستقبل — موجودة في آن واحد. إن حركة المركز التي لا تتوقف هي بالضبط ما يشكّل البعد الرابع، إذ لو كان ساكناً لما بقي سوى ثلاثة أبعاد، ولما كان البعد الرابع — وفي هذه الحالة تطور الوعي — ممكناً.

بالعودة إلى عالم السحرة، لنتصور أن العالم المادي الملموس بأكمله، أي الكون المتجلّي، هو مجموعة نيوترونات ذرة أكبر منه. وبعبارة أخرى، فإن ما هو MEPV في الكون المتجلّي ليس في عالم السحرة سوى مادة. ولهذا بالضبط نقول إن عالم السحرة جزء من العالم العادي، لكنه موجود في الوقت نفسه خارج حدوده. وهذا صحيح بالنسبة لجميع العوالم، لأنه كلما تقدمنا صعوداً في شجرة الحياة، شمل كل عالم العالمَ السابق له من حيث المادة. وفي النهاية يجد العالم الأول نفسه محاطاً بالفراغ الذي يرمز إلى الناغوال — أي إلى اللا-شيء الذي يرمز إلى ما لا يُعبَّر عنه. وهذا، بطبيعة الحال، مجال الوجود الأول، الذي مركزه هو البعد العاشر، أي العالم المادي الملموس الذي يوجد، كما ذُكر سابقاً، في حركة دائمة يسببها تطور الوعي.

بما أننا الآن نمتلك فكرة أفضل عن الكيفية التي تتعايش بها المكونات الأربعة لـ MEPV، صار من الأسهل علينا أن نفهم لماذا ينبغي تسميتها الاتجاهات الأربعة. غير أنه ينبغي الإشارة إلى أننا لا نستطيع في هذا الصدد سوى اتخاذ الخطوات الأولى. فتعاليم التولتك مترابطة بعضها ببعض على نحو يجعل القارئ، قبل أن يفهم حقاً لماذا ينبغي تسمية MEPV الاتجاهات الأربعة ولماذا ينبغي أصلاً الحديث عن اتجاهات في هذه الحالة، مضطراً إلى دراستها بتفصيل أوسع بكثير.

لنُذكّر بأن كتاب «صرخة النسر» ذكر أن التجسيد، أي تجسيد رغبة الناغوال في تجسيد المجهول في المعلوم، هو الغاية الأساسية للتجلّي، وبما أنه لا بد أن يتحقق عبر التجربة العملية، فإن مثل هذا التجسيد لا يمكن أن يحدث، بوضوح، إلا في سياق الحياة ضمن المتجلّي. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت ثمة حاجة أصلاً إلى تجلي ما لا يُعبَّر عنه. فالتجسيد إذن هو جوهر غاية الناغوال، ولذلك يمكن أن يُسمى بحق مركز مجال الوجود، وهذا ليس مفاجئاً على الإطلاق، لأن الكون المتجلّي، كما ذُكر سابقاً، هو أعمق جوهر للتونال الكوني.

وفي الوقت نفسه يتبين أن التجسيد مرتبط بالشمال. هذه الحقيقة لا يمكن تفسيرها في هذه المرحلة، وكل ما يمكن قوله هو أن الوعي المتأصل يميل إلى التقدم الخطي، والتقدم الخطي هو الشمال المغناطيسي للكون المتجلّي. وعلاوة على ذلك، بما أن التجسيد يمثل معركة ما لا يُعبَّر عنه، فإن التولتك يسمون الشمال أيضاً ساحة المعركة. غير أنه ينبغي التذكر بأن التجسيد هو مركز مجال الوجود، وبالتالي فإن الشمال، في إطار البعد الرابع، يقع في جوهر الأمر في مركز هذا المجال. ومن هنا تنشأ عبارات من قبيل أن المعركة تحدث في الداخل لا في الخارج وأن كل المعرفة تأتي من الداخل.

التجسيد هو مركز الوجود، ولكن بما أن هذا المركز هو أيضاً ساحة المعركة، ومع مراعاة أن كل فعل ينطوي على حركة، فليس مفاجئاً على الإطلاق أن يكون مركز مجال الوجود في حركة دائمة. وبما أن كل تجسيد يميل إلى القصور الذاتي، فإن هذه الحركة الدائمة للمركز هي الأساس في فعل اللا-فعل، أي لا-فعل ما لا يُعبَّر عنه، ونتيجة لذلك يتبين أن الشمال أيضاً مكان مرتبط باللا-فعل، وهو ما يمثل، كما نعلم، فن تعقّب الذات نفسها. فما لا يُعبَّر عنه يستطيع أن يجسّد غايته، بل ويجسّدها، عن طريق تعقّب إدراكه لذاته بالضبط. وبما أن هذا التجسيد يحدث في مركز وجوده المتجلّي نفسه، فإن الشمال يُسمى مركز العالم.

الآن وقد صارت لديكم فكرة أوضح عن جوهر الشمال، من المفيد التذكير بأن التجسيد ليس أكثر من تحويل للطاقة، ولذلك فإن التولتك، حين يتحدثون عن الحركة بحد ذاتها، لا يقصدون عادةً قدر ما يقصدون حركة مركز مجال الوجود، بل تحوّل الطاقة إلى مادة نتيجة لهذه الحركة، أو بتعبير أدق، ذلك الفعل الذي يُسمى لا-فعل ما لا يُعبَّر عنه. وهكذا فإن الحركة الحقيقية هي فعل تغذية، أو بتعبير أكثر دقة، فعل تغذية حلم ما لا يُعبَّر عنه، وهو ما يرتبط، كما أشير سابقاً في كتاب «صرخة النسر»، بالجنوب. ومرة أخرى، لا يمكن تفسير أسباب ذلك هنا، وكل ما يمكن قوله هو أنه في حين أن الشمال هو مركز الفعل والتجسيد، فإن نقيضه القطبي، الجنوب، لا بد أن يمثل الطاقة اللازمة لهذا الفعل. ولكن بما أن الطاقة نتاج القوة الشخصية، فإن السبيل الوحيد لإتقان الطاقة هو الحلم، أي الوصول إلى أكبر عدد ممكن من إعدادات الإدراك.

إذا عدنا الآن إلى تشبيهنا «الذري»، فسيتضح من كل ما سبق أن المادة والطاقة تشكلان، من حيث البعد الرابع، نواةً هي الحركة. وأي حركة من هذا النوع محدودة بإطار الغاية التي تعطيها دفعتها. وبعبارة أخرى، فإن غاية الحياة المتجلّية هي إعطاء دفع للحركة — وهذا يولّد الطاقة والمادة معاً. وهذه الغاية وحدها متاحة للإحساس، لأننا في نهاية المطاف لا نستطيع إلا أن نضع افتراضات بشأن غاية ما لا يُعبَّر عنه المتجلّية. أما ما قد يشكّل الغاية العميقة لما لا يُعبَّر عنه، فهو لا يزال حتى الآن في نطاق ما لا يمكن معرفته. وبالتالي، ففي محاولاتنا لإدراك غاية الحياة، لا يمكننا في أفضل الأحوال إلا أن نستشعر طريقنا في الظلام، وهذا بلا شك فعل استكشاف للمجهول، ولذلك يتطلب محو التاريخ الشخصي.

يرتبط محو التاريخ الشخصي بالغرب، مركز الشعور، أي الشعور بالطريق في الظلام. وهذا هو نفسه انفتاح القلب، ولكن بما أنه يستتبع الإنصات بالمعنى التولتكي، فمن الواضح أن الغرب هو ما يُسمى الصوت. وبالإضافة إلى ذلك، بما أن محو التاريخ الشخصي يفتح تدريجياً اكتمال الجوهر، فإنه يجب أن يؤدي إلى فهم متزايد لمصير الحياة، أو إلى الشعور به أكثر وأكثر. غير أننا أوضحنا سابقاً أن المكان يُعرَّف بأنه نتاج الشهادة على مصير الحياة، بمعنى أن المكان هو في الحقيقة ظهور مصير الوجود وما ينكشف تدريجياً وبالتتابع مع نشوء اكتمال المصير. هذا عملياً كل ما يمكن قوله عن الطبيعة الحقيقية للمكان في هذه المرحلة، لأن شرحها الكامل ليس ممكناً بعد.

لننظر الآن إلى «الإلكترونات» التي تقابل الزمن في نموذجنا «الذري». يعرف القارئ من كتاب «صرخة النسر» أن الزمن هو المكون الأول لـ MEPV، المتجسد في ظهور الكون، وهذا ليس مفاجئاً على الإطلاق، لأن الزمن تعبير كوني عن النية (انظر الفصل 8). غير أن التلاميذ كثيراً ما يُربكهم تناقض ظاهري، مفاده أنه بما أن الزمن تعبير كوني عن النية، فهو بلا شك مشاعر غير القابل للتعبير. ومن جهة أخرى، يرتبط الزمن بالشرق، وهو مركز الرصانة، وهي خاصية العقل. وفي هذا لا تناقض البتة، لأن النية والعقل، كما يذكر القارئ ولا بد، هما وجهان متقابلان تماماً لوعي واحد، وبما أن الوعي بذاته يسبق الظهور، فالسبب الوحيد لظهور غير القابل للتعبير هو أنه بدأ الاستعراض واستمر هذا الاستعراض حتى بلغ الرصانة اللازمة لفهم ضرورة الظهور. وما إن يُبلغ هذا المستوى من الرصانة حتى تبدأ نية غير القابل للتعبير بالظهور في صورة رغبة، وهي كما سبق أن قيل في المجلدين الأول والثاني ليست فقط ما يسميه التولتك اللون، بل أيضاً أساس كل شعور، وبالتالي الزمن بالطبع.

التفسيرات الأكثر تفصيلاً لأسباب وجوب تسمية الشعور لوناً، ولأسباب وجوب ربط الزمن بالغرب، معقدة للأسف إلى حد أنها تتجاوز أغراضنا الحالية. نحن نحاول هنا فقط إعطاء القارئ بعض التصور عما يخفيه مفهوم البعد الرابع، لنتمكن على الأقل من حيازة الحد الأدنى العملي الضروري من المعارف عن عالم السحرة، الذي يقوم جوهره على عكس الكل، بما في ذلك المصير الرباعي الأوجه لغير القابل للتعبير، أي MEPV.

لا يمكن الإحاطة بـ MEPV بكامل اكتماله دون تمكّن راسخ من جميع جوانب تعاليم التولتك؛ أما في هذه المرحلة فإننا منشغلون فقط بمحاولة إعطاء القارئ تصوراً عن تلك الأسس من علم الكون التي تتجاوز حدود كتاب «صرخة النسر». ومع ذلك فقد تقدمنا بعض الشيء في فهم جوهر الاتجاهات الأربعة، ما سيتيح لنا النظر إليها في الفصل التالي من منظور الوعي، إذ لا ينبغي أن ننسى أن الاتجاهات الأربعة هي في نهاية المطاف حالات خاصة من الوعي، ولكي نفهم جوهر وطبيعة عالم السحرة علينا أن نوجه انتباهنا إليها هي بالتحديد.

الفصل الحادي عشر

واحد وعشرون حجراً كريماً

مفاتيح عالم السحرة هي واحد وعشرون حجراً كريماً، نورها المنعكس قاتل لغير المكرَّس. لكن من يمتلك قوة كافية لحيازة هذه المفاتيح هو سيد عالم السحرة، ويمكنه أن يدخله ويخرج منه بحرية ودون خوف.

يسمح النظر إلى الاتجاهات الأربعة بمصطلحات الوعي بعدة خيارات تبعاً لما يُفترض تركيز الانتباه الأساسي عليه. ولأغراضنا الحالية أنوي تفضيل الطريقة المستخدمة في شرح دور التلاميذ في جماعة التولتك. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تترك أسئلة كثيرة بلا جواب، فإن استعمالها سهل إلى حد كبير فيما يتعلق بالاتجاهات الأربعة. ومع مرور الوقت سيجد القارئ أجوبة على كل الأسئلة، لكن لمزيد من الوضوح لنلجأ أولاً إلى الطريقة الأبسط.

تتنظم فرقة التولتك وفقاً لقوانين التطور. هذه القوانين لم يصوغها الإنسان، بل اكتشفتها أجيال كثيرة من عرّافي التولتك. وأوجه الانتباه إلى هذا بشكل خاص هنا، لأنني في القسم التالي أنوي فقط أن أورد المسألة تلو المسألة، دون محاولة تقديم أي تبرير لها، إذ إن أردنا بلوغ الوضوح في هذه المسألة فليس أمامنا إلا إرجاء النظر في التفاصيل إلى وقت لاحق. فلو حاولت أن أشرح كل مسألة بالتفصيل لتشوش القارئ إلى حد لا يستطيع معه رؤية الغابة من وراء الأشجار.

إذا نظرنا إلى فرقة التولتك فسنرى أن القوة نظمتها على نحو لافت للنظر إلى حد بعيد. أولاً لنلاحظ أن كل جماعة تتكون من رجال ونساء، وأن الرجال والنساء ينقسمون في نهاية المطاف إلى أربع مجموعات محددة تماماً. بعبارة أخرى، على الرغم من أن كل إنسان فريد، فإنه وفقاً للمصير الرباعي الأوجه لغير القابل للتعبير يوجد في نهاية المطاف أربعة أنواع من الرجال وأربعة من النساء فقط. وبفضل ذلك تُربط هذه الأنماط البشرية الأربعة أيضاً بالاتجاهات الأربعة.

من المهم أن نتذكر أن المذكر إيجابي بالنسبة إلى المؤنث (انظر «صرخة النسر»)، وأن هذا يعني عملياً أن المذكر يوافق المعروف والمؤنث يوافق غير المعروف. تذكروا أيضاً أن مهمة الرجال هي تثبيت كل معرفة، بمعنى أنهم ملزمون بجعل المعرفة عملية في المجال المادي للحياة. أما مهمة النساء فتتمثل في مساعدة الرجال على استكشاف غير المعروف، وتحديداً لفت انتباههم إلى شذرات غير المعروف المهمة في ضوء جهود محددة. وكما سبق أن قيل في «صرخة النسر»، فإن هذا يجعل من الضروري قيام فعل تعاون عقلاني بين الرجل والمرأة، وهو ما يفترض بلا شك عنصر الشمولية ويستتبعه. وهكذا، على الرغم من أن الدور الريادي في الدخول إلى غير المعروف يعود إلى المرأة، فإن الرجل هو من يقود في المجال المادي عبر انفتاح القلب. ويجب ألا يقتصر الأمر على قيام التعاون العقلاني، بل يجب أيضاً توليد عنصر الشمولية، إذ بدون ذلك يستحيل تجسيد غير المعروف في المعروف. وبناءً على ذلك، يتكون كل اتجاه من الاتجاهات الأربعة في فرقة التولتك من نصف ذكوري ونصف أنثوي، مهمتهما التعاون العقلاني الذي يولّد الشمولية.

بعد إدراك ما تمثله الأنواع الأربعة من الرجال والأنواع الأربعة من النساء، سيفهم القارئ بسهولة كيف يتحد المحاربون — رجالاً ونساءً — في فرقة التولتك. ولست أنوي أن أشرح هنا بالتفصيل جوهر الأنواع البشرية الأربعة، وسأقول فقط إنها تنشأ لأن جميع الرجال والنساء لديهم استعداد طبيعي لواحد من الاتجاهات الأربعة. غير أن هذا الاستعداد لا يحدده اختيار الإنسان الطوعي، بل يحدده قبل كل شيء القصد، وإلى جانب ذلك القدر. وهكذا، فليس في وسع الإنسان أن يقرر إلى أي اتجاه ينتمي؛ وفي هذه الحالة لا يقرر ذلك حتى الناغوال. أما دور الناغوال هنا فيتمثل في أن يشير إلى التلميذ — المحارب المستقبلي في فرقته — باتجاهه ووظائفه، بمساعدة قدرته على الرؤية.

وفي هذا السياق، من المفيد أيضاً التذكير بأنه بما أن المجهول أنثوي بالنسبة إلى المعلوم، وطبيعة الأنثوي مزدوجة (الأم — المرأة)، فإن كل اتجاه نسائي في فرقة التولتك يعكس هذه الازدواجية. ونتيجة لذلك، يتألف كل اتجاه نسائي من امرأتين: إحداهما تركّز (channels) طاقة الأم، والثانية طاقة المرأة.

لفهم كيفية عمل هذه البنية، من المهم معرفة أن جميع الرجال والنساء يمتلكون استعداداً طبيعياً إما لفن الحلم (وفي هذه الحالة يسمّون الحالمين)، وإما لفن التتبع (وفي هذه الحالة يسمّون المتتبعين). فالحالمون هم أولئك الرجال والنساء الذين يتسمون بطبعهم بالتأمل الباطني، ومن ثم فهم أكثر تحفظاً وانغلاقاً نسبياً. أما المتتبعون فمنفتحون على الخارج بطبعهم، ومن ثم فهم اجتماعيون ويميلون إلى القيادة. وتظهر هذه الميول عند النساء في أن الحالمة هي التي تركّز طاقة المرأة بشكل طبيعي، والمتتبعة هي التي تركّز طاقة الأم. وبناءً على ذلك، فالمتتبعون دائماً هم «المدبّرون»، والحالمون هم الأكثر تحفظاً وانطواءً.

قبل الحديث عن البنية الحقيقية لفرقة التولتك، دعونا نعدد الأنواع الأربعة المذكورة من الرجال والنساء. تُسمى الأنواع النسائية عادةً تبعاً للرياح الأصلية الأربع، التي تتشابه خصائصها تشابهاً وثيقاً مع صفات الوعي التي ترمز إليها الاتجاهات الأربعة. وبناءً على ذلك، لدينا المرأة الشرقية، التي تُسمى ببساطة «الشرق»، ويندرج ضمنها النساء اللواتي يمتلكن استعداداً طبيعياً للرصانة. ونتيجة لذلك، تميل هؤلاء النساء إلى الحيوية واللامبالاة، ومن ثم يُشبَّهن بنسيم الصباح. والنوع التالي هو «الشمال»؛ وهؤلاء النساء مستعدات طبيعياً للفعالية (strength — القوة، القوة البدنية، مصدر القوة، المتانة، المقاومة، الفعالية)، ولهذا السبب يُشبَّهن بالريح الشمالية، إذ تهب الريح الشمالية عادةً قرب الظهيرة وتتميز بالاندفاع والقوة المدمِّرة. والغرب هو الإحساس الخالص، فمثلما تهب ريح المساء عادةً من الغرب، تميل نساء الغرب إلى التأمل والسوداوية. وأخيراً، الجنوب، المستعد للعاطفة والرعاية، يُشبَّه بريح الليل الدافئة التي تهب من الجنوب.

تُسمى الأنواع الرجالية الأربعة عادةً تبعاً لاستعدادهم الطبيعي. وبناءً على ذلك، فالشرق هو العالم، الميال إلى الرصانة، وبالتالي إلى فن الوعي. والشمال هو رجل الفعل، وكما يوحي هذا الاسم، فهو ميال إلى الفعل، وبالتالي إلى التجسيد المادي. والغرب هو رجل خلف الكواليس، لأنه يركز أساساً على محو تاريخه الشخصي، ومن ثم يميل إلى الإحساس، ولا سيما إلى فن النية. والنوع التالي هو الرسول، الذي لا يمتلك في ذاته اتجاهاً محدداً، ويمكنه الانضمام إلى أي من الاتجاهات الرجالية والنسائية.

لكي نفهم ما يعنيه انتماء الرجل إلى النوع الرابع، أي الرسول، ينبغي أن نتذكر أن الاتجاه الذي ينتمي إليه الإنسان يحدده قصده، ومن ثم فهو ثابت لا يتغير. بعبارة أخرى، إذا كان قصدك أن تكون في التجسد الرجالي عالماً، وفي التجسد النسائي امرأة من الشمال، فكلما تجسدت رجلاً ستصبح تلقائياً عالماً، وإذا تجسدت امرأة ستصبح امرأة شمالية. وفي الوقت نفسه، بما أن هدف تجسدك هو تطوير الوعي، فلو كنت قادراً على التجسد فقط في صورة عالم أو امرأة شمالية، لكان ذلك عاملاً مقيداً إلى أقصى حد. غير أن القوة تمنح الإنسان إمكانية تجاوز هذه الصعوبة بأن يتجسد أيضاً رسولاً، بفضل أن الرسول لا يمتلك اتجاهاً محدداً بحد ذاته. أي أن الرسول يمثل شيئاً أشبه بـ«الرامي الحر»، ويمكنه أن يميل إلى أي من الاتجاهات الرجالية أو النسائية، مما يتيح للإنسان اكتساب المعارف والخبرات التي تتميز بها.

وهكذا، يرافق كل اتجاه رجالي ونسائي رسول، أما الدور المحدد فيحدده القدر مرة واحدة وإلى الأبد. أي أنه إذا تجسّد الإنسان رسولاً، فإن الاتجاه الذي سيميل إليه يعتمد على ما يجب أن يتعلمه في هذه الحياة. فمثلاً، إذا كان عليه أن يتعلم الفعالية النسائية، فسوف يميل إلى نساء الشمال، وإذا كان عليه أن يتعلم الفعل الرجالي، فسيتعاون بطريقة أو بأخرى مع ممثلي رجال الفعل. وسنفصّل هذا قريباً؛ أما هذا المثال فقد أوردته هنا فقط لتوضيح جوهر الرسول على نحو أفضل. وفي هذا الصدد، ينبغي ذكر نقطة أخرى. فرغم أن الرسول غالباً ما يكون أحد الأنواع الرجالية الأربعة، فإنه يحدث أحياناً أن يتجسد في امرأة. والتفسيرات التي تبيّن سبب ذلك ستأخذنا بعيداً جداً عن أهدافنا الحالية، غير أنني أرى من الضروري ذكر ذلك، لأن نساء الرسول موجودات فعلاً.

أثناء تعرّفه على الأنواع الرجالية الأربعة، لا بد أن القارئ لاحظ أنه بما أن الرسول لا يمتلك اتجاهاً محدداً، فقد بقي مكان رجل الجنوب شاغراً. ويعود ذلك إلى أن مكان رجل الجنوب، الذي تتميز به العاطفة والرعاية والسيبا، يشغله دائماً الناغوال؛ فهذا النوع من الرجال قادر، بفضل تشكيلته الطاقية الخاصة، على أداء دور أي من الأنواع الرجالية الأربعة، وبعد اجتيازه الدورة التدريبية الكاملة — أيضاً دور الأنواع النسائية. وبناءً على ذلك، فالناغوال، بصورة عامة، ليس نوعاً من الرجال، لأنه يمثل بالمعنى الباطني الأسمى مزيجاً من جميع الأنواع الرجالية والنسائية. ولذلك يتضح أيضاً أن الدور القيادي يعود إلى الناغوال في تحديد أهداف فرقة التولتك وفي إرشادها إلى اتجاهها، لأن مهمته الرئيسية تتلخص أولاً في تعليم أولئك التلاميذ الذين سيصبحون فرقته من المحاربين، وثانياً في قيادة هذه الفرقة نحو الحرية.

إلى جانب الناغوال الذكر توجد أيضاً الناغوال الأنثى، وهي قريبة جداً منه في تشكيلها الطاقي، باستثناء واحد فقط هو أنها تمتلك خصائص الأنماط الأنثوية الأربعة وحدها. وبسبب هذا الاختلاف الجوهري في تكوينهما، يختلف تعليم الناغوال الأنثى عن تعليم الناغوال الذكر من حيث إن واجباتها لا تشمل لا التعليم ولا القيادة، بل عليها أن تساعد الناغوال على قيادة فرقة التولتك إلى الحرية. ولتوضيح هذه النقطة أستخدم عادة التشبيه التالي.

لنتصور أن فرقة التولتك هي سفينة يتألف طاقمها من محاربي هذه الفرقة، وقبطانها هو الناغوال. هدف القبطان الناغوال هو قيادة السفينة عبر محيط الحياة خلال ظلمة المجهول نحو الحرية. غير أن القبطان يجد صعوبة، من على متن السفينة، في تمييز كل الأخطار الكامنة في ظلمة المجهول، والتي نشبّهها بالشعاب المرجانية في محيط الحياة. لتسهيل قيادته للسفينة، يستعين الناغوال بخدمات الناغوال الأنثى، التي لا توجد على متن السفينة، بل تبحر في قارب صغير يسهل عليها قيادته بين الشعاب الخادعة غير المرئية من السفينة. وهكذا، تتحرك الناغوال الأنثى أمام السفينة، وتشير إلى الناغوال حيث يكمن الخطر، فتساعده على رسم أفضل مسار. من هذا التشبيه يتضح جلياً أن الناغوال الأنثى عنصر بالغ الأهمية في فرقة محاربي الناغوال، وأنها، بحكم جوهر واجباتها ذاته، منفصلة أيضاً عن الفرقة، لا جسدياً بل على مستوى الوعي. وعليه، فالناغوال الأنثى، خلافاً لبقية النساء، لا تلتزم أيضاً اتجاهاً محدداً، غير أنها، بسبب ميلها إلى القوة والحرية وقربها من الناغوال، تنتمي انتماءً واضحاً تماماً إلى الجنوب.

بعد أن تبين لنا كل هذا، يمكننا الآن أن نتحدث عن كل واحد من الاتجاهات الأربعة على مستوى الوعي. غير أنه ينبغي هنا تقديم تحذير واحد، إذ على الرغم من أننا نعتزم النظر إلى الوعي على مستوى الجواهر الإحدى والعشرين، فعلى القارئ أن يتذكر أنه، مع أن كل إنسان بعينه لديه استعداد لجوانب معينة من الوعي، فإن كل واحد من الجوانب الإحدى والعشرين كامن في تكويننا. والاستعداد لا يتمثل إلا في طبيعة المقاربة، ومن ثم فهو لا يعني بأي حال تجاهل الجوانب الأخرى أو أي استهانة بها.

إن استعداد الإنسان لجانب واحد بعينه من الوعي يتمثل، بلغة عملية، في مقاربته الخاصة للكل الكبير، وهو بالطبع البعد الرابع. وإضافة إلى ذلك، حين نحدد الاتجاهات الأربعة على مستوى الجوانب المكوِّنة لها من الوعي، فسنتحدث عن تيار القوة الجاري في عملية التجلّي، لا في إطار التجلّي. والسبب في ذلك أن تبين مسألة البعد الرابع أيسر حين نتحدث عن تيار القوة في عملية التجلّي، في حين أن تيار القوة في إطار التجلّي مرتبط بتطور الوعي في عملية النشاط الحياتي على المستوى الفيزيائي.

إن فهم المقصود بالجواهر الإحدى والعشرين للوعي غير ممكن دون مناقشة مسألة أخرى باختصار شديد. تتعلق هذه المسألة بما يسمى علم الأعداد. ويندرج في مجال هذا العلم، بين جملة أمور أخرى، تلك الحقيقة القائلة إن الأعداد تدل على إعدادات معينة للإدراك، وإن كان من الصعب جداً في هذه المرحلة تفسير سبب نسبة إعدادات معينة إلى أعداد معينة. فلنكتفِ الآن بتقرير أن الرائين التولتك، مع أنهم درسوا قوانين هذا العلم بعناية على مدى أجيال عديدة، فإن القوانين التي تحكم هذا العلم لم يخترعها التولتك، بل هي قائمة على قوانين ومبادئ كلية أدق بكثير من أي بنيات أو حسابات بشرية.

وهكذا، بعد أن نظرنا في بنية فرقة التولتك، نجد في الشرق، في جهة الشمس المشرقة، العالِم، ولما كان مثل هذا الرجل مائلاً في الأساس إلى الرصانة، فإن الجانب، أو فلنقل الجوهرة، من الوعي الرئيسية في مقاربته لتطور الوعي هو الجوهرة المسماة المعرفة، التي يُنسب إليها العدد 14. ورفيق الرجل الذي يشغل هذا الموضع في فرقة التولتك هو الحمّال، المسمى ببساطة حمّال العالِم، وهو مستعد للجوهرة المسماة التمييز، التي يُنسب إليها العدد 17. وإذا عمل هؤلاء الرجال معاً، أي إذا تحقق بينهم تعاون عاقل، فإن نتيجة جهودهم المشتركة تساوي مجموع جواهرهم. وبعبارة أخرى، إذا حقق العالِم وحمّاله تعاوناً عاقلاً فيما بينهما، فإن النتيجة ستكون المعرفة زائد التمييز، أي اكتساب معرفة جديدة عن طريق فعل التمييز.

غير أنه ينبغي أن ندرك جيداً أن المعرفة الجديدة لا يمكن أن تنشأ إلا بشرط الاستعداد، أولاً، للارتكان إلى المعرفة القائمة بالفعل، وثانياً، للتخلي عن مستوى الإدراك السابق. غير أن التخلي عن مستوى الإدراك يفترض موت القديم، لأن أي معرفة جديدة يجب بالضرورة أن تتضمن مستوى إدراك جديداً. وفي هذه الحالة بعينها يتضح أن المعرفة الجديدة تُولَّد عن طريق التمييز القائم على المعرفة الموجودة بالفعل، وهذا يستلزم بالطبع موت القديم. ويعبَّر عن ذلك بلغة علم الأعداد كما يلي

17 + 14 = 13

.

لتبين هذه الرياضيات الغريبة إلى حد ما للوهلة الأولى، ينبغي أن نأخذ في الحسبان أنه وفقاً لقواعد علم الأعداد، تُرجَع الحدود، كقاعدة عامة، أولاً إلى مجاميع أرقامها، ثم تُجمع هذه المجاميع. وإذا كانت النتيجة النهائية لهذا الجمع أكبر من 33، أُرجِع ذلك العدد من جديد إلى مجموع أرقامه، وهكذا حتى تصير النتيجة أقل من 33. وهكذا، في مثالنا لدينا:

17 + 14 = (1 + 7) + (1 + 4) = 8 + 5 = 13.

إذا كانت النتيجة النهائية أكبر من 33، ولتكن مثلاً 67، فينبغي عندئذ إرجاعها من جديد إلى مجموع أرقامها، أي

67 = 6 + 7 = 13

. وهذا صحيح حتى في الحالة التي نحصل فيها نتيجة لذلك، مثلاً، على العدد 96875. عندئذ سيكون لدينا

96875 = 9 + 6 + 8 + 7 + 5 = 35 = 3 + 5 = 8

.

سيكون من المناسب هنا أن نستطرد قليلاً فنلاحظ أن الحُملاء، شأنهم في ذلك شأن جميع الرجال، قد يكونون إما حالمين وإما متعقبين، وأنه لا يهم من هم في حقيقة أمرهم. وهذا جوهري فقط بالنسبة للاتجاهات الأنثوية، التي يتوفر في كل واحد منها بالضرورة متعقب واحد وحالمة واحدة فقط. وكذلك الناغوال (شأنه في ذلك شأن جميع الرجال) والناغوال الأنثى، بما أنها المرأة الوحيدة في هذا الدور وبأنها، بمعنى ما، ليست عضواً في الفرقة، فقد يكونان إما حالمين وإما متعقبين. كما أن النساء الحُملاء قد يكنّ إما حالمات وإما متعقبات، لأن كون المرأة حمّالة لا يؤثر بأي شكل في الطابع الأنثوي لاتجاهها.

وبالعودة إلى مسألة فرقة التولتك، نرى أن رجال الشرق يولّدون معرفة جديدة عن طريق التمييز، ونتيجة لذلك يحدث اندثار القديم. غير أن العدد المكوّن من رقمين في علم الأعداد هو نتاج العلاقة بين الأرقام المكوّنة له. لذلك فإن المعرفة، أي الجوهرة 14، تمثّل اهتزازًا شديد الخصوصية للوعي، فريدًا في تشكيلته (1 و4). ولنلاحظ أنها تحديدًا 1 و4، وليس 1 زائد 4، وهما ليسا الشيء نفسه على الإطلاق. وربما يوجد، بطبيعة الحال، عدد هائل من أنواع المعرفة الأخرى، غير أن أيًّا منها لا يمكن أن يُعدّ الجوهرة المسماة معرفة، للسبب البسيط أن تشكيلتها تختلف عن تشكيلة الجوهرة 14.

ولفهم ذلك ينبغي أن نضع في الاعتبار أن الجوهرة 14 هي في جوهرها نتاج العلاقة بين 1 و4، وتقوم على أن 14 في هذه الحالة هو 10 + 4، وليس مثلًا 7 + 7 أو 3 + 6 + 5، مما يعطي أيضًا 14. غير أن 14، المتكوّن بوصفه 7 + 7، و14، المتكوّن بوصفه 3 + 6 + 5، لهما تشكيلة طاقية مختلفة عن 14، المتكوّن بوصفه 10 + 4، مع أن كليهما يمكن أن يُعدّ معرفة. وعلاوة على ذلك، فإن 10 هو أيضًا عدد مكوّن من رقمين، أي أنه في الواقع نتاج العلاقة بين التغيّر (1) والحرية المطلقة (0). والأساس العددي هنا هو أن 10، الذي يمثّل جوهرة البراءة من العيوب، لا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة التغيّر بشرط الحرية المطلقة. وبعبارة أدق، هذا يعني أنه في غياب تغيّر الإدراك بشرط الحرية المطلقة من التلاعب الاجتماعي، ستُنتَهك البراءة من العيوب بالضرورة.

ويتضح مما سبق أنه، على الرغم من أن كل عدد 14 هو نتاج مشترك للتغيّر والثبات، فإن لا واحدًا منها مطابق للجوهرة 14، القائمة على 10 + 4. والمعنى العميق للجوهرة 14 هو أنه حين يكون الإدراك متغيرًا ومع ذلك ثابتًا، تكون النتيجة معرفة حقيقية، لكن يجب في الوقت نفسه أن يُتحصّل التغيّر بواسطة البراءة من العيوب في إطار الحياة على المستوى الفيزيائي، إذ لا يجوز أن ننسى أن المستوى الفيزيائي هو العالم العاشر وهو ما يجب أن تنمو الجوهرة المسماة البراءة من العيوب بواسطته. وبعبارة أخرى، فإن المعرفة الحقيقية، أو القوة الشخصية، هي في جوهرها البراءة من العيوب (10) زائد الثبات (4). وعلاوة على ذلك، انتبه إلى أن المعرفة الحقيقية (14)، أي القوة الشخصية المكتسبة بفضل التجربة العملية، تؤدي دائمًا إلى الحرية والتغيّر، لأن

1 + 4 = 5

.

وبالمثل، فإن التمييز، جوهرة 17، هو نتاج العلاقة بين التغيّر (1) والتوجيه (7)، لكن، كما في حالة جميع الأعداد الأخرى المكوّنة من رقمين، يجب أن يكون هذا التغيّر متجذرًا في البراءة من العيوب (10) في سياق الحياة على المستوى الفيزيائي. وبعبارة أبسط، هذا يعني أن البراءة من العيوب (10) زائد التوجيه (7) يعطي التمييز. وهكذا يُفترض أن جوهرة التمييز متغيرة بما يكفي لاستخلاص التوجيه من الصعوبات التي تخلقها الحياة على المستوى الفيزيائي، وبهذا المعنى يؤدي التمييز الحقيقي دائمًا إلى الانسجام والتوازن (8) (لأن 1 + 7 = 8)، خلافًا مثلًا للتمييز العنصري القائم على تشكيلة 1 + 25.

وفي ضوء ما سبق، أود أن أورد مثالًا على التمييز المتحيّز، لأبيّن الكيفية التي يمكن بها لتفاعل جوانب مختلفة من الوعي في سياق البعد الرابع أن يولّد ليس النتائج الإيجابية التي نسميها جواهر فحسب، بل أيضًا ظواهر سلبية إلى حد بعيد كالتمييز العنصري. وهكذا فإن حالة التمييز العنصري، القائمة على نزعة التفكير العقلاني إلى الفصل، تنتمي بلا شك إلى الشرق، لأنها مرتبطة بالرصانة، أو بالأحرى بجانبها السلبي.

وسبب هذه السلبية هو أن الوعي، أولًا، مركّز في الشرق، وثانيًا، أننا نتعامل مع تغيّر خالص (1) لا يقوم على البراءة من العيوب المكتسبة عبر تجربة الحياة، فيميل إلى التجلي في هيئة شخصية لا تملك القوة الشخصية الكافية لأن تفكر وتقرر بنفسها. وبناءً على ذلك، سيتجلى التغيّر عند这样的人 في أنه سيبقى ببساطة «يسير مع التيار»، منحازًا إلى كل ما يبدو له معقولًا إلى حد ما.

وعلاوة على ذلك، فإن هذا الشخص، لعدم امتلاكه البراءة من العيوب، لن يتقبّل صعوبات الحياة مستخلصًا منها التوجيه (7)، بل سيستسلم لإغراء تفادي تلك الصعوبات عبر تجلي الجوهرة الداكنة المسماة الإغراء (25). وبعبارة أخرى، في التمييز المتحيّز، سواء كان تمييزًا عنصريًّا أو أي شكل آخر منه، يُجري المرء تمييزًا قائمًا على تغيّر الأحمق (1) متصلًا بالإغراء (25).

ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من أن 25 يُختزل أيضًا إلى 7، فإن 7، بوصفه نتاجًا لـ 25، يتجلى في صورته السلبية — في هيئة الحاجة إلى التوجيه، وسيعطي التعادل النهائي «نتاج العلاقة بين التغيّر والحاجة إلى التوجيه»، أي 1 + (-7) = – 6. والصورة السلبية للجوهرة 6 هي ضرورة الاختيار بين القديم والجديد، متجليةً في هيئة تمييز لا يمكنه مع ذلك أن يؤدي بأي حال إلى الانسجام والتوازن (8).

ويتضح أيضًا من المثال المذكور أعلاه أنه عند اختزال الأعداد إلى رقم واحد ينبغي اللجوء كذلك إلى تغيير الإشارة في حال وقوع العدد المكوّن من رقمين في المجال من 22 إلى 32، لأن تلك الأعداد، المسماة الجواهر الداكنة، موجبة عدديًّا فقط في صورتها المكوّنة من رقمين. انتبه إلى أنني أقول «موجبة عدديًّا»، لأن الجواهر الداكنة لا تتجلى في جوهرها أبدًا بمعنى إيجابي، إلا في سياق الكل الكبير الذي تشكّل هي أيضًا جزءًا منه.

وبعبارة أخرى، توفر الجواهر الداكنة في عملية الحياة بكامل امتلائها الاحتكاك اللازم لتطور الوعي، وبهذا المعنى تُعدّ إيجابية. وبالمثل، فإن الجانب الظلي للشخصية ينشأ في إطار حياة الشخص نتيجة تفاعل الجواهر المضيئة والداكنة. ولأن ظلالنا هي عيوبنا التي تمثّل لنا جواز مرور إلى الحرية وثمنًا للقوة، فإن الجواهر الداكنة، مرة أخرى، تجعل تطور الوعي ممكنًا.

وبالعودة الآن إلى الجوهرة 13 — اندثار القديم، لنلاحظ أنه لا ينبغي أن ننسى أننا نتحدث هنا عن جانب من الوعي يؤدي إلى اندثار القديم، لا عن الموت في مستوى القوة الكلية. وهكذا فإن الجوهرة 13 تفترض أن اندثار القديم هو نتاج العلاقة بين التغيّر والوفرة غير المتجانسة. غير أنه ينبغي أن نتذكر أنه بما أن هذا العدد مكوّن من رقمين، فبالإمكان القول بالنجاح نفسه إن البراءة من العيوب (10) مقترنةً بالوفرة غير المتجانسة تعطي اندثار القديم. والأساس في ذلك هو أن اندثار القديم يجب أن يكون ذا طابع «إزالة» مدروسة لما هو غير مرغوب فيه في إطار الوفرة غير المتجانسة. ولاحظ أيضًا أنه في أي حال تحدث فيها هذه الإزالة المدروسة لغير المرغوب فيه (وهي حتمية عند وجود الوفرة غير المتجانسة)، ستكون النتيجة الثبات (4)، لأن 1 + 3 = 4.

ما يعرفه القارئ الآن عن رجل الشرق يوضح بصورة أكبر مسألة كيفية تحصيل المعرفة الجديدة عن طريق التمييز وما يترتب عليه في الواقع. علاوة على ذلك، من الواضح أن اندثار القديم لدى الشرق يحدث نتيجة التعاون العقلاني بين العالم ورسوله، وهو تعاون يؤدي إلى الحرية والتغير (5) مقترناً بالانسجام والتوازن (8) — وهاتان الصفتان تنسجمان على نحو ممتاز مع الإزالة المدروسة لكل ما هو غير مرغوب فيه.

كل ما قيل يبسّط أيضاً فهم الكيفية التي يستخدم بها محاربو الشرق من الرجال ميلهم الملازم لهم نحو أحجار كريمة محددة لتحصيل الرصانة وتنميتها بلا انقطاع. وفي هذا الصدد لا ينبغي أن ننسى أن واجب المحارب ليس تحقيق إمكاناته تحقيقاً كاملاً فحسب، بل أيضاً استكشاف هذه الإمكانات وتنميتها وفقاً لمتطلبات مصيره.

إذا تحدثنا عن نساء الشرق، فمن الممكن بينهن أن تكون هناك حالمة الشرق ومتتبعة الشرق ورسولة ملحقة بالشرق. إن استعداد حالمة الشرق هو الحجر الكريم 13، اندثار القديم. غير أننا، كما تبيّن لنا بالفعل، بما أن هذه المرأة تنتمي إلى الشرق، فإنها تحقق إمكاناتها من خلال تحصيل التقلب القائم على الإتقان. ثم، بتوجيه هذا التقلب نحو الوفرة المتنوعة (3)، تزيل على نحو مدروس كل ما هو غير مرغوب فيه في إطار الوفرة المتنوعة، فتولّد بذلك صفة الثبات (4) عن طريق اندثار القديم (13).

أما امرأة الشرق المتتبعة، فهي، إذ تتركز أساساً على تنمية الوعي من خلال الحياة على المستوى الفيزيائي، تمتلك استعداداً طبيعياً للحجر الكريم 12 — التسامح. إن التسامح الحقيقي هو نتاج الصلة بين التقلب والمصير. ويقف وراء ذلك خلفية بالغة الدقة، لأن 2 عدد ليس للمصير فحسب، بل للتواضع والفهم أيضاً. بعبارة أخرى، لا يمكن الكشف الواعي والمتقن لقوة المصير إلا من خلال تحصيل التواضع والفهم. علاوة على ذلك، بما أن 12 عدد من رقمين، يمكن القول بسهولة إن التسامح (12) هو مجموع الإتقان والتواضع والفهم. غير أنه ينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار أن التسامح الحقيقي، أي الإتقان مقترناً بقوة المصير، يولّد حتماً القدرة على الإبداع والفرح (3)، وهما يؤديان في النهاية دائماً إلى الوفرة المتنوعة (3).

يمتلك رسول الشرق استعداداً طبيعياً للحجر الكريم 2، لأن قوة المصير وصفة التواضع والفهم كلتيهما بالغتا الأهمية لهذا الرجل. وبما أن الحجر الكريم 2 عدد من رقم واحد، فإنه لا يبدو للوهلة الأولى ذا التعقيد الملازم للأعداد ذات الرقمين، غير أن هذا مجرد مثال آخر على أن العالم ليس كما يبدو للوهلة الأولى. وللتعمق في خلفية الحجر الكريم 2، لنأخذ في الاعتبار أن العدد 2 يتسم بازدواجية أساسية بين الناغوال والتونال، بمعنى أن قوة المصير ترتبط بهذه الازدواجية ارتباطاً معقداً. وهكذا فإن الحجر الكريم 2 يتعلق بالترابط بين الناغوال والتونال، ومن ثم فهو جوهر التعاون العقلاني ذاته.

نتيجة التعاون العقلاني بين المحاربين الثلاثة المذكورين هي أيضاً مجموع أحجارهم الكريمة، وهي:

2 + 12 + 13 = 9

.

الخلفية وراء ذلك هي أنه عندما تتحد قوة المصير والتسامح واندثار القديم في الشرق، تصبح النتيجة الإتمام، أو الإنجاز (يمكن ترجمة completion إلى الإتمام أو الإنجاز، ونفضّل إحدى الترجمتين تبعًا للسياق). ومع ذلك، فإن الحجر الكريم 9، شأنه شأن جميع الأعداد ذات الرقم الواحد، ليس بسيطاً كما قد يبدو، لأن هذا الحجر الكريم يتسم بالتوفيق بين صفتين متعارضتين ظاهرياً تعارضاً تاماً، وهما الثبات (4) والحرية والتغير (5). وفي إطار هذا الكتاب يستحيل تغطية جميع المسائل المتعلقة بالأعداد ذات الرقم الواحد تغطية وافية؛ ولنقل فقط إن جميع الأعداد ذات الرقم الواحد تتعلق بوعي الناغوال، أي بالوعي الأصلي، بينما ترتبط الأعداد ذات الرقمين بوعي الحالم، أي بالوعي المتطور. أما سائر الأعداد فهي مجرد تبديلات مركبة تتعلق بالحياة على المستوى الفيزيائي، أي بالمحلوم.

وهكذا، فإن النظر في الحجر الكريم 9 — الإتمام — يُظهر أن 9 يحدد، على نحو ما، المعايير الخارجية للوعي الأصلي، وهذا صحيح بالمعنى المحدد جداً، لأن 9 يدل على نطاق الترددات الاهتزازية ذاته الذي يُسمى عالم السحرة، والذي، كما تبيّن لنا بالفعل، هو في الحقيقة تعبير عن المصير الرباعي للذي لا يُعبَّر عنه، ومن ثم فهو أيضاً تعبير عن إمكاناته في تجليه الحالي. ويُفسَّر ذلك قبل كل شيء بحقيقة أن التجسيد، الذي هو في جوهره الثبات (4)، يميل دائماً إلى القصور الذاتي، ومن ثم تعارضه قوة الحرية والتغير (5) باستمرار بالضرورة. وهكذا يتبين أن الحجر الكريم 9، بالمعنى الباطني الأعلى، هو التجلي الأساسي للا-فعل، وكما قيل بالفعل في الفصل السابق، فإن هذا اللا-فعل الأولي هو ما يولّد البعد الرابع.

وهكذا، فإن مجموع أحجار الشرق الكريمة يولّد المقاومة لقوة القصور الذاتي، اللازمة لكي يُنجَز مصير الذي لا يُعبَّر عنه إلى نهايته، لا أن يُنفَّذ جزئياً. ونتيجة لذلك، تمتلك نساء الشرق صفة مشتركة هي السعي إلى الإتمام عن طريق التواضع والفهم، اللذين يولدهما التسامح واندثار القديم.

نتيجة التعاون العقلاني بين رجال الشرق ونسائه هي مجموع المجاميع المقابلة، وهي

(14 + 17) + (2 + 12 + 13) = 13 + 9 = 13

.

بعبارة أخرى، إن الصفة السائدة التي تنشأ في الشرق هي اندثار القديم، الناجم عن اندثار القديم الذي يحققه رجل الشرق استجابةً للسعي إلى الإتمام الذي تحققه امرأة الشرق. وباختصار، يتلخص ذلك في تقنية استعراض الماضي، ولهذا السبب بالتحديد يتفوق رجل الشرق دائماً على امرأة الشرق في الرصانة. علاوة على ذلك، بما أن الشرق هو أيضاً مصدر الزمن، فسيكون من المناسب أن نذكر هنا أن محاربي الشرق يتعاملون دائماً، بطريقة أو بأخرى، مع الخلفية الأعمق للزمن، ولهذا يُسمّون تقليدياً متتبعي أثر الزمن، بغض النظر عما إذا كان بعضهم قد يكون متتبع أثر أو حالمًا. لا يمكن توضيح ذلك بالتفصيل هنا؛ لقد ذكرته فقط لإتمام هذا القسم من التعليم.

باتباع اتجاه تدفق القوة الذي لديه في عملية التجلي، نصل إلى الغرب — مركز الموت والشمس الغاربة. هنا نجد رجل الكواليس، الذي يمتلك استعدادا طبيعيا للعمل مع قوة النية. لهذا السبب، فإن الجوهرة 16، المسماة التحرر بقوة النية، هي الأقرب إليه. ساعي هذا الرجل يشبهه في ميوله كثيرا، ولذلك يشعر بأفضل حال في ظلام غير المعلوم. وبناء على ذلك، يحب ساعي رجل الكواليس العمل مع الجوهرة 15، أي النور في الظلام. بما أن الغرب يقع على نفس المحور مع الشرق وهو أيضا مركز الموت، فلا شيء يثير الدهشة في أن التعاون العقلاني لهذين الرجلين يؤدي أيضا إلى موت القديم، أي

15 + 16 = 13

.

ومع ذلك، فإن خلفية الغرب مختلفة تماما عن خلفية الشرق، وهذا ليس مفاجئا، لأن الغرب على أي حال هو التضاد القطبي للشرق. بادئ ذي بدء، بالنظر إلى جوهرة رجل الكواليس، نرى أن 16 هو في الواقع 10 + 6، أي أن مجموع النزاهة (10) وفعل الاختيار بين القديم والجديد (6) يعطي التحرر بقوة النية (16). من ناحية أخرى، يمكن رؤية أن التحرر بقوة النية هو أيضا نتاج الارتباط بين التقلب (1) وفعل الاختيار بين القديم والجديد (6). ينبغي، بطبيعة الحال، أن نأخذ في الاعتبار أن التقلب المطلوب هنا يجب أن يكون متجذرا في النزاهة.

خلفية كل هذا هي أن الاختيار بين القديم والجديد مشابه جدا للتمييز، بمعنى أن مثل هذا الاختيار يجب أن يكون مدروسا، أو نزيها. ويُفسَّر ذلك بأن 6 ليس فقط جانبا من الوعي الأصلي (كونه عددا أحاديا)، بل أيضا خاصية للازدواجية الأنثوية. وبعبارة أخرى، فإن 6 هو التعبير الأساسي عن التمييز، بمعنى أنه يرتبط بالفعل الأهم للتمييز بمساعدة الإلهام الإلهي بين الأم والمرأة، وكلتاهما ضروريتان لأهداف التطور.

من وجهة نظر التولتيك، الأم هي جانب من العقل يتأثر بقوة القصور الذاتي، بمعنى أنه يميل إلى الحفظ والوحدة والثبات. أما المرأة فهي جانب من العقل يتأثر بقوة الفصل، بمعنى أنه يسعى إلى فصل المعلوم عن غير المعلوم، contributing إلى تحقيق أهداف الرجال، لأنه قبل أن يتجسد غير المعلوم بطريقة عقلانية ومفيدة في المعلوم، يجب فصلهما عن بعضهما وتشكيل تضادين قطبيين.

من ما قيل أعلاه يجب أن يكون واضحا أن عبارة التولتيك «التمييز بمساعدة الإلهام الإلهي» تعني أنه عند الاختيار بين القديم، أي الأم، والجديد، أي المرأة، يجب على المحارب ألا يبني تمييزه على أي نوع من التحيز أو الافتراض التعسفي، بل يجب أن يعتمد على الإلهام الإلهي — يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى فعل الإصغاء إلى القلب. لذلك من الواضح أن جوهرة 16 تتميز بصفة القيادة، لأن 1 + 6 يعطي فعلا 7. علاوة على ذلك، من هنا أيضا من المفهوم لماذا يجب أن يُنسب إلى الغرب الشعور، لأنه لكل من رجال ونساء الغرب عند إحساسهم بطريقهم في ظلام غير المعلوم، من المهم للغاية الإصغاء إلى القلب — مع أن غير المعلوم يُعادل الشمس الغاربة، والمعلوم — بالشمس الطالعة. وبناء على ذلك، رجل الكواليس هو رجل يعمل مباشرة مع القلب والشعور، في حين أن تضاده القطبي، العالم، يعمل مباشرة مع العقل والرصانة.

ساعي رجل الكواليس مشغول أساسا بدراسة غير المعلوم، ولذلك هو مهيأ للجوهرة المسماة النور في الظلام. جوهرة 15 هي نتاج الارتباط بين التقلب (1) والحرية والتغييرات (5)، ومن ناحية أخرى — مجموع النزاهة (10) والحرية والتغييرات (5)، لأنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن ننسى أنه، عند الحديث عن التقلب الذي هو نتاج 10، نحن نعني ذلك التقلب الذي يُستخلص من تجربة الحياة على المستوى المادي والذي ينتهي في النهاية إلى نفس النزاهة. وهكذا، فإن النور في الظلام يمكن أن ينشأ فقط بشرط تحقيق الحرية والتغييرات في إطار النزاهة.

خلفية ما قيل أعلاه هي أن النور لا يمكن أن ينشأ في ظلام الصعوبات إذا سعى الإنسان إلى التحرر منها بمحاولة تجنبها، أو حاول بطريقة ما تغيير مصيره. النور في الظلام يمكن أن ينشأ فقط نتيجة مواجهة صادقة ومفتوحة للصعوبات. الحرية والتغيير الحقيقيان هما الحرية من القيود المرهقة للتلاعب الاجتماعي والتغييرات المقابلة في صورة الأنا. وغني عن القول أن من هنا يتبع بوضوح أن النور في الظلام (15) يولد القدرة على الاختيار بين القديم والجديد (6)، لأن 1 + 5 = 6.

نرى، وهكذا، أن السمة الأساسية لرجال الغرب تتجسد في توليد الثبات (4) في مجال غير المعلوم اللاعقلاني بمساعدة موت القديم (13) من خلال التحرر بقوة النية (16) إلى جانب اكتساب النور في الظلام (15). ويتم تحقيق ذلك من خلال القيادة التي يتم الحصول عليها نتيجة الإصغاء إلى القلب (7 من 16)، المتحدة مع القدرة على تلقي الإلهام الإلهي عند الاختيار بين القديم والجديد (6 من 15)، المكتسبة مرة أخرى نتيجة الإصغاء إلى القلب.

نساء الغرب، المهيآت حصريا لجواهر أحادية الدلالة، لا يمتلكن الثبات الهادئ المميز للاتجاهات النسائية الثلاثة الأخرى، المائلة أساسا إلى الجواهر ثنائية الدلالة. لهذا السبب يسمي رفاق السلاح المحاربون نساء الغرب، وكذلك سعاةهن، بمحبة مجنونات. في هذا الصدد، يتعين على رجال الغرب كبح نساء الغرب باستمرار، لأنه بمجرد أن تبدأ إحدى فترات «الجنون» لديهن (وهو ما يحدث ليس نادرا جدا)، يسعى ساعيهن، المائل إلى الوفرة المتنوعة، إلى الانضمام إليهن، وعندها تبدأ القيامة! هذا مثال آخر على ضرورة التضادات القطبية، لأنه في كثير من الحالات، فإن «جنون» نساء الغرب هو الذي يخرج من التوازن ممثلي الشرق الهادئين إلى حد كبير وغير القابلين للاختراق في بعض الأحيان في رصانتهم.

الحالمة الغربية هي أكثر نساء الغرب «جنونًا». فهي، إذ لا تتمتع بدقة خاصة في الأحكام المنطقية، تنزع بطبيعتها إلى التقلب الخالص (1). وبما أنها متمركزة أساسًا حول القوة الواحدة، فهي لا تنزع إلى التقتير والتدقيق التافهين الشائعين في عالم البشر، ولذلك تمتلك قدرة بالغة العجب على النفاذ إلى صميم المشكلات، ماحيةً كل ما هو ثانوي. وهكذا، فإن الحالمة الغربية، المرنة إلى هذا الحد بسبب نفورها الفطري من التفاهة البشرية، قادرة على أن تسلك طريق حياتها «مقلوبةً رأسًا على عقب»، إذ لا تقبل أي تفخيم وتعاظم، بل وأقل من ذلك الشفقة على النفس، لأن هاتين الصفتين قد تعوقان نيل القوة الواحدة (1). وبهذا الطبع، لا تعير الحالمة الغربية انتباهًا أيضًا إلى التفخيم والشفقة على النفس عند الآخرين. ونتيجةً لذلك، فإنها، إن لم يُكبح جماحها، قادرة على أن تقلب كل ما حولها رأسًا على عقب بمجرد أن يخطر لها أن تنقض بضراوة على كل ما يعوق الإنسان عن إحراز إرثه الإلهي. ومن المثير للاهتمام في هذا الصدد ملاحظة أن معظم من يُسمَّين نساءً شهيدات، مثل جان دارك، كنَّ حالمات غربيات.

وفي ضوء ما تقدم ينبغي أن نضع في الاعتبار أن حجر 1 الكريم، بوصفه جانبًا من الوعي الأولي، ينزع بطبيعته إلى التقدم الخطي. ولذلك، وعلى الرغم من أن التقلب محدود بمعنى أنه متجذر في الكمال الذي يُبلَغ عبر الخبرة العملية في إطار الحياة على المستوى المادي، فإن النزعة الطبيعية إلى الاستقامة لا بد أن تتغلب فيه عند كل أنواع الخلاف. وهذا لا يعني أن الحالمة الغربية ليست كاملة في أفعالها. بل على العكس، حين تصيبها «نوبة الجنون»، يصبح فهمها للمقصد الحقيقي للحياة الوحيدة كاملًا إلى أقصى حد، بمعنى أنه يتحرر تمامًا من الشعور بالأهمية الذاتية والشفقة على النفس. غير أنها، إذ تنفر نفورًا تامًا من التفخيم والتعاظم بحد ذاته، لا تأخذ في الحسبان أيضًا موقف المحيطين من أفعالها، ولذلك، إن لم تُكبح وتُوجَّه في تلك الفترات التي تعتريها فيها «نوبة الجنون»، فقد تنطلق ببساطة نحو أهداف تنم عن الحماقة أو التهريج.

أما المتتبعة الغربية، فهي إذ تنشغل بالجانب العملي من الحياة على المستوى المادي بقدر أكبر بكثير من الحالمة الغربية، تكون أقل «جنونًا» بعض الشيء مقارنةً بالأخيرة، لكنها في الوقت نفسه، بسبب predispositionها إلى حجر 5، تنزع أيضًا إلى مقاربة الأمور بقسط من الجامح. إن حجر 5 هو، بطبيعة الحال، الحرية والتغيُّر، غير أنه إضافةً إلى كل ما قيل عن هذا الحجر ينبغي أن نضع في الاعتبار أنه أيضًا جانب من الوعي الأولي، وأنه فضلًا عن ذلك قريب جدًا من حجر 1، لأن الصفة الملازمة له هي القوة الواحدة وتجليها الرباعي، أي: الرصانة والثبات والإحساس والدفء القلبي. ونتيجةً لذلك، تكون المتتبعة الغربية في فترات «الجنون» عادةً مزيجًا عجيبًا من التجليات الأربعة للقوة الواحدة، بحيث يصبح في «جنونها» يقين واحد — وهذا اليقين هو أنها ستتصرف بحماسة وثبات في سعيها لمشاركة مشاعر عالية القيمة لكنها جامحة، فتشبه أحيانًا جرافة تكتسح كل ما يقف في طريقها.

سيؤكد أي محارب أنه إن واجهتكم صعوبة في فهم المعنى الحقيقي للحرية والتغيُّر، فعليكم أن تلتمسوا العون من المتتبعة الغربية. إن هذه المرأة ستمر على رؤاكم للعالم بجرافة بخارية بلا أي تهيب، وإن لم تفهموا بعد ذلك ما تمثله الحرية، فستعرض عليكم التغيُّر بأن تقلبوا رأسًا على عقب في نظركم إلى أنفسكم، والأرجح أنها لن تترك لكم ظل شك في أنها تعدّكم مغفلًا عديم العقل تمامًا. وبعد هذا الدرس ستحيطكم هذه المرأة، بلا أي زهو، بالحب والدفء القلبي كما تحيط العمة الحانية، وستميلح رأسكم كما تملح رأس كلبها المدلل، وإن لم تسارعوا إلى الفرار قبل ذلك فستأخذ فورًا في مراقبة كيف تستقبلون الدرس التالي! ومع أن الصحيح هو أن تكونوا تحت مراقبة المتتبعة الشرقية يعني ألا يكون لديكم ظل شك في أنكم تحت المراقبة، فإن تكونوا تحت مراقبة المتتبعة الغربية يعني، إلى جانب ذلك، أن تظلوا في شك: هل وقعتم ضحية تلاعب جدي؟

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل ما قيل حتى الآن عن نساء الغرب، فإنهما حقًا روح الفرقة التولتيكية بالمعنى الحرفي للكلمة. ولكي يقدِّر محاربو الفرقة التولتيكية نساء الغرب حق تقديرها، عليهم أن يمروا بكثير من المشاق والأخطاء المرة، لكنهم حين يفهمون أخيرًا ما يمثله في الحقيقة «جنون» هؤلاء النساء، يبدأون يحملونهن على أكفهم حرفيًا. إنهن، وهن بلا رحمة تمامًا في نزعتهن الفطرية إلى المضي قدمًا دون توانٍ، وبلا خوف في بساطتهن واستقامتهن، يصبحن خصومًا حقًا مهيبين في أي مصادمة.

وبالإضافة إلى ذلك، ونظرًا لعجزها التام عن أي تردد كان، فإن جرأة نساء الغرب بلغت حدًا يجعل وفاءهن للقضية ولرفاقهن ليس فقط لا يُجارى، بل ويدعو إلى الإعجاب حتى أعماق الروح. ولهذا السبب تضحي امرأة الغرب بنفسها من أجل رفيقها المحارب دون أن ترمش لها عين، لكنها لا تتوانى في الوقت نفسه عن منحه قسطًا من العتاب الكلامي. ومع أن هذا العتاب عادةً من النوع الذي لا يبقي من كرامة ضحيته حجرًا على حجر، فهو مع ذلك يكون في كثير من الأحيان محملًا بمعنى وعمق وبصيرة إلى حد تجعل الدموع تتقاطر لا إراديًا في عيون المحيطين. تلك هي الجمال الداخلي الحقيقي لهذه الشخصيات شديدة الخصوصية — جمال داخلي ينبع من نزعتها الفطرية إلى نكران الذات، جمال هو سيمتها الفارقة إلى أقصى حد.

ترافق نساء الغرب رسولة الغرب، التي تمتلك، كما أشرنا إليه أعلاه، استعدادًا للوفرة المتنوعة الأصناف. إن الصفة الملازمة لحجر 3 هي الثلاثية الأساسية للكون المتجلي. وعليه، فإن 3 هو نتاج صلة الوعي الأولي بالوعي النامي، لكن من جهة مقصد غير المعبَّر عنه. وهكذا، فإن حجر 3 يعني قبل كل شيء بكيفية رعاية أفضل وأفضل والحفاظ سليمًا على نتيجة الصلة بين التقدم الخطي والاحتواء الدائري، الناتج عن الوعي النامي المتمركز في مركزه. ولأن نتيجة هذا التفاعل تتبين مرتبطةً بالوعي الأولي والوعي النامي معًا، فإياها يُسمَّى الوفرة المتنوعة الأصناف.

ومع ذلك، فإن حجر 3 يُسمى أيضًا القدرة على الإبداع والفرح، لأن الصفة الملازمة له هي الرغبة الطفولية (لكن غير الطفولانية!) في إحاطة النفس بوفرة متنوعة الأصناف من أجل نيل فرح خالص، لا يقتصر سببه على التكديس فحسب، بل يشمل أيضًا القدرة على صنع شيء من الشظايا والكِسَر المكدسة، سواء كانت الأخيرة شيئًا ماديًا أو مجرد قطع شهية من المعلومات المثيرة للاهتمام. لقد واجهنا جميعًا أن الطفل قادر على البكاء، ثم يضحك في اللحظة التالية، ويبني بسعادة قلعة من الرمل، ثم يهدمها بعد الانتهاء منها بفرح مماثل، ويجمع حصى البحر بحماس كبير، ثم ينساها، إذ يلهمه فجأة شيء آخر.

يتضح مما سبق أن قوريّر الغرب، بما أن حجره هو عدد أحادي الجانب، ولهذا ميل طبيعي إلى الوعي البدئي، أكثر ميلًا بكثير إلى التقدم رأسًا دون تردد من محاولات تنظيم الوفرة المتنوعة الأصناف. وفي النهاية يتبين أن قوريّر الغرب جامع بارع، لأنه بسبب حبه للتقدم رأسًا دون تردد فيما يخص الوفرة المتنوعة الأصناف، يجمع حرفيًا كل ما يقع في مجال نظره، سواء أكان شائعات أم أعمالًا فنية أم آلات موسيقية أم قصائد أم كتبًا أم صورًا، باختصار، كل ما قد ينفع مبدئيًا. غير أن هذا الإنسان، رغم موهبته المذهلة في الإبداع الفرح، لا تسمح له حيويته الطفولية تجاه الحياة بالتوقف طويلًا على كتاب واحد، فلا يلبث أن يقرأه حتى النهاية. ومع ذلك ينبغي الإقرار بأنه، بفضل انفتاح قلبه التلقائي، قادر تمامًا على فهم مضمونه حدسيًا. وبالمثل سيعتبر إتقان آلة موسيقية معينة من مجموعته مضيعة مفرطة للوقت، رغم أن إدراكه الحدسي لأي شيء، مرة أخرى، يتيح له الارتجال ببراعة على أي منها.

ونتيجة التعاون العقلاني بين محاربي الغرب الثلاثة هؤلاء تصبح، كما في السابق، مجموع أحجارهم المقابلة، أي

1 + 5 + 3 = 9

.

معنى ذلك أن الإنجاز (9) عند الغرب الأنثوي يتحقق عبر وساطة التغير الخالص (1)، المتحد بالحرية والتغيرات (5) في سعي طفولي إلى ذلك الإبداع الفرح الذي يولّد وفرة متنوعة الأصناف (3). ومن الواضح أن هذا النوع من الإنجاز يختلف بعض الاختلاف عن ذلك الإنجاز الذي يولده الشرق، أي السعي إلى الإتمام عبر التواضع والفهم النابعين من التسامح واندثار القديم. أما إنجاز الشرق، الخاضع لمقتضيات الرصانة، فيعني الإتمام بمعنى أن لكل شيء مكانه المخصص، ولا يبقى شيء غير مرتبط بشيء آخر. وهكذا يكون الشرق دائمًا مرتبًا وأنيقًا وخاليًا من أي غموض. وأما إنجاز الغرب فغالبًا ما يفتقر إلى صفة الإتمام بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هو أقرب إلى شيء من «النظام المبعثر» الساحر إلى حد بعيد والطفولي حقًا، وسط ما لا يمكن تسميته إلا فوضى ملهمة.

وبالحديث عن نساء الغرب، نسمح لأنفسنا بالابتعاد قليلًا لنقدم للقارئ مثالًا يوضح على نحو طريف إلى حد بعيد عالمية الحقيقة الواحدة. سيكون هذا المثال واقعة معروفة على نطاق واسع من الكتاب المقدس المسيحي، حين اكتشف المسيح، عائدًا من رحلة، تلاميذه على بحر الجليل يصطادون السمك من قارب. ولما علم أنهم لم يفلحوا طوال الليل في اصطياد شيء، اقترح عليهم أن يختاروا الشبكة ويلقوا بها من الجانب الآخر من القارب. ورغم أن هذا الاقتراح بدا للتلاميذ بلا معنى، فقد أطاعوه. وحين اختاروا الشبكة التي أُلقيت، كما اقتُرح، من الجانب الآخر من القارب، شهدوا معجزة — إذ كان في الشبكة مئة وثلاث وخمسون سمكة (والمرجح أن المؤلف يعني بذلك رواية إنجيلية عن أحد تجليات المسيح لتلاميذه بعد الصلب (يو 21:1-11). ويجري الحدث في هذه الواقعة عند بحر طبرية).

تشكل هذه الواقعة مثالًا بديعًا على اصطدام العقلاني باللاعقلاني. فحقيقةً، إن لم يكن ثمة سمك على أحد جانبي القارب، فمن أين يأتي على الموضع ذاته من الجانب الآخر؟ غير أن المسيح بيّن في ذلك اليوم لتلاميذه مدى أهمية إزاحة البؤرة أحيانًا، دون التركيز حصرًا على المقدمات العقلانية. وعلاوة على ذلك، إذ اقترح عليهم أن يلقوا الشبكة من الجانب الآخر (9) من القارب، أشار لهم إلى أهمية التناغم مع عالم السحرة، الذي يتيح إمكانية صنع المعجزات.

في هذا المثال المحدد، بيّن المسيح لتلاميذه أنه من أجل التناغم مع عالم السحرة لا بد، أولًا، من إزاحة البؤرة، وثانيًا، من بلوغ التغير (1) الكافي لتغيير (5) نظرة المرء إلى العالم وصورته الذاتية، فينال بذلك الحرية (5) اللازمة للإبداع الحقيقي (3). وكانت نتيجة كل ذلك، كما نعلم، الفرح (3) الذي غمر التلاميذ حين رفعوا الشبكة المملوءة سمكًا (وبتعبير أدق، مع 153 سمكة: 153 — الأحجار المنسوبة إلى الغرب الأنثوي — 1,5 و3). وسنعود أدناه إلى مسألة التناغم مع عالم السحرة، أما هنا فقد أوردت هذا المثال فقط لأنه يوضح توضيحًا بديعًا أن الحقيقة الواحدة وحدها هي التي تكون حاضرة حيث يوجد المعرفة الحقيقية. فكل ما يفرّق ويرسم الحدود، وكل ما يدفع الإنسان إلى النظر بعين الريبة إلى الآخرين، ويثير الخصومات الدينية، يعود دائمًا إلى نقص المعرفة الحقيقية وإلى رؤية محدودة بإطار ضيق من المقدمات العقلانية الخاطئة في أغلب الأحيان.

بالعودة إلى مناقشتنا للغرب، نلاحظ أنه عندما يتعاون محاربو الغرب الذكور بعقلانية مع محاربي الغرب الإناث، فإن النتيجة، كما هي الحال دائمًا، تصبح مجموع الأحجار المقابلة، أي

(15 + 16) + (1 + 5 + 3) = 13 + 9 = 13

.

الخلفية هنا، مرة أخرى، مختلفة تمامًا عن تلك التي نراها في الشرق، لأنه رغم أن النتيجة النهائية لا تزال هي الثبات (4) عبر وساطة اندثار القديم (13)، ينبغي أن نتذكر أن هذين النوعين من الثبات مختلفان تمامًا وفقًا لقوانين علم الأعداد بسبب اختلاف مكوناتهما. وبناءً على ذلك، فإن ثبات الغرب يقوم على الشعور الخالص، ولذلك هو لاعقلاني تمامًا، في حين أن ثبات الشرق يقوم حصرًا على الرصانة، ولذلك هو تجسيد لتلك الصفاء الرصين ذاته النابع من الاستخدام المعصوم عن الخطأ للتفكير العقلاني.

وهكذا يتبيّن أن الغرب راسخ في توليده لاندثار القديم عبر الرصانة؛ والشرق بدوره راسخ أيضًا في توليد اندثار القديم عبر الإحساس. هذا هو المحور الأفقي، الذي يرمز إليه الإنسان الممدود الذراعين إلى الجانبين، الجامع بين الشمس الصاعدة والشمس الغاربة، بين الشرق والغرب. وبذلك يجسّد الإنسان في وجوده ليس المعروف والمجهول فحسب، بل أيضًا جوهر هدف الحياة وذاته على امتداد المحور الأفقي، أي على المستوى المادي. وبجمعه بين الشرق والغرب عبر توحيد القطبين المتضادين للحياة على المستوى المادي، أي الشمس الصاعدة — الحياة والشمس الغاربة — الموت، يبلغ الإنسان رسوخًا حقيقيًا، مولّدًا اندثار القديم، أو موت كل ما يعوق تقدمه على طريق الحرية، ويفعل ذلك بمساعدة الرصانة والإحساس معًا — بمساعدة العقل والقلب.

وأخيرًا، لننتبه إلى أنه بما أن الرجال والنساء في الغرب على حد سواء مركّزون في الأساس بطريقة أو بأخرى على الإحساس، فإنهم بسبب انفتاح قلوبهم يدركون أيضًا دائمًا إدراكًا حادًا واجبهم كمحاربين في المساهمة في تحقيق قدر غير المعبَّر عنه. وبفضل ذلك، وفضل حقيقة أن الفضاء يُعرَّف بأنه نتاج إدراك هدف الحياة، يُسمّى محاربو الغرب تقليديًا الحالمين في الفضاء. وهكذا، على المحور الأفقي، أو في إطار الحياة على المستوى المادي، نكتشف ضرورة استخدام فن التتبّع أولًا في إطار فن الوعي، وفن الحلم ثانيًا في إطار فن النية. وكما ذُكر سابقًا، فإن هذا لا يفترض أن جميع محاربي الغرب حالمون، لكنه يعني أنه عند التعامل مع الرصانة، من المهم للغاية تتبّع إدراك المرء باستمرار. أما عند التعامل مع الإحساس، فينبغي تنمية انفتاح القلب في النفس، وهو ما لا يتأتى إلا عبر الحلم.

لننتقل الآن إلى النظر في الجنوب، الذي يُسمّى، كما يعرف القارئ من كتاب «صرخة النسر»، بوابةً إلى عالم الناغوال. وبناءً على ذلك، ينتمي إلى الجنوب الذكوري الناغوال ورسوله. والناغوال، إذ لا ينتمي إلى نوع بشري بعينه، لا يمتلك، خلافًا لجميع الآخرين، استعدادًا لجوهرة معينة، لأن واجباته تقتضي منه الخفة ذاتها في ما يتعلق بجميع الجواهر، الذكرية والنسائية على حد سواء، وكذلك تلك الجواهر التي تُسمّى الداكنة والمحظورة. ومع ذلك، وبسبب ما يُطلب منه بوصفه قائدًا للآخرين نحو الحرية، فإن الجوهرة التي تُنسب عادةً إلى قدر الناغوال هي جوهرة 18، ومعناها الأساسي الشجاعة.

إنّ كلمة الشجاعة يفهمها كلٌّ على طريقته، لكنها في جوهرها نتاج صلة التغيّر (1) بالانسجام والتوازن (8)، وهو ما يعادل مجموع الدقة (10) والانسجام والتوازن (8). وفي الوقت نفسه، فإن الصفة المميزة لجوهرة 8 هي التوازن المنسجم القائم بين العالمين العاشر والتاسع، أي بين العالم المادي الملموس وعالم السحرة. وهذا التوازن، القائم على الانسجام والمدعوم به، هشٌّ للغاية في جوهره، وبالتالي سهل الإخلال. وعلاوة على ذلك، بما أن كل انسجام يتحدد بترابط كل ما هو حي، فإن الإنسان هو الميل بطريقة أو بأخرى إلى الإخلال بهذا التوازن، متجاهلًا ترابط الأحياء بأفعاله الجسدية أو العاطفية أو الذهنية. وبناءً على ذلك، فإن الحرية الحقيقية، كما هو واضح، مستحيلة دون انسجام وتوازن بين العالمين التاسع والعاشر، لأن العالم التاسع ليس مجرد نسخة من العالم العاشر، بل هو أيضًا مرآة ينعكس فيها قدر غير المعبَّر عنه. وهكذا، كلما اختل التوازن بين العالمين التاسع والعاشر، فإن التنافر الناتج عن ذلك، المنعكس في عالم السحرة، يولّد تشوهات في الحياة على المستوى المادي الملموس.

يستنتج مما سبق أن المعنى الحقيقي للشجاعة يتمثل في بذل الجهد لاستعادة الانسجام والتوازن معًا والحفاظ عليهما. وهذه المهمة، بسبب جهل البشر بترابط الأحياء، بالغة التعقيد في أفضل الأحوال، وهي في معظم الحالات غير قابلة للتنفيذ عمليًا. ولكن على الرغم من ذلك، كان يُطلب من الناغوال في كل العصور أن يحافظ على الأمل في وجه الصعاب وأن يُبدي المثابرة، حتى وهو يتعرض للهزيمة باستمرار. والحفاظ على الأمل حين تبدو المسألة بلا أمل، وإبداء المثابرة حين لا يُرى النور في نهاية النفق، يتطلبان شجاعة من نوع خاص، شجاعة لا يمكن وصفها بالكلمات. ولكن إذا فقد الناغوال الأمل واستسلم، فهل سيحافظ عليه أولئك الذين عليه أن يقودهم إلى الحرية؟

إنّ السبيل الوحيد أمام الناغوال لأداء قدره يتمثل في التوفيق بين جانبي الوعي كليهما اللذين تشكّلان جوهرته. وبعبارة أخرى، على الناغوال أن يسعى إلى التوفيق بين التغيّر (1) والانسجام والتوازن (8) — وهما جانبان متوافقان تمامًا في جوهرهما، لحسن الحظ. وفي المحصلة، يتلخص ذلك في أنه على الناغوال أن يبذل كل جهد ليكون على قدر من الدقة في إدراكه بحيث يجد السبل والوسائل التي يمكن بها بلوغ درجة صغيرة ولو من الحرية وسط الفوضى والعواصف التي تولّدها البشرية في العالمين التاسع والعاشر على حد سواء. وكلما نجح الناغوال في بلوغ نتيجة متواضعة كهذه، تتحقق ماديًا على الأقل أصغر ذرة من غير المعبَّر عنه. ويحدث التحقق المادي عبر الإنجاز، لأن الشجاعة المذكورة آنفًا تتلخص فيه:

1 + 8 = 9

.

يعين الناغوال في عمله الشاق الناغوال-المرأة. أود أن أوضح هنا دورها، على الرغم من أن الناغوال-المرأة، بالمعنى الدقيق، ليست جزءًا من الفرقة. ومع ذلك، وبفضل صلتها الوثيقة للغاية بالناغوال، تصبح جزءًا من الجنوب الذكوري أكثر مما هي جزء من الجنوب النسائي.

إنّ جوهرة الناغوال-المرأة هي 9، أي الإنجاز، وهذا بحد ذاته يقول للتلميذ الفطن الكثير. و9 ليس فقط مجموع الاتجاهات النسائية الأربعة جميعها في فرقة التولتك، بل هو أيضًا جوهرة الناغوال-المرأة. وهذا ليس مفاجئًا على الإطلاق إذا تذكّرنا أن الناغوال-المرأة تمتلك خصائص الأنواع الأربعة جميعها من النساء. وفي الوقت نفسه، فإن ما يميز جوهرة 9 هو أحد أعظم مفارقات تعاليم التولتك، ألا وهو التوفيق بين الجوهرتين 4 و5، لأن 9، وفقًا لقوانين علم الأعداد، هو 4 + 5. أما الجواب عن سؤال لماذا بالتحديد 4 + 5، وليس مثلًا 6 + 3 أو حتى 3 + 3 + 3، فإنه يخرج عن نطاق هذا الكتاب؛ ولنكتفِ في الوقت الحالي بتقرير أهمية هذه الحقيقة.

نذكّر بأن قدر الناطق الذي لا يُعبَّر عنه يتمثل في تجسيد غير المعروف في المعروف، غير أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا عبر الخبرة العملية المكتسبة في أثناء الحياة على المستوى الفيزيائي، سواء كان هذا المستوى الفيزيائي ملموسًا أم غير ملموس. وكما نعرف بالفعل، فإن تحقيق هذا القدر هو ما نسميه التجسد، ولكن بما أن كل تجسد يميل بطبيعته إلى القصور الذاتي، فإن خطر أن تتوقف عملية التطور قبل أن يتحقق التحقيق الحقيقي لقدر الناطق الذي لا يُعبَّر عنه يظل قائمًا دائمًا. وينبغي أن نضع في الحسبان أن قوة القصور الذاتي هي في نهاية المطاف تجلٍّ سلبي لتلك القوة نفسها التي نتحدث عنها بوصفها الاستقرار (4). ولكي يكون فعل ما، بما في ذلك تجسيد غير المعروف في المعروف، ذا معنى حقًا، يجب أن يستند إلى الاستقرار، وهذا بالضبط هو موضع الخطر المذكور آنفًا.

وهكذا، فإن قوة القصور الذاتي (-4) الكامنة في الاستقرار (+4) يعارضها وجه الوعي المسمى الحرية والتغيرات (5)، وفي هذا بالضبط تكمن المفارقة، إذ من الواضح أن (-4) + 5 = 1، لكن ليس 9 بأي حال.

أساس هذه المفارقة هو السؤال عن كيف يمكن أصلًا تحقيق التحقيق إذا كان كل شيء في حالة تغير دائم (1). لقد أجبنا في الحقيقة عن هذا السؤال في الفصل السابق، حين تبيّن لنا في أثناء النظر الموجز في طبيعة البعد الرابع أن مركز كرة الوجود في حركة دائمة، أي في حالة تغير دائم (1).

ويترتب على الاستنتاجات التي خلصنا إليها آنذاك أن تغير مركز كرة الوجود ينشأ من أن الحرية والتغيرات (5) تعارضان قوة القصور الذاتي (-4). غير أنه ينبغي أن نضع في الحسبان أنه رغم الميل الطبيعي للتجسد إلى القصور الذاتي، فإنه لا يمكن أن يحدث إلا لأن الاستقرار (+4) الكامن في MEPV نفسه هو ما يجعل تحقيق قدر الذي لا يُعبَّر عنه ممكنًا.

وبعبارة أخرى، لدينا من جهة مجموع استقرار MEPV والنزوع إلى الحرية والتغيرات (5) الذي يولّد التحقيق (9)، ولدينا من جهة أخرى مجموع قوة القصور الذاتي (-4) والنزوع إلى الحرية والتغيرات (5) الذي يولّد التغير الدائم (1) للتجسد. غير أن الأمر اللافت للغاية في هذا الصدد هو أن قوة القصور الذاتي والاستقرار ليسا قوتين مختلفتين، بل قوة واحدة نفسها تتجلى في الوقت ذاته في وجهين مختلفين لها، وكلاهما يعمل في انسجام تام مع الحرية والتغيرات.

ونتيجة هذه المفارقة الغريبة هي أن تجسد قدر الناطق الذي لا يُعبَّر عنه، رغم استمراريته، يظل في حالة تغير دائم، بحيث يصبح الركود المبكر مستحيلًا من أي وجه. ولهذا السبب بالتحديد يمكن القول إن عالم السحرة هو عالم التحقيق، لأنه يضيف نفسه إلى نفسه طوال الوقت، فيصير بذلك ما شاء. وينبغي للقارئ أن يدرك أننا نتحدث عن واحدة من أكثر الظواهر إثارة في الكون — عن كيف يمكن التحقيق الذي هو في الحقيقة اقتراب لا ينقطع من التحقيق.

ترتبط بهذه الظاهرة المبهرة أيضًا الطبيعة الحقيقية للحاضر الأبدي، إذ إن في عالم السحرة، وبالتالي ضمن إطار حجر الكريم 9، يتعايش الماضي والحاضر والمستقبل في صورة إمكانية واحدة. وكل وجه من أوجه هذه الإمكانية قادر على أن يتجسد، وبسبب حالة التغير الدائم، فإنه متى تجسد مرة واحدة لم يكن له بداية ولا نهاية، ولا ماضٍ ولا مستقبل، لأن ما كان وما هو كائن وما هو ممكن يتعايش ضمن إطار الإمكانية كلًا مترابطًا، أجزاؤه ليست مترابطة ترابطًا كاملًا فحسب، بل تتفاعل أيضًا باستمرار على نحو يجعل كل لحظة حاضرًا، ويجعل كل حدث ضمن الحاضر تحقيقًا.

وهكذا، يمكن الاستنتاج مما سبق أن امرأة الناغوال، بما لديها من تهيؤ لحجر الكريم 9، تجسد بالمعنى الباطني الأسمى طبيعة عالم السحرة وقدره. وعلاوة على ذلك، بما أن جميع الاتجاهات الأنثوية تعطي في مجموعها 9، فليس من العسير أن نفهم أن امرأة الناغوال يجب أن تمتلك خصائص الأنواع الأربعة كلها من النساء. ثم بما أن امرأة الناغوال تجسد طبيعة عالم السحرة وقدره، فليس ثمة أي عناء على الناغوال المدرَّب تدريبًا كاملًا في أن «يقرأ» في وجود امرأة الناغوال انعكاسات أعمال البشرية في عالم السحرة. ولهذا السبب بالتحديد يمكن القول إن امرأة الناغوال تساعد الناغوال على تحديد موضع أكبر تهديد أو خطر في اللحظة الراهنة. وبسبب هذه القدرة لها، تُسمى امرأة الناغوال تقليديًا المنارة، التي على شعاعها يقود الناغوال سفينته، أي فرقة المحاربين.

التعاون العاقل بين الناغوال وامرأة الناغوال يؤدي إلى مجموع حجري كريميهما، أي

18 + 9 = 18

.

وخلفية ذلك أن امرأة الناغوال تبلغ أعلى درجات الشجاعة والاكتمال الحقيقي حين تحقق قدرها بالتعاون مع الناغوال، لأن 18 يساوي 9. ومن جهة أخرى، يتبين من هذه المساواة الأخيرة أن الناغوال يكتسب من خلال التعاون مع امرأة الناغوال شجاعة مضاعفة، وبما أن المطلوب منه شجاعة تتجاوز إمكانات الإنسان العادي، فإن كل ناغوال يُقدّر هذه الإضافة فوق كل شيء في العالم. وإذ يكونان معًا، يمنح الناغوال وامرأة الناغوال كل منهما الآخر شجاعة، ويسعيان معًا إلى الاكتمال، لكن في أعماقهما يعرف كل منهما أنه لن يستطيع أبدًا بلوغ النصر الحقيقي. فامرأة الناغوال، شأنها شأن سلفها — عالم السحرة، قادرة في أفضل الأحوال على البقاء في تحولات دائمة، فتصير ما شاء في أثناء تحقيق قدر الناطق الذي لا يُعبَّر عنه. أما الناغوال فهو قادر في أفضل الأحوال على الاحتفاظ بالأمل في أن كل حصة صغيرة من الحرية يُحرزها تدل على أن جهوده لاستعادة الانسجام والتوازن والحفاظ عليهما لم تذهب سدى، حتى مع أنه يتلقى الهزيمة كل دقيقة وكل يوم. غير أن طبيعة هذين الكائنين وميولهما تجعلانهما غير قادرين على أن يكونا سعيدين وراضيين حقًا دون أن يحاولا ابتكار وسيلة لتحويل معركة ميؤوس منها إلى معركة يمكن، من حيث المبدأ على الأقل، كسبها.

وفي صلة بما سبق، من المناسب أن نتذكر كوريير الناغوال، الإنسان المهيأ أساسًا لحجر الكريم 20، أي النُبل، إذ ينبغي أن نضع في الحسبان أن النُبل هو في نهاية المطاف الجوهر الباطني للمحارب. وفي الوقت نفسه، وكما قيل مرارًا، يفهم المحارب النُبل على نحو مختلف تمامًا عن الإنسان العادي. فالنُبل الحقيقي نتاج ارتباط التواضع والفهم (2) بالحرية المطلقة (0).

رغم أننا ناقشنا بالفعل حجري الكريم 2 و0، فسيكون من المناسب تمامًا أن نتوقف بشيء من التفصيل عند المعنى العميق لحجر الكريم الغامض الذي لا يحمل عددًا، فمع أننا ننسب إلى هذا الحجر الكريم العدد صفر، فإنه يعني في جوهره لا شيء، أي اللا-شيء.

إن الإيفاء حق بلورة 0 في هذا الكتاب غير ممكن بأي حال، لأنه، والحق يقال، يمكن تكريس مجلدات كثيرة لبلورة واحدة فقط، ومع ذلك فمن المرجح أكثر من المحتمل أن القارئ حتى حينها لن يشعر أنه صار أكثر اطلاعا، إذ كيف يمكن تفسير شيء هو في جوهره لا-شيء. لذلك دعونا نكتفي لأغراضنا الحالية بالإقرار بأن بلورة 0، بما أنها لا-شيء، هي بداية كل البلورات وحاضرة في كل واحدة منها. وعلى غرار سلفها — روح الإنسان، الناغوال — فإن بلورة 0 هي فراغ يحتوي كل شيء، فمهما بدا ذلك متناقضا، فإن الفراغ هو أساس الوعي، إذ في هذا الفراغ تنكشف طبيعة كل موجود وجوهره وغايته في الحاضر الأبدي. وفي إطار هذا الفراغ، أي ذلك الجانب من الوعي الذي لا ينسب إليه أي عدد، لا تنشأ أي أسئلة، لأنه لا يوجد هنا شيء معد للفهم. وبالمثل لا توجد في إطار الفراغ حرية، لأنه لا يوجد هنا شيء يمكن أن يكون المرء حرا منه. ولهذا السبب يسمى حرية مطلقة. غير أنه لا ينبغي فهم ما قيل حرفيا، لأن لا-شيء لا يعني الفراغ. فالقول بأن الفراغ لا-شيء يعني فقط أنه ليس ما يمكننا التعبير عنه بالكلمات، لأنه في جوهره هو ما لا يعبر عنه.

من كل هذا يتضح أن النبل الحقيقي نتاج ارتباط التواضع والفهم (2) والفراغ (0). والخلفية الكامنة وراء ذلك واسعة إلى حد أن نقلها بالكلمات عسير للغاية. والأجدر أن نتحدث عنها في سياق مقولة الفيلسوف سقراط الأكثر عمقا: «أنا أحكم إنسان في العالم، لأني وحدي أعرف أني لا أعرف شيئا».

في هذه المقولة اللامعة حقا حاول سقراط، بقدر ما كان ذلك ممكنا بالنسبة له، أن يعبر بالكلمات عن الجوهر الحقيقي للنبل؛ أما محارب التولتك، الملم جيدا بخواص الكلمات، فهي تقول له حقا أكثر من مجلدات كاملة. غير أن الكشف عن كل دقائقها يتطلب شروحا مطولة جدا، وأنا شخصيا لطالما حملت تجاه سقراط حسدا لا حد له في هذا الصدد، إذ حتى لو كان من هو ملم جيدا بخواص الكلمات قادرا على التعبير عن كل ما يلزم، فإن المشكلة تكمن في أن التلاميذ الذين يخطون على طريق المحارب لا يكونون أبدا مهيئين جيدا. أما استنادا إلى تعليم سقراط، فإن تلاميذه كانوا يأتون إليه وهم متعلمون تماما!

غير أنه ينبغي مع ذلك أن نضع في الاعتبار أن معنى تصريح سقراط هذا يكمن في معظمه في الاعتراف بالتواضع، فقد كان سقراط يفهم من الحياة ما يكفي ليدرك أن أحدا منا لا يعرف الكثير فيما يتعلق بالحياة بالمعنى الأوسع، الحياة التي نحن جميعا وحداتها. ولا يستطيع إلا غبي جاهل حبس نفسه في غلاف ضيق من آرائه عن العالم أن يظن أن عقله المنطقي قادر على تقديم جواب على أي شيء. وهكذا، فبإقراره أنه يعرف أنه لا يعرف شيئا، كان سقراط في جوهر الأمر يتراجع في تواضع أعظم، مطأطئا رأسه، لأنه كان مستعدا تماما للاعتراف بأن حتى كل حكمته كفيلسوف لا شيء مقارنة بما لا يعرفه. وهذا الفهم، الذي يستتبع حتما التواضع، يكشف بحد ذاته عن رجل حكيم جدا.

وعلاوة على ذلك، حين قال سقراط عن نفسه «أنا وحدي»، كان يعني ذاته الكلية الواحدة، امتلاء الذات، وكلمات «أنا وحدي أعرف» تعني في الواقع «أنا، الكلي الواحد، أعرف». ويبدو واضحا أن المعرفة الحقيقية الوحيدة الممكنة هي معرفة الذات، أي معرفة امتلاء الذات — الكلي الواحد، وحين تصبح هذه المعرفة واعية تماما، يستطيع المرء حقا أن يقول: «أنا، الكلي الواحد، أعرف» أو «أنا أعرف الكل — الواحد (أي نفسي)». غير أن سقراط لا يقرر فحسب أنه يعرف امتلاء الذات، بل يتابع: «أنا وحدي أعرف أن…»، قاصدا «أنا، الكلي الواحد، أعرف أن…». وما هو ذلك الذي؟ يجيب سقراط نفسه على ذلك قائلا «لا شيء»، أي لا-شيء، الجانب من الوعي المسمى الفراغ. وفي الوقت نفسه يؤكد أن معرفته بالفراغ واعية، لأنه يسبق الجواب بكلمات «أنا أعرف (لا شيء)». وبعبارة أخرى، يؤكد سقراط في الواقع ما يلي: «أنا واع بأني الكلي الواحد الذي يعرف ما يسمى لا-شيء، غير أني واع تماما بما أعرف».

وبامتلاكه هذه المعرفة وهذا التواضع اللذين يولدهما الوعي التام بما يعرفه، يحق لسقراط تمام الحق أن يعد نفسه حكيما. بل إنه، بما أنه يرى بوضوح المقاييس الحقيقية لحكمته قائلا «في العالم كله»، أي وهو يدرك تماما أنه لا توجد سوى حياة واحدة، وبالتالي سوى امتلاء واحد للذات، فهو حقا أحكم الحكماء، إذ لا يمتلك أحكم الحكماء وحده من النبل ما يكفي لأن لا يدعي أن ذاتيته الشخصية هي التي تملك المعرفة.

وهكذا، فإن سقراط في مقولته الرائعة لا يصف فحسب العلاقة بين الهوية الفردية وامتلاء الذات والفراغ، بل يحدد أيضا بدقة بالغة المعنى الحقيقي للنبل في سياق ترابطات الحياة الواحدة. وهذا، على الأرجح، أفضل ما يمكن فعله لإسباغ قدر صغير من الإحساس على ما يسمى النبل. وبشكل عام يمكن القول إن النبل الحقيقي هو ذلك التواضع الذي يعمر المحارب حين يبلغ فهم المعنى العميق لما يعنيه أن يكون حرا تماما. وأن تدرك أنك واحد مع الجميع — الأخيار والأشرار واللامبالين — يعني أن تفهم ما يعنيه أن تكون متواضعا؛ والتحرر من ضرورة أن تحكم وأن يحكم عليك هو الحرية الحقيقية. وهذه الحرية المطلقة ليست سوى الجوهر الأسمى للوجود، وما النبل في نهاية المطاف سوى الوجود؟

نتيجة التعاون العقلاني بين الناغوال ورسوله هي

18 + 20 = 11

.

وبعبارة أخرى، فإن تفاعل الناغوال مع رسوله يولد الفعالية، تلك الصفة التي يحتاجها كلاهما لأداء واجبهما. وقوانين علم الأعداد، المعروفة للقارئ حتى الآن، تقول إن الفعالية المقصودة هنا هي في الواقع مجموع البراعة والتقلب الخالص. والخلفية الكامنة وراء ذلك واسعة جدا، لذلك سنكتفي بالإقرار بأنه، بما أن الناغوال يمثل بالمعنى الباطني الناغوال، أي روح الإنسان، وبما تقتضيه خصوصية واجباته، فإنه غالبا ما يضطر إلى التصرف بتقلب بالغ لم يصمد بعد للاختبار في إطار الحياة على المستوى الفيزيائي. وهذا، بطبيعة الحال، يتطلب من الناغوال الارتجال وفق اللحظة الراهنة، ولهذا السبب كثيرا ما يضطر إلى التوازن على حبل رفيع جدا، مخاطرا بأن يكون لا قائدا لمحاربيه نحو الحرية بل أحمقا تاما. وبما أن رسول الناغوال قريب جدا منه، فإنه يتعرض بطبيعة الحال للخطر ذاته. والشيء نفسه صحيح أيضا بالنسبة للناغوال-المرأة، لأن نتيجة التعاون العقلاني بين الأشخاص الثلاثة المذكورين تصبح مجددا الفعالية:

18 + 20 + 9 = 11

.

مع مراعاة أن الجنوب هو بوابة إلى عالم الناغوال، لا غرابة في أن تُكتشف في الجنوب الأنثوي ثلاث جواهر — البراءة (10) وثبات الحياة (19) والتوجيه (7). والحالمة الجنوبية، بوصفها محاربة تنصرف أساساً إلى تنمية قدر الفرقة التولتيكية، تملك استعداداً طبيعياً للجوهرة 10، لأنها لولا البراءة لما استطاعت أن تميز بقدر ما من الحكمة بين ما يقتضي التنمية وما ينبغي تجنبه.

لكي نتبين هذا، نتذكر أن 10 هو في الحقيقة نتاج الصلة بين التغير الخالص (1) والحرية المطلقة (0)، وأن المقصود بذلك أنه لولا تغير الإدراك في سياق الحرية التامة من التلاعب الاجتماعي لكانت البراءة تُنتهك حتماً. ثم إن ما نعرفه عن الحرية المطلقة يُظهر أن الحالمة الجنوبية تركز أيضاً على التغير الخالص في علاقته بالفراغ، لكن على نحو مباشر أكثر بكثير من أي من المحاربين الذين يملكون جواهر ثنائية الرقم، لأن جوهرتها هي 10 بالتحديد.

فيما يتصل بما سبق، يجدر التنبيه إلى أن على القارئ أن يعيد النظر في هذا الفصل، وكذلك في الكتب السابقة، وأن يجمع في وحدة واحدة كل ما ورد فيها من معلومات عن كل جوهرة من جواهر الوعي. وليس في وسعي أن أكرر باستمرار ما قيل سابقاً كي أنظّم هذه المعلومات. وواجب كل تلميذ أن يجري هذه المقابلة بنفسه، إذ لا سبيل إلى الإلمام الحقيقي بالتعاليم إلا بهذه الطريقة وحدها، وفي هذه الحالة وحدها يستطيع الناغوال أن ينتقل إلى موضوع جديد دون أن يضيع وقته عبثاً في إقناع التلميذ بأن ينجز «واجبه المنزلي». وبعد هذه الكلمات لم تعد بنا حاجة إلى التوقف عند الجوهرة 10.

تتمتع المترصدة الجنوبية باستعداد للجوهرة 19، إذ لا ينبغي أن يُنسى أن الجنوب هو مركز القوة الشخصية وأن ثبات الحياة هو جانب من الطاقة ينشأ من القوة الشخصية. ثم إن هذه المرأة، بما أن جميع المترصدين ينصبّ تركيزهم أولاً وقبل كل شيء على الحياة على المستوى المادي، تدرك إدراكاً حاداً أن ثبات الحياة الحقيقي هو حاصل جمع البراءة (10) والأداء (9)، لأن كل ثبات للحياة ينبع من عمل أُنجز ببراءة. وبعبارة أخرى، يميل الإهمال إلى أن يسلب المرء ثبات حياته، في حين تستعيده البراءة بتعويض مخزون القوة الشخصية. وكما يسهل أن يُرى في مثال هذه الجوهرة، فإن نتاج الصلة بين التغير (1) والأداء (9) هو البراءة، لأن المرء، لكي يبلغ بشيء ما إلى أداء بريء، لا بد أن يكون متغيراً.

في الجملة الأخيرة من القسم السابق كنت أصطفي الكلمات بعناية بالغة كي ألفت نظر القارئ إلى نقطة لم أذكرها حتى الآن بسذاجتي، لكن ينبغي التوقف عندها، لأن التلاميذ غير المتيقظين يميلون في كثير من الأحيان إلى إغفالها. ينبغي أن يوضع في الحسبان أن فائدة علم الأعداد تتجلى، أولاً، في أنه حين يمكن إجراء العمليات على الأعداد وفق القواعد الرياضية المعتادة، تؤدي المتساويات الناتجة إلى تعريفات مفيدة، وثانياً، في أنه حين لا تُدرج الأعداد في متساويات بل تُربط فقط، يمكن تبديل مواضعها دون الإخلال بصحة نتيجة ربطها. وفي الحالة الأخيرة يتجلى الترابط المتبادل بين الصفات التي يمثلها عدد ما.

بالنظر إلى المثال الوارد أعلاه، يمكن رؤية أن الجوهرة 19 هي نتاج الصلة بين التغير (1) والأداء (9)، غير أننا، كما نعلم بالفعل، يجب أن نضع في الحسبان أن نوع التغير المقصود هنا هو تغير الإدراك في إطار الحرية التامة من التلاعب الاجتماعي، وهو ما يمثل في نهاية المطاف البراءة (10). وهكذا، يمكن القول بالنجاح ذاته إن الجوهرة 19 هي أيضاً حاصل جمع البراءة (10) والأداء (9).

وبمتابعة النظر في هذا المتساوي، يمكن رؤية أن البراءة إذا جُمعت مع الأداء أعطت ثبات الحياة:

10 + 9 = 19

.

وبعبارة أخرى، نصل فوراً إلى تعريف مفيد لما يُقصد بثبات الحياة. وفي الوقت نفسه، يُرى من هذا المتساوي أيضاً أن البراءة هي ثبات الحياة ناقص الأداء (10 = 19 – 9). ويشير هذا المتساوي إلى خلفية دقيقة جداً لكنها بالغة الأهمية، وهي: لكي يكون المحارب بريئاً، يجب أن يكون ثابت الحياة بما يكفي لأن يؤدي كل ما يُطلب منه. وهذا لا يعني أن على المحارب أن يصارع حتى الاستنزاف التام — فهو في هذه الحالة لن يستطيع أن ينفع أحداً، وأقل من ذلك نفسه، بل ربما استسلم كلياً ولم ينجز مهمته. ولا حاجة للقول إن هذا المتساوي يقودنا إلى تعريف آخر للبراءة.

يمكن أيضاً رؤية أن الأداء هو ثبات الحياة ناقص البراءة (9 = 19 – 10)، وهذا يعني أنه لكي يبلغ المحارب بشيء ما إلى الأداء، يجب أن يمتلك من ثبات الحياة ما يكفي للحفاظ على البراءة، إذ يبدو واضحاً أنه إذا لم يمتلك المحارب ثبات حياة كافياً، فإن أفعاله — الجسدية والعاطفية والذهنية — لن تكون بريئة، ومن ثم سيكون الأداء ناقصاً. وفي هذا الصدد ينبغي أن يوضع في الحسبان أن المتساويات من هذا النوع لا تسمح بأي قدر من عدم الدقة. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن يكون هذا المتساوي صحيحاً إلا عندما 9 = 19-10؛ أما في حالة، مثلاً، 9 = 18,999 – 10 أو 9 = 18,999 – 9,25 فسيكون كاذباً. أما في حالة، مثلاً، 9 = 20 – 11 فسيكون المتساوي صحيحاً، لكن الحديث عن أداء مرتبط بالبراءة وثبات الحياة لا يمكن أن يجري هنا. ومرة أخرى، تقودنا هذه المعادلة إلى تعريف بديع للأداء يدل على معناه العميق.

فإذا نظرنا الآن في الصلة القائمة بين أرقام الجوهرة 19، اتضح أن ثبات الحياة ينشأ كلما كان المرء متغيراً في إدراكه بما يكفي لبلوغ ذلك الإدراك خاتمته الطبيعية، أي الأداء. ولكي يبلغ المرء بشيء ما إلى الخاتمة، يجب أن يكون متغيراً في إدراكه بما يكفي لينال ثبات الحياة اللازم. وبالطريقة ذاتها، لكي يكون المرء متغيراً في إدراكه، يجب أن يمتلك من ثبات الحياة ما يكفي لبلوغ ذلك الإدراك خاتمته، إذا لم يكن ينوي الاقتصار على جانبه السطحي وحده.

بوصف ذلك تمريناً في علم الأعداد، يمكن للقارئ أن يحاول بنفسه أن يجد المعنى العميق لمختلف المتساويات الممكنة فيما يتصل بمختلف جوانب الوعي، وأن يستخرج منها تعريفات جديدة. وفي هذا الصدد، من المهم أن يوضع في الحسبان أن النقص في أي شيء يُرمز إليه بعلامة الناقص في كل موضع يوجد فيه. فمثلاً، ما نوعية النتيجة النهائية إذا أنجز المرء مهمة ما بغير براءة؟

في هذه الحالة يوجد نقص في البراءة، ونحن، إذ نريد معرفة نوعية النتيجة النهائية، أي الأداء، نجمع ببساطة نقص البراءة (-10) والأداء (9) ونكتب الجواب. وهكذا يتخذ المتساوي الشكل التالي

-10 + 9 = –1

.

ومعناه أنه إذا أُنجزت المهمة ببراءة غير كافية، لكنها أُوصلت مع ذلك إلى خاتمتها، فإن النتيجة تصبح تقلبًا سلبيًا، بمعنى أن النتيجة النهائية ستكون «لا هذا ولا ذاك»، شيئًا لا تحديد له واضح، وغير مخصص لغاية معينة، وبالتالي لا قيمة حقيقية له.

بعد أن ناقشنا امرأتي الجنوب، لا ينبغي أن ننسى ساعي الجنوب، المهيأ لحجر 7 الكريم، أي للقيادة. وللنفاذ إلى المعنى العميق الكامن في هذا العدد الأحادي، من المهم أن نضع في الاعتبار أن 7 يتصل بعلاقة الثلاثية بالحالم والرباعية بالحلوم. وهذه مسألة بالغة التعقيد تتجاوز بكثير نطاق هذا الكتاب، لذا سنكتفي هنا بالقول إن الصفة الملازمة لحجر 7 الكريم هي جوهر التعاون العقلاني نفسه: ولكي يكون لكل تجسد معنى حقيقي وغاية حقيقية، يجب أن يتحقق تعاون عقلاني كامل بين الحلوم والحالم. وفي الجوهر، يتعاون الحالم دائمًا تعاونًا كاملًا وعقلانيًا مع الحلوم، وهو ما لا يمكن قوله عن الحلوم. والمراد بالقيادة أن على الحلوم أن يتقبل عن طيب خاطر الاختبارات التي يضعها أمامه الحالم في إطار الحياة على المستوى المادي، إذ لا يكون التعاون العقلاني الكامل المتبادل بين الحالم والحلوم ممكنًا إلا بهذا الشرط. وبناءً على ذلك، سيكون من الخطأ القول إن 7 هو أيضًا عدد التعاون العقلاني.

عندما تتعاون محاربات الجنوب الثلاث تعاونًا عقلانيًا بعضهن مع بعض، تكون النتيجة على النحو التالي:

10 + 19 + 7 = 9

.

نرى هذه المرة أنه، رغم أن الجنوب الأنثوي يولد أيضًا الإنجاز، فإن هذا الإنجاز هو مجموع البراءة والثبات الحيوي والقيادة — نتيجة تنطق عن نفسها. وعندما تتحد البراءة والثبات الحيوي مع الاستعداد لتقبل القيادة من الحالم، يمكن حل كل شيء، أي يمكن إيصال أي صعوبة إلى خاتمتها. وهكذا يتضح لماذا يُسمى الجنوب بوابة عالم الناغوال، إذ إن الناغوال، كما لاحظنا bereits، لا يحتاج إلى الفعالية (11) لنفسه فحسب، بل يطلبها أيضًا من محاربي فرقته، لكي تُوصل كل الصعاب إلى خاتمتها (9).

عندما يتعاون جميع محاربي الجنوب، رجالًا ونساءً، تعاونًا عقلانيًا، تكون النتيجة التالية:

(18 + 20) + (10 + 19 + 7) =11 + 9 = 11

.

خلفية هذا أبسط من أن نتوقف عندها، إذ من الواضح تمامًا أن الفعالية (11) لدى رجال الجنوب إذا أضيفت إلى الإنجاز (9) لدى نساء الجنوب، أي إذا تحققت البراءة والثبات الحيوي مقترنين بالاستعداد لتقبل القيادة من الحالم، فلا يمكن أن تكون النتيجة إلا واحدة، ألا وهي فعالية قادرة على تحريك الجبال. ولنضف الآن إلى هذه الفعالية حجر المرأة الناغوال الكريم، أي الإنجاز، فتزداد هذه الفعالية. وإذا عدنا إلى مجموع أحجار الجنوب الكريمة — الجرأة والنبل والبراءة والثبات الحيوي والقيادة — فليس صعبًا أن نفهم لماذا يجب أن توصف هذه الربع — مركز التنشئة — بصفة الدفء القلبي. وإذا أضفنا إلى هذين الدفء القلبي والتنشئة الإنجازَ الذي تولده الناغوال-المرأة، فسنفهم أيضًا بلا عناء لماذا الجنوب هو مركز القوة.

ننتقل أخيرًا إلى الشمال — مركز التجسيد والمكان الصوفي حيث تتلاقى ضباب معرفة التنانين. وهو قلب العالم نفسه، المسمى أيضًا مركز الحلقات الثلاث، ومسرح الأحداث وميدان معركة المحارب.

في الشمال الذكري، كما كان متوقعًا، نجد رجل الفعل الذي ميوله الطبيعي هو حجر 6 الكريم، أي الاختيار بين القديم والجديد. وبما أننا تبينا bereits معنى هذا العدد الأحادي، فلا حاجة بنا إلى الكلام عنه هنا. نلاحظ فقط أن كل فعل، لكي يكون فعلًا حقيقيًا لا رد فعل، يجب أن يستند إلى فعل التمييز. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كان كل فعل سوى حماقة. وفقط حين يتحقق الاختيار بين الهدف وما يلزم في اللحظة الراهنة، يمكن للفعل أن يكون حماقة محكومة. ووفقًا لذلك، يُعد رجل الفعل بحق أستاذ الحماقة المحكومة، وبفضل الفكاهة الملازمة لكل حماقة، يستطيع دائمًا، في أي موقف، أن يجد ما يسخر منه. ولهذا السبب يسمي رفاق الفرقة رجل الفعل تقليديًا المهرج، الذي يحتفظ بحس الفكاهة الفطري حتى حيث ينهار كل شيء.

وبما أن الواجب الأساسي للناغوال يتمثل في قيادة محاربي فرقته إلى الحرية، فإنه بالطبع منتبه دائمًا إلى ما يشكل احتياجات الفرقة في اللحظة الراهنة. ولهذا السبب توجد صلة وثيقة جدًا بين الناغوال ورجل الفعل. وتُحدَّد هذه الصلة بمجموع حجريهما الكريمين، أي

18 + 6 = 15

.

الجرأة مقترنة بالقدرة على الاختيار بين القديم والجديد كثيرًا ما تدفع هذين الاثنين إلى التعمق في المجهول بحثًا عن النور الذي ينبغي أن يشق الظلام الملازم لكل اختبار. وفي حالات كهذه، فإن فكاهة رجل الفعل هي وحدها القادرة على جعل أشد الاختبارات جدية مضحكًا إلى أقصى حد. وبفضل هذه القدرة ذاتها على رؤية الجانب المشرق من الحياة، يستطيع دائمًا أن يميز النور.

رفيق رجل الفعل هو ساعيه. ولقربه الوثيق من رجل الفعل المهيأ للاختيار بين القديم والجديد، فإنه، كما كان متوقعًا، يميل إلى حجر 8 الكريم — الانسجام والتوازن. ولا حاجة بنا إلى التوقف عند هذا الحجر، إذ تبينا bereits معناه.

التعاون العقلاني بين هاتين المحاربتين يؤدي إلى المعرفة، أو بالأحرى إلى معرفة جديدة (14):

6 + 8 = 14

.

وبما أننا ناقشنا already خلفية هذا المفهوم، لم يبق لنا إلا أن نلاحظ مدى اختلاف المعرفة المتولدة هنا في نوعيتها عن معرفة العالم. والسبب في ذلك بديهي، فمكوناتها مختلفة تمامًا، غير أننا سنناقش هذه الحقيقة بمزيد من التفصيل في حينه.

كون ساعي رجل الفعل مهيأ لحجر 8 الكريم يؤدي بطبيعة الحال إلى قربه من الناغوال. وفي هذا، لا توجد صلة وثيقة بين الناغوال ورجل الفعل فحسب، بل بين السعاة المناظرين أيضًا. وكما كان من قبل، تُعبَّر عن هذه الصلة بمجموع الأحجار الكريمة:

18 + 20 + 6 + 8 = 16

.

وبعبارة أخرى، عندما تتحقق الجرأة والنبل والقدرة على الاختيار بين القديم والجديد إلى جانب الانسجام والتوازن، فإن النتيجة الوحيدة الممكنة تصبح التحرر بواسطة قوة النية (16).

وبالحديث عن الشمال الأنثوي، سننظر هذه المرة أولا في المتسللة الشمالية. تتمتع هذه المرأة بميل إلى حجر الكريمة 4، أي إلى الاستقرار. وقد ناقشنا هذا العدد الأحادي أيضا، غير أنه من المهم بشأن المتسللة الشمالية أن نأخذ في الحسبان أنه علاوة على كل ما ذكرناه آنفا، فإن هذا العدد يتصل اتصالا مباشرا للغاية بالمصير الرباعي لللامُعبَّر عنه، وبالتالي بعالم السحرة. وبناء على ذلك، تنشغل المرأة المعنية، في حدود قدراتها، بالبحث عن جواب على السؤال التالي: كيف يسعى هذا المصير إلى إظهار نفسه من حيث الإمكانات في إطار الحياة على المستوى المادي. وبعبارة أخرى، المتسللة الشمالية هي محاربة من فصيل التولتيك، وهي أكثر من غيرها دراية بما يتصل بتوترات شبكة الحياة.

وفي الوقت نفسه، وإذ تدرك المتسللة الشمالية إدراكا تاما أن حجر كريمتها يتصف بالجودة المزدوجة المتمثلة في الاستقرار والجمود، فإنها توجه نشاطها في مجال التوترات إلى جعل هذه التوترات مستقرة قدر الإمكان، لأنه، مهما بدا ذلك متناقضا، لا يمكن التغلب على الجمود إلا بهذه الطريقة. وتبيّن ذلك ليس بالأمر السهل، غير أن القياس على الحركة قد يساعد هنا. وينبغي الأخذ في الحسبان أن كل فعل يتولد عن توتر. وهكذا، إذا تخيلنا شيئا مثل بندول الساعة، أمكننا أن نلاحظ أن حركته المستمرة يحددها التوتر في النابض المحرك له. ومن الواضح أن حركة البندول سيحول دونها الجمود إذا لم يُحافظ على التوتر في النابض. وبالطبع، إذا تحدثنا عن توترات شبكة الحياة، فإن هذا المثال يبدو تبسيطا شديدا، غير أنه مناسب تماما لأغراضنا الحالية. وعندما نتقدم إلى حد يمكّننا من العودة إلى مسألة التوترات، سنبحث هذا المفهوم بتفصيل أكبر بكثير.

ومما سبق يتضح جيدا أن المتسللة الشمالية، إذ تعمل مباشرة مع التوترات، لا تسعى فقط إلى توجيهها بمساعدة قدراتها كمتسللة، بل كثيرا ما تغذيها أيضا! وبفضل هذا بالذات اكتسبت المتسللة الشمالية لقبها التقليدي الملعقة، لأنها في معظم الوقت تثير البلبلة فعلا في كل ما حولها.

الحالمة الشمالية أيضا شديدة الحساسية للتوتر، غير أنها إذ تميل إلى الفعالية — حجر الكريمة 11 — فإنها تنزع إلى استكشاف التوتر من زاوية إمكانية التوفيق بين شيء وشيء آخر بالأحرى. ولتبيّن ذلك ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن 11 هو في الواقع مجموع النزاهة (10) والتقلب الخالص (1). وهكذا، تبحث هذه المرأة عن إمكانية التوفيق بين النزاهة والتقلب الخالص في التوترات الموجودة في شبكة الحياة. ولذلك لا بد من التميز بمهارة خاصة في التوازن على الحد الرقيق الذي يتحول بعده الإنسان النزيه إلى «أحمق تام» (كما كثيرا ما تسمي الحالمة الشمالية نفسها في فصيلتي أنا). وبامتلاكها نزعة إلى هذا التوازن، تتمتع هذه المرأة، على نحو طبيعي تماما، بقدرات جيدة في السياسة، وإذا كانت رفيقتها في الشمال تُدعى الملعقة، فقد رسخ عليها لقب القدر. وهكذا، فإن الشمال، حيث يثير المتسلل الشمالي البلبلة من جهة، وتطبخ الحالمة الشمالية الأمر من جهة أخرى، يصير، شأنه شأن كل ساحة معركة، مكانا ماكرا حقا (إن لم نقل أكثر من ذلك)! غير أنه ينبغي الأخذ في الحسبان أنه كما أن القوة تحتاج إلى قوة لمقاومة القوة، فإن المكر مطلوب لمقاومة حيل الروح.

رفيق المرأتين الشماليتين هو ساعيهما — رفيق غير متوقع إلى حد ما بالنسبة إليهما، لأنه ميال إلى حجر الكريمة 21، أي إلى العالم. وهذه، مرة أخرى، هي الحالة التي لا ينبغي فيها بحال من الأحوال أن تؤخذ الكلمات حرفيا. فالعالم الحقيقي هو في جوهره النبل (20) زائدا التقلب الخالص (1)، ومما قيل بشأن الحالمة الشمالية يتضح أن هذا الرجل أيضا يختبر حبا فطريا للمخاطر.

إن التوفيق بين النبل والتقلب الخالص، أي التقلب الذي لم يخضع بعد للاختبار في إطار الحياة على المستوى المادي، شبيه إلى أقصى حد بالتوازن على سلك رقيق، غير أنه من السهل في الوقت نفسه أن نرى أن النجاح في مسعى خطير من هذا النوع لا بد أن يجلب السلام لمن ينفذه. ولا شيء أفضل من معرفة أنه، رغم احتمال الإخفاق التام، سيؤدي النجاح — إلى حين على الأقل — إلى نبل أكبر. وماذا في المرة القادمة؟ في المرة القادمة قد تكون الحال مختلفة تماما، أما الآن فلا شيء سوى السلام الحلو الذي ينشأ من إدراك أنك خرجت منتصرا من مأزق خطير.

التعاون العقلاني بين المحاربات الثلاث في الشمال الأنثوي يعطي

4 + 11 + 21 = 9

.

ومما بيناه أعلاه يلزم بوضوح أن الأداء في الشمال يختلف أيضا اختلافا جوهريا في نوعيته عن الأداء في الأرباع الأخرى. فحيث يتركز الفعل، يكون الأداء مسعى محفوفا بالمخاطر، لأنه يقوم بحكم طبيعته ذاتها على حالة بالغة عدم الاستقرار — حالة يمكن أن تسمى هدنة هشة. وبسبب الطبيعة المزدوجة للاستقرار، واللايقينات السياسية المرتبطة بالفعالية، والآفاق الضبابية بشأن السلام والنجاح، يمكن اعتبار الأداء في الشمال، في أحسن الأحوال، درجة وسيطة قد تكون مجرد هدوء يسبق العاصفة. ويجب أن تظل المادية متقلبة، لأن مركز العالم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون جامدا، وإلا انطوى البعد الرابع في ذاته وتوقف تطور الوعي. وبناء على ذلك، بعد كل خطوة تُخطى تتحطم الدرجة الوسيطة بفعل تيار الحياة. والقوة تنظم هذه العملية على هذا النحو بالذات، ولذلك فإن المحاربين الثلاثة المذكورين لا يلعبون لعبة خطيرة فحسب — بل إن حب المخاطر سمتهم المميزة. وعدم خوف هؤلاء المحاربين من قبيل أنهم سيندفعون دون تردد إلى حيث لا يجرؤ الملائكة على الدخول.

التعاون العقلاني بين محاربي الشمال الذكوري والأنثوي يعطي ما يلي:

(6 + 8) + (4 + 11 + 21) = 14

.

وخلفية هذا أن المرء يستطيع أن يجعله، بمحض إرادته، معقدا وبسيطا للغاية على حد سواء. أنا شخصيا أفضل البساطة، لأن المرء حين يخوض معركة البقاء، فإن الأشياء البسيطة هي التي تكون أهم ما لديه. وهكذا، وفقا لوجهة نظري، المعنى هنا هو أن خوض المعركة يكون أفضل ما يكون عندما يكون المرء مسلحا بالمعرفة وبعدم الخوف، وبحس الدعابة بالطبع.

كيف يمكن لإنسان تعترض طريقه أصعب العوائق أن يستغني عن حس الفكاهة؟ إذا لم يكن لدى الإنسان حس فكاهة، فمعنى ذلك أنه يتعامل مع نفسه بجدية مفرطة، وستبدو له العوائق معقدة إلى حد أنه سيستسلم قبل أن يخوض المعركة. أما الاحتفاظ بحس الفكاهة في وجه كل المصاعب فمعناه ألا يتعامل الإنسان مع نفسه برهبة، بل أن يندفع إلى المعركة باذلاً نفسه كلها. وحين يشعر الإنسان بأنه بذل نفسه حتى آخر قطرة، يحين وقت تذكر أن الفشل الوحيد في الحياة هو الفشل في المعركة. وفي هذه اللحظة ينهض فيه كمال الروح المحاربة، مانحاً إياه قوة لقفزة جديدة ومزوداً إياه بقصدية أكبر مما كانت من قبل. وهكذا، فالتعامل مع النفس بجدية يعني الاستسلام لحماقتها، وعدم التعامل معها بجدية يعني أن يعرف الإنسان بكل ذرة من كيانه أن كل ما في وسعه هو التحكم في حماقته.

نَحْنُ لَا نُدِيرُ الْحَيَاةَ. فِي أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ يُمْكِنُنَا أَنْ نَخْتَارَ الطَّرِيقَ الَّذِي نَنْزَلِقُ عَلَيْهِ فِي مُحِيطِ الْحَيَاةِ.

إذا اندفع الإنسان إلى المعركة مسلحاً بالمعرفة والجرأة وحس الفكاهة، وبذل نفسه حتى آخر قطرة، فإنه يخرج من المعركة وقد تلقى درساً جيداً، سواء انتصر أو لم ينتصر. وهكذا يكتسب معرفة جديدة عبر الخبرة العملية ويتمكن من القوة، القوة الشخصية، لأن 14 يعود إلى 5.

عند تناول أحجار الوعي الحادية والعشرين، أو الاثنين والعشرين في الواقع، رأينا من جملة ما رأيناه كيف تتفاعل معاً. لذلك سيكون علينا أمراً يسيراً نسبياً أن نفهم كيف يستخدم المحاربون مختلف جوانب الوعي في سعيهم نحو القوة والحرية، إذ رغم أننا تحدثنا عن جوانب الوعي في سياق فرقة التولتك، يجدر الانتباه إلى أن فرقة التولتك ليست سوى نموذج للإنسان الحقيقي على المستوى المادي، نموذج لكائن سحري في الكون، رباعي الأبعاد في جوهره. وعليه، فإن نتيجة التعاون العقلاني بين جميع محاربي فرقة التولتك تصبح، كما كان متوقعاً، مجموع المجاميع في كل الاتجاهات، أي

13 + 13 + 11 + 14 = 15

.

الخلفية الكامنة وراء ذلك هي أن فرقة التولتك، بجهود محاربيها الموحدة، تولّد النور في الظلام، وهو يعود في نهاية المطاف إلى القدرة على الاختيار بين القديم والجديد، لأن 15، بوضوح، يعود إلى 6.

هذا هو قصد الإنسان الحقيقي الواقف منتصباً على المحور العمودي شمال-جنوب، ماداً ذراعيه على المحور الأفقي شرق-غرب. وباحتواء الحياة والموت على هذا النحو، يوحد الإنسان إمكانات العقل والقلب، مولّداً الثبات عبر اندثار القديم. ثم، «بتجذير» هذا الثبات في الفعالية المكتسبة من الميل إلى القلبية والرعاية والقوة، يبلغ أخيراً المعرفة عبر الفعل الذي لا يعرف الخوف، وهذه المعرفة تمكّنه من تحويل الظلام إلى نور. هذه المعرفة هي القوة الحقيقية التي تتيح للإنسان أن يحتل مكاناً راسخاً بين الكائنات السحرية.

هذه هي طبيعة الإنسان الحقيقي وهذا هو نصيبه الإلهي. فبفضل امتلاكه القدرة على التحكم في القوة الكامنة في كل واحد من أحجار الوعي الحادي والعشرين، يكون الإنسان سيد عالم السحرة، العالم الذي يشعر فيه بالحرية ذاتها التي يشعر بها في المستوى المادي الملموس وفي بيئته الطبيعية المسماة MEPV.

كل ما سبق قوله يتيح لنا على الأقل تكوين فكرة ما عن الكيفية التي ينبغي للإنسان أن يستخدم بها مفاتيح عالم السحرة الحادي والعشرين وعن النتائج التي يؤدي إليها هذا الاستخدام. وإذا تذكرنا بدقة كل ما تحدثنا عنه حتى الآن، أمكننا أن نرى أن الاتجاهات الأنثوية الأربعة، المتجسدة في المرأة الناغوال، تعطي في مجموعها الإنجاز، أو الاكتمال، أي حجر 9. غير أن إضافة هذا الاكتمال إلى أي من الاتجاهات الذكرية لا يغير نوعية هذا الاتجاه بأي حال. وهذا يعني أن النوعية تبقى غير متأثرة، وإن كانت تتعزز بفضل الإنجاز. هذه هي طبيعة الإنجاز الحقيقي، وهذه هي طبيعة عالم السحرة، الذي هو في جوهره عالم الإنجاز.

إن لم تكن ساحراً، فإن عالم السحرة لا شيء! وبما أنه لا شيء، فلا يستطيع أن يجعلك ساحراً. غير أن السعي إلى أن تصبح ساحراً بهدف وحيد هو الوصول إلى عالم السحرة خطأ قاتل، لأن التصرف على هذا النحو يعني ألا تعرف أبداً فائدة المفاتيح الحادية والعشرين اللازمة للدخول إلى هذا العالم والخروج منه. لا يمكن إتقان هذه المفاتيح إلا على طريق الحرية، أما الدخول إلى عالم السحرة بدونها فمشروع أحمق يهدد بأنك لن تستطيع أبداً أن تحكي عن نتائجه.

من وقت لآخر يسألونني لماذا لا يمكن زيارة عالم السحرة بأمان دون امتلاك المفاتيح الحادية والعشرين، وكل مرة أضطر إلى أن أهز رأسي صامتاً، إذ كيف يمكن نقل ما لا يُعبَّر عنه بالكلمات؟ كل ما أستطيعه هو أن أؤكد مرة بعد مرة أن عالم السحرة خيال ليس بخيال، إنه إمكان أكثر واقعية من الواقع نفسه، وهو، بوصفه غير مادي، القصد الرباعي لللامعبَّر عنه، الذي لا بداية له ولا نهاية، ولا تعريف ولا جوهر بالمعنى الإنساني للتعريف والجوهر. إن الدخول إلى هذا العالم دون المفاتيح المناسبة التي تتيح البقاء غير متأثر بقوة هذا العالم يعني الضياع في متاهة اللانهاية (أو البدائية، تبعاً لما سيُنصَب عليه التركيز).

وحين يتمكن المحارب من إتقان الجوانب الحادية والعشرين للوعي، سيستطيع أن يدخل عالم السحرة ويخرج منه متى شاء دون خطر، لأنه بهذه المفاتيح يصبح سيد الاتجاهات الأربعة ولن يستطيع أن يضيع أبداً حتى في متاهة خادعة كعالم السحرة. وفي هذا الصدد يجدر الانتباه إلى أن عالم السحرة، شأنه شأن جميع العوالم، موجود في أربعة أبعاد مختلفة يسمى مجموعها MEPV، أي البعد الرابع. غير أن كل تجلٍّ من تجليات MEPV هو أحد تجليات القصد الرباعي لللامعبَّر عنه، فإن عالم السحرة، مثلاً، في الزمن ليس هو نفسه إطلاقاً عالم السحرة في الطاقة. ومع أن هذا صحيح بالنسبة لكل واحد من العوالم العشرة، فإنه صحيح بوجه خاص بالنسبة لعالم السحرة، إذ إنه، بما أنه انعكاس للقصد الرباعي لللامعبَّر عنه، يستحيل تحديد أي أبعاده كان مصيركم أن تجدوا أنفسكم فيه. وأكرر: إن من يحسن استخدام المفاتيح الحادية والعشرين هو وحده القادر على إيجاد الطريق في عالم السحرة، والأهم من ذلك، الطريق للخروج منه.

مع الوقت، حين أتمكن من تقديم التفسير السحري لكل ما قيل، سيبدو أكثر منطقية بكثير مما يبدو الآن على الأرجح. غير أنك، يا قارئي، تملك الآن بالفعل أكثر من قدر كافٍ من المعلومات لتشرع في «تجميع» المفاتيح الحادية والعشرين لعالم السحرة وتبدأ في تعلم استخدامها استخداماً صحيحاً، لأنك بامتلاكك هذا النوع من المهارات ستبدأ في جوهر الأمر بضبط عالم السحرة ضبطاً واعياً.

وفي الختام سأطلب منكم أن تتذكروا أنكم بعد قراءة كل ما يقال في هذا الكتاب لم تتخذوا سوى الخطوات الأولى نحو اندماج أضباب ما سيصبح مع الزمن معرفة التنانين - القدرة الإلهية للإنسان على صنع العجائب وممارسة السحر الحقيقي - سحر الحياة. وبهذا المعنى فإن ضبط عالم السحرة ليس سوى واحدة من تلك الخطوات. لقد عرفتم من هذا الكتاب ومن الكتابين السابقين له أكثر بكثير. وهل ستوجهون هذه الخطوات إلى الممارسة وتبدؤون بالسير - فهذا يعتمد عليكم. وهل ستقطعونها عدواً - فهذا أيضاً يعتمد عليكم. وهل يكفيكم الدفع الذي تولده هذه الخطوات كي تطيروا - فهذا كذلك يعتمد إلى حد كبير عليكم.

إن رغبتي الأعمق هي أن تجدوا طريقكم، وأن تطيروا بعد أن تجدوه، إذ لا فرح أعظم من أن يهب المرء نفسه كلها بلا بقية حين يندفع نحو هدفه! تذكروا هذا، لأن العقبات على طريق المحارب عظيمة حقاً. وأنا لا أقول هذا لأخيفكم أو لأثبط عزمكم، بل لأحذركم من أن التلاميذ الموهوبين جداً أيضاً كثيراً ما ينحرفون عن طريق المحاربين لمجرد أنهم يستسلمون لحماقتهم. وفي تلك اللحظات التي يبدو لكم فيها أن طريقكم بعيد جداً وأنكم لن تستطيعوا قط اجتيازه، تذكروا كلماتي:

وكما يليق بالمحاربين، نندفع ونهب أنفسنا بلا بقية. وحين يشعر المرء أنه وهب نفسه بلا بقية، يحين وقت أن يتذكر أن الفشل الوحيد في الحياة هو الفشل في المعركة. وفي هذه اللحظة ينتفض فيه كمال الروح المحاربة، مانحاً إياه قوة للانطلاقة الجديدة ومزوداً إياه بتصميم أعظم مما كان قبل.


الفصل التاسعحماقة التماهي

المتتبع لا يكشف أبداً عن جوهره - حتى أمام نفسه.

عند تأملنا في الجانب السابع من قاعدة المتتبع، علينا أن نواجه ما هو بالنسبة لمعظم التلاميذ، على الأرجح، واحد من أكثر مبادئ طريق المحارب جذباً، ألا وهو أن للمتتبع وجوهاً كثيرة. وعلى ضوء ما هو معروف بالفعل عن فن التتبع، قد لا يبدو هذا مفاجئاً، غير أن هذا المبدأ يثير في البداية عند كل تلميذ شعوراً قوياً بالرهبة ممزوجاً بقدر غير قليل من القلق والريبة. ونتيجة لذلك فإن التلاميذ أنفسهم كثيراً ما يلعبون دون وعي في صالح المتتبع، فيتيحون له استخدام وجوهه الكثيرة.

إن وجوه المتتبع المتنوعة ليست في طبيعتها أقنعته الخاصة بقدر ما هي وجهات نظر مختلفة يرى منها المحيطون به. ونتيجة لذلك فإن المتتبع، بطبيعة الحال، يضحك باستمرار على حماقة ما يجري، لأنه في نهاية المطاف لا يفعل «شيئاً» وإنما يستمتع فقط بتجليات إدراك الآخرين. وبهذا المعنى فإن المتتبعين هم حقاً أكثر الناس استعداداً للتعاون في العالم، لأنهم لا يرفضون قط أن يلعبوا لعبة وفق قواعد الآخرين. ففي النهاية، اللعبة ليست إلا لعبة، والألعاب تجلب الفرح - حتى تلك التي تسبب الألم. وهكذا فإن المتتبع لا يفوّت أبداً فرصة للتسلية، لأنه حتى في الحالات التي تستدعي فيها اللعبة البكاء، لا يلزم أن تكون تلك الدموع بالضرورة علامات على الشفقة على الذات أو العذاب - فقد تصبح دموع فرح تثيرها الإحساس بحدة الوجود.

بالنسبة للمتتبع، الحياة كلها لعبة ذات إمكانات هائلة لجلب الفرح؛ بشرط، بطبيعة الحال، أن يحياها المرء بكمال تام. وهكذا، عندما يضحك المتتبع ويمزح، فهذا لا يعني أبداً الطيش أو قلة الاحترام - بل على العكس، فمرحه لا يثيره إلا الإحساس الفرح بالعطية الرائعة للحياة. وإذ يظل قادراً دائماً على أن يرى في كل ما حوله، بما في ذلك محنه الخاصة، الجمال الكامن في العالم، فإن المتتبع لا يستطيع أن يتعامل بجدية مع دموعه أو دموع الآخرين إلا حين يفضّل أن يلاحظ جمالها. غير أن حب المتتبع للحياة يتجلى حتى في قدرته على رؤية جمال الدموع على نحو يجعل الضحك العالي يقطع على نحو غير متوقع أصدق النحيب.

هذه هي بهجة المتتبع، وفي هذا الشعور بالبهجة يكمن فنه وقوته التي تجعل، بصراحة، معظم الناس يشعرون بحرج لا يصدق. ففي النهاية، الضحك في الجنازات لا يعد أمراً عادياً، وانفجارات القهقهة في جو مهيب أثناء الخدمة الكنسية تعد وقاحة لا تصدق. بالنسبة للمتتبع، الحياة مغامرة مبهجة لا تتوقف، ومهما حلت به من محن قاسية، فإن حياته في الفرح والحزن على السواء تظل ممتلئة بطاقة لا تجعل لديه ببساطة وقتاً للإحساس بالحزن أو العبوس أو الكآبة أو الاكتئاب. وحتى إن حلت به مثل تلك اللحظات، وهو ما يحدث لكل إنسان، فإن المتتبع يتعرف على جوهرها ويشرع فوراً في التماس إمكانات المرح فيها بدقة، لأن هذا هو نزوع المتتبع.

ومع ذلك ينبغي أن ندرك أن القدرة على النظر إلى الحياة من هذه الزاوية لا يمكن تحقيقها في يوم واحد، ولا تأتي بسهولة. وكما هو الحال في أي فن آخر - كالبراعة في العزف على الكمان أو في استخدام مضرب التنس أو في أجهزة الجمباز - فإن التحول إلى متتبع ماهر يتطلب الكثير من العرق والدموع. ولهذا لا يلزم فقط أن يعيش المرء التعاليم في كمالها التام، بل يلزم أيضاً - وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمتتبع - أن يمحو تاريخه الشخصي بدقة لا تصدق. فلا يمكن التمكن من تعاليم التتبع المعقدة ما دام في المرء أقل ذرة من تاريخه الشخصي، لأن فن المتتبع الحقيقي لا يتمثل في القدرة على تضليل الآخرين، بل في التحرر من التعلق بالأنا التي يجب على المتتبع أن يصونها ويحميها. وإذ لا يمتلك شخصية صلبة، فإن المتتبع الماهر لا يخشى أن يتصرف كالأحمق؛ ولا يرهبه أن يبقى في نظر الآخرين أحمق، فيخدع الآخرين بسهولة لا تصدق.

كل هذا يقودنا إلى جوهر أضباب معرفة التنانين، ألا وهو أن المتتبع الماهر، إذ لا يمتلك أي شخصية، وإذ لا يتماهى حتى مع نفسه، هو في الحقيقة سيد الحماقة المنضبطة. وقد تطرقنا إلى هذا المبدأ بإيجاز في الفصل الثاني، لكن ينبغي الآن التأكيد مرة أخرى على أن الحماقة المنضبطة هي في حقيقتها تجلٍّ للتعاون العاقل. غير أن الوقت قد حان الآن للنظر في هذا المبدأ بمزيد من التفصيل، لأن الحماقة المنضبطة تفترض أن يمسك المرء بزمام السلطان على مضمون ذلك الحلم الذي يسمى الحياة.

إذن ما المقصود بقولنا إن للمتتبع وجوهاً كثيرة؟ لفهم هذا المبدأ ينبغي أن نتذكر أن جميع الناس أسرى في فخ الحلم، وفي سياق هذا الحلم كل شيء حماقة صريحة. ولا يستطيع المرء أن يتعلم التحكم في الحماقة إلا بعد أن يستيقظ داخل الحلم، أو بعبارة أخرى، أن يكتسب سلطاناً على مضمون هذا الحلم عبر تعاون عاقل مع حالمه.

ما لم يستيقظ الإنسان في الحلم، فإن إحساس التماهي يبقى لديه؛ وبما أن هذا التماهي يستند أولا إلى الاقتناع بأن هذا الحلم يمثل الواقع الوحيد، وثانيا إلى التكييف الاجتماعي، فإنه حماقة صريحة أيضا. علاوة على ذلك، كما هو معروف من المسلمة الرابعة من مسلمات التتبع، فإن الجوهر الحقيقي لأحجية الحياة هو سر الوجود، ولذلك لا يمكن لأي تماهٍ أن يكون سوى نتيجة للتاريخ الشخصي. كيف يمكن للإنسان أن يفهم ما هو عليه إذا بقي أحجية حتى لنفسه؟ بالنسبة للمحارب الحقيقي، يبقى أي شكل من أشكال التماهي جزءا لا يتجزأ من الحماقة البشرية.

بمفاهيم طريق المحارب، فإن التماهي الوحيد الجدير هو تنمية اكتمال الجوهر. ومع ذلك، كما عرفنا سابقا، ثمّة حياة واحدة ووعي واحد، وبالتالي شخصية واحدة، لأنه رغم أن كل إنسان يمثل جسيما منفصلا من هذه الحياة الواحدة، فإنه على مستوى الشخصية الحقيقية لا يوجد سوى الاتحاد. هذا المبدأ مجرد إلى حد يعصى على محاولات التعبير اللفظي، ولذلك من المفيد جدا التفكير فيه بمساعدة الاعتبارات التالية.

من الضروري أن نفهم أن الإحساس بالفردية بمفاهيم الانفصال لا يوجد إلا على المستوى المادي. أما على مستوى الحالم فلا يوجد سوى الوعي الجماعي، وبالتالي فإن أي إحساس بالفردية على هذا المستوى يستند حصرا إلى التعاون العقلاني. بعبارة أخرى، على مستوى الحالم لا يوجد الإحساس بالفردية إلا في فئات الترابط، وبهذا المعنى يتبين أن الإحساس بالشخصية الذاتية مرتبط ارتباطا وثيقا بالانعكاس وحده. وبالطبع تكمن في هذا أسس مبدأ المرايا، لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى نفسه من دون مرآة؛ ونتيجة لذلك، لا علاقة للوعي الجماعي للحالمين بأي شيء، لا بالأخلاق ولا بالقيم الأخلاقية، فهو ضرورة يقتضيها قانون النور والانعكاس الكوني.

غير أنه على مستوى الناغوال، أي روح الإنسان، لا يوجد أي إحساس بالانفصال ولا وعي جماعي، لأن الوعي الجماعي نفسه يفترض الانفصال. أستطيع أن أعبر عن الإحساس بالفردية على هذا المستوى بطريقة واحدة وحيدة، هي تشبيهه بما يمكن تسميته العقل الجماعي. وأي شخص شعر ولو مرة واحدة بتجليات العقل الجماعي سيفهم فهما تاما ما أعنيه. إن مشهد أن يبدأ جمهور كامل من الناس أحيانا بالتفكير والتصرف كإنسان واحد قد يبدو خارقا للطبيعة إلى حد كبير، لكن إذا سألت أي مشارك في ظاهرة كهذه بعد انتهائها، فسيستطيع أن يؤكد أنه رغم الإحساس السائد بالاتحاد التام، فإنه احتفظ في هذا الإجماع بإحساس معين بالفردية. ومع أن هذه المقارنة ليست دقيقة تماما عند مقارنتها بروح الإنسان، فإنها تساعد، بتقريب ما، على إظهار المعنى الأعمق لمفهوم «اكتمال الجوهر».

من المهم للغاية إدراك أن الإنسان مكيّف إلى حد بعيد بالأفكار عن نفسه في فئات الانفصال، بحيث يصعب عليه جدا أن يتخيل كيانا ما قائما على الوعي الجماعي في مقابل ذلك النوع من الوعي الذي يولّد الإحساس بالانفصال. ونتيجة لذلك، لا يستطيع الناس العاديون التفكير في الشخصية ضمن إطار الكلية أو الاكتمال. غير أن هذا هو بالضبط ما يعنيه مصطلح اكتمال الجوهر. وتساعد الاعتبارات التالية على فهم ذلك.

لا توجد سوى وحدة واحدة تُسمى روح الإنسان، الناغوال، وهي تتجلى في ملايين ومليارات الوحدات المنفصلة. وفي البداية ذاتها، لا يدرك التجلي المنفصل لهذه الوحدة نفسه (أو أنفسه) ككلية، ونتيجة لذلك تعتبر كل وحدة نفسها مستقلة عن جميع الأخريات. وهكذا تنشأ لدى كل جسيم هوية فردية قائمة على الإحساس بالانفصال، وهذا التجلي للوحدة (وليس الوحدة نفسها) خالٍ من الإحساس بالمصير المشترك، فهو يدرك العالم فوضى تامة. غير أن وحدة بعد أخرى تبدأ بعد ذلك، مع مرور الوقت، في إدراك أن هناك مصيرا حقيقيا واحدا، وأنه كوني ويمثل مصير الوحدة. وعاجلا أو آجلا، حين تستجيب جميع الوحدات لهذا المصير، سيمكن بحق القول إن التجلي المنفصل للوحدة قد عرف نفسه (أنفسه) كجسيم لا يتجزأ من تلك الوحدة التي تُسمى الإنسان أو، بدقة أكبر، روح الإنسان.

بعبارة أخرى، من وجهة النظر البشرية، فإن تجلي الوحدة لا يدرك في البداية ببساطة عدم فهمه لأن أجزاءه جميعا تشكل في مجموعها كلا واحدا. يمكن مقارنة ذلك بإنسان لا يعرف أن لديه أعضاء معينة. غير أنه مع تطور الوعي، يبدأ تجلي الوحدة تدريجيا في إدراك أن أطرافه وأعضاءه الداخلية تنتمي إليه فعلا وتشكل كلية متناسقة، وهذا هو معنى اكتمال الجوهر. ومع ذلك، من الواضح تماما أن هذا التطور التدريجي لوعي تجلي الوحدة لا يمكن أن يحدث إلا عندما يبدأ جسيم واحد بعد الآخر في إدراك اكتمال الجوهر.

في هذه اللحظة، الأهم من كل شيء هو فهم أنه في السعي لبلوغ ذلك التماهي الذي يُسمى اكتمال الجوهر، يجب أن تفسح كل إحساسات الانفصال المجال لإحساس بالشمولية التامة، لأنه من دونه لا يمكن أن يكون هناك أي اتحاد. ونتيجة لذلك، من المنطقي أن نفترض أن المحارب، في رغبته في تنمية اكتمال الجوهر، يجب أن يفتح قلبه على مصراعيه، والطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي العيش وفق الطريق ذي القلب.

من المهم أن ندرك أن المضمون العميق لمفهوم الطريق ذي القلب واسع إلى حد أنني أعلم أن أي ناغوال لم يحاول قط، ولا مرة واحدة، التعبير عن هذا القسم من التعاليم بالكلمات. في الماضي، من دون أن يحاول التعبير عما يتجاوز إمكانات الكلمات، كان الناغوال يضع أمام التلميذ مهام معينة تقوده إلى فهم معنى العيش وفق الطريق ذي القلب. في الظاهر، كانت مثل هذه المهام تبدو دائما بلا معنى إلى حد كبير أو، في أفضل الأحوال، عادية تماما، غير أنها مع البناء الصحيح والإرشاد اليقظ من الناغوال والتنفيذ المتقن من التلميذ كانت تنقل الأخير حتما إلى مستوى من الوعي لم يكن ليبلغه بوسائل أخرى. ويجب أن تُصمم مثل هذه المهام لتكون مطابقة تماما للاحتياجات الفردية للتلميذ ولطابعه، وبهذا المعنى يستخدم الناغوال عادة حياة هذا التلميذ اليومية أساسا لمثل هذه المهام. ولو حاولت أن أضع أمامكم مهمة كهذه، لبدت من وجهة نظركم عديمة الفائدة تماما، لا سيما أنكم لم تكونوا لتقرؤوا هذا الكتاب لو كنتم قد بدأتم بالفعل التعلم على يد أي ناغوال. لهذا السبب ليس أمامي مخرج آخر سوى محاولة فعل ما اعتُبر حتى الآن مستحيلا. وهكذا، علينا أن نغوص إلى أعمق الأعماق، مستخدمين القول التالي نقطة انطلاق.

في حياة المحارب تأتي لحظة لم يعد فيها يكفيه مجرد أن يسير على طريق المحارب. وعندما يحين هذا الوقت، يدرك المحارب دون ظل شك أن طريق المحارب، شأنه شأن كل الطرق الأخرى، لا يؤدي إلى أي مكان. والميزة الوحيدة في السير على هذا الطريق، وهو أصعب الطرق جميعا، هي أنه بالنسبة للمحارب طريق له قلب، إذ يتيح إدراك معنى الشمولية.

من وقت لآخر يذكّر الناغوال تلاميذه بأن طريق المحارب لا يؤدي إلى أي مكان، وأن أن تصبح محاربا ليس هدفا على الإطلاق. ومن وقت لآخر يطلب الناغوال من تلاميذه أن ينغمسوا انغماسا كاملا في هذه الرحلة وأن ينسوا أي أهداف. غير أن الطبيعة البشرية هي بحيث يومئ التلاميذ برؤوسهم بجدية بالغة، موافقين تماما على حكمة هذه الكلمات، ثم يواصلون بشغف السعي إلى الهدف المحدد! ويبدو الأمر وكأنهم لم يسمعوا توجيهات الناغوال على الإطلاق؛ فيواصل التلاميذ طرح شتى الأسئلة: «ما الذي ينبغي فعله كي تستقيم الحياة؟»، «كيف ينبغي أن أتصرف في تواصلي مع الآخرين؟»، «هل ينبغي أن أوافق على العمل المعروض؟»، «هل أشتري هذه السيارة؟»، «هل أشتري منزلا جديدا؟»، «ما رأيكم في هذا؟»، «ما قولكم؟»، «بماذا تنصحون؟». تتوالى الأسئلة واحدة بعد الأخرى، لكن معظمها خاطئ تماما ويكشف عن سوء فهم كامل.

لا يصبح الحكماء أولئك الذين يكدسون باستمرار معلومات جديدة، بل أولئك الذين تعلموا طرح الأسئلة الصحيحة. وفي هذا الصدد، من الضروري أن نفهم أن معظم الناس يطرحون الأسئلة لا لأنهم يريدون أن يعرفوا شيئا. فكثيرون يفعلون ذلك فقط كي يطلقوا بعدها هراء سخيفا ما. وبالنسبة لأولئك الناس، ليست الأسئلة أسئلة حقيقية، بل مجرد شكل مسلٍّ من الثرثرة. وهناك نمط آخر من الناس: يطرحون الأسئلة فقط لأنهم يعتزمون أن يثبتوا لأنفسهم صوابهم برفض الإجابة التي تلقوها. وبعضهم يتخذ من الأسئلة التي بقيت دون إجابة ذريعة لسلوكهم غير السليم، وتصبح الإجابات الصادقة بالنسبة لهم محرما حقيقيا. غير أن الغالبية الساحقة من الناس يطرحون الأسئلة لسبب بسيط هو أنهم لا يريدون تحمل المسؤولية عن أفعالهم وحياتهم. وقليل جدا من يعرفون كيف يطرحون الأسئلة التي يمكن أن توصف بأنها صحيحة.

القدرة على طرح السؤال الصحيح تعني أن الإنسان يتحمل المسؤولية عن نفسه، وعن معارفه أو غيابها، وعن اختباراته الخاصة، وقبل كل شيء عن حياته. وأي ناغوال مخلص لطريق الحرية سيرفض رفضا قاطعا أن يتحمل المسؤولية عن حياة التلميذ. وسوف يتدخل الناغوال ويحاول أن يوجه التلميذ، إذا جاز القول، إلى الطريق القويم، فقط في الحالة التي يرى فيها بوضوح أن التلميذ، بسبب الجهل الصادق، على وشك أن يقع في الفخ؛ ومن جهة أخرى، إذا كان الناغوال يعلم أن التلميذ يملك كل المعارف اللازمة، فإنه سينحاز جانبا ببساطة وينتظر حتى يطلق التلميذ النار على قدمه. وأنا شخصيا أوضح هذه الحقيقة لتلاميذي عادة بهذه الكلمات: «أنت تعرف أنني أعرف، وأنا أعرف أنك تعرف أنني أعرف. فلماذا إذن تسأل؟»

وهكذا، عندما يسألني التلميذ عما ينبغي عليه فعله كي تستقيم حياته، فإنني لا أعجل بإعطائه أي توجيهات، بل أطلب منه ببساطة أن يخبرني بما يشتغل به الآن، إذ من المنطقي أن نفترض أن حياته لا تستقيم لأنه يفعل شيئا على نحو خاطئ. وما إن يبدأ التلميذ في شرح ما يشتغل به حتى لا يبقى علي إلا أن أدفعه إلى الرغبة في بلوغ مزيد من الوضوح بشأن بعض المناطق الغامضة في حياته. وعادة ما أحقق ذلك بمجرد أن أطرح عليه سلسلة من الأسئلة، وأظل أفعل ذلك حتى يجد هو بنفسه الإجابة الصحيحة. ومن جهة أخرى، عندما ألاحظ أن التلميذ يبدأ في الكلام بوضوح، فإنني أكتفي بالإنصات إليه وأؤكد له أنه محق في تحليله للظروف. وهذا النوع من التواصل مع التلميذ يتيح له أن يتعلم بسرعة كافية كيف يطرح الأسئلة الصحيحة؛ وهذا يعني في نهاية المطاف أنه يطرح الأسئلة على نحو يمكّنه من الإجابة عليها بنفسه.

لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية أن يتعلم التلميذ طرح الأسئلة الصحيحة، لأنه دون هذه القدرة لن يستطيع أبدا أن يفكر بنفسه، وأن يبلغ الصفاء، وأن يتحمل المسؤولية عن معارفه، وأن يؤمن بنفسه، وأن يبلغ احترام الذات والثقة بالنفس؛ وإجمالا، سيظل إنسانا تابعا لا تكون الحرية بالنسبة له ممكنة ببساطة. وفي هذا الصدد، كثيرا ما أتصرف بقسوة كافية تجاه أولئك التلاميذ الذين يحاولون عمدا التهريج والتظاهر بالبلاهة. فالأسئلة البلهاء لا تستحق إلا إجابات بلهاء، وإذا كان التلميذ يريد أن يتظاهر بالحماقة، فإنني أعكس هذه الحماقة في سلوكي دون تردد. وعندما أرى أن التلميذ يعرف بالفعل لماذا لا تستقيم حياته بأي حال، لكنه مع ذلك يسألني عن ذلك، فإنني ببساطة أعطيه نصيحة سخيفة ما: «أظن أن عليك أن تولي مزيدا من الاهتمام للجنس»، أو: «جرّب أن تصبح نباتيا»، أو: «اشتر سيارة جديدة».

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن التلاميذ يتظاهرون أحيانا بالبلاهة ليخفوا تقاعسهم، فإن القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة قد تصبح صعبة إلى حد بعيد في الحالات التي يكون فيها الإنسان مشروطا بأن يبقى جاهلا وأبله كما هو كل من حوله. غير أن تعلم طرح الأسئلة الصحيحة في الحقيقة سهل إلى حد كاف، بشرط ألا تنسى أن ما يجعل سؤالك صحيحا هو قدرتك على الإجابة عليه بنفسك، أو، في الحالة الأخرى، اقتناعك المؤكد بأنك في هذه اللحظة غير قادر ببساطة على أن تجد الإجابة عليه بنفسك. ولكي نفهم هذا المبدأ على نحو أوضح، لنعد إلى أمثلة الأسئلة المذكورة أعلاه.

السؤال الأول منها، «ما الذي ينبغي فعله كي تستقيم الحياة؟»، هو أكثرها شيوعا بصورة أو بأخرى. ولكي يصبح هذا السؤال مقبولا، أو صحيحا، ينبغي تغيير صياغته على النحو التالي: «أي أفعال لي تمنعني من أن أصبح سعيدا وأن أحقق النجاح؟» وفي اللحظة التي يُطرح فيها السؤال على هذا النحو، يصبح واضحا أن هذا السؤال ينبغي توجيهه إلى المرء نفسه وليس إلى أي أحد آخر، لأن الإنسان وحده هو من يقدّر على أفضل وجه ما يفعله هو بالضبط.

التلميذ العاقل سيُفضّل ألا يضيّع وقته في الحديث مع الناغوال أملا في أن يتمكن الناغوال من أن يشير له إلى ما هو قادر على استجلائه بنفسه؛ بل سيبادر هذا التلميذ فورا إلى إعادة تقييم شاملة لنمط حياته الحالي. وتكتسب المفكرة في هذه الفترة قيمة خاصة، لأن مجرد أن يجلس المرء ويدوّن تقييماته، أي يضع قائمة بأفعاله، يتيح له أن يبلغ مستوى من الوضوح لا يكون ممكنا عادة بسبب الاضطراب الذهني والعاطفي الذي يحدثه الحوار الداخلي اللانهائي.

عند الانتهاء من هذا التقييم، يكتشف التلميذ أنه أفضى إلى ظهور أسئلة جديدة. فمثلا، قد يلاحظ ميله الخاص إلى الانعزال في تواصله مع من حوله، لكنه إن سأل نفسه عن سبب تصرفه بهذا العزل، فالأرجح أنه لن يجد جوابا. وعوضا عن ذلك، ينبغي أن يسأل نفسه عن الكيفية التي تتجلى بها هذه العزلة بالضبط، وأن يضع من جديد قائمة كاملة بمظاهرها المتنوعة. ونتيجة لذلك سيحقق وضوحا مذهلا بشأن نفسه.

إذا جرى هذا الإجراء، إجراء البحث عن الأسئلة الصحيحة التي ينبغي أن يوجهها المرء إلى نفسه، بشكل دائم ومنتظم، فسيدرك التلميذ سريعا أن قائمة أسئلته إلى الناغوال قد صارت قصيرة جدا، والأهم من ذلك، واضحة وذات صلة مباشرة بالأمر. وإذ يحقق وضوحا تاما بشأن ما يريده بالضبط من تعاليم الناغوال، فإن التلميذ لا ينفتح انفتاحا أكمل على إرشاداته فحسب، بل لا يجد صعوبة في فهمها. وهذا بالضبط ما يعنيه القول بأن على التلميذ أن يُفعّل التعاليم في الممارسة.

بعد التفكير المتأني في المسألة قيد النظر، يدرك الإنسان أنه لا حاجة به إلى إقلاق الآخرين بها، إذ يكفي تماما أن يغيّر صياغتها ويحوّلها إلى سؤال مقبول. فكيف إذن يغيّر السؤال: «كيف أتصرف في التواصل مع الآخرين؟»؟ يكفي أن يلقي عليه نظرة واحدة ليدرك أن مثل هذا السؤال لم يكن لينشأ قط لو لم يكن الأمر متعلقا بترابط بالغ الأهمية. وعليه، فإن السؤال الحقيقي هو: «هل يوجد لدي ترابط مع إنسان ما، وهل أفهم، بوجه عام، ما هو الترابط الحقيقي؟»

وبالمثل لنتأمل السؤال التالي: «هل يجدر بي أن أقبل العمل المعروض؟». هل كان المرء سيطرح مثل هذا السؤال لو كان راضيا عن عمله الحالي؟ من الواضح أن السؤال ينبغي أن يُصاغ هكذا: «هل يوفّر العمل الجديد شيئا ليس لديّ الآن؟». ننتقل إلى السؤال التالي: «هل أشتري هذه السيارة؟». بما أن السيارة مشترى باهظ الثمن نوعا ما، فإن أي إنسان سليم التفكير لن يتردد في شراء سيارة جديدة إن لم يكن بحاجة إليها. وعليه، فإن الصياغة الصحيحة لهذا السؤال هي: «هل أحتاج أصلا إلى شراء سيارة، وإن كنت محتاجا، فهل ستلبي هذه السيارة احتياجاتي؟»

لنتأمل سؤالا آخر: «هل أشتري بيتا جديدا؟». بماذا كان القارئ سيجيب لو وُجّه إليه مثل هذا السؤال؟ أنا شخصيا كنت سأقول: «عمّا تسألني في الحقيقة؟ أتسألني هل يعجبك هذا البيت أم يعجبني؟ ربما يهمك أن تعرف هل تستطيع تحمّل تكلفة بيت كهذا؟ إن كان الأمر كذلك، فمن أين، بحق الجحيم، لي أن أعرف هل تكفيك نقودك، فأنا لست مصرفيك ولا محاسبك!»

«ما رأيكم في هذا؟»، «ما قولكم؟»، «بماذا تنصحون؟» — أسئلة تُطرح كثيرا جدا، وهي، بوجه عام، أسئلة طبيعية ومقبولة تماما، بشرط أن يطرحها المرء من دوافع صحيحة. وفي هذا الصدد ينبغي إدراك أن الناس عموما يحبون كثيرا أن يُقال لهم كيف ينبغي أن يتصرفوا، لكنهم يحبون ذلك فقط لأنه، إذا لم ينجح النصيحة المقترحة كما كانوا يريدون، يستطيعون دائما أن يلقوا باللوم في ذلك على الشخص الذي أعطى النصيحة. ومثل هذه الأسئلة تُطرح عادة لسببين فقط: إما أن المرء يريد تأكيدا لما يعرفه أصلا، وإما أنه يحاول أن يجد وجهة نظر أخرى ربما غابت عنه. وفي هذا المعنى ينبغي أن يكون المرء حذرا بما يكفي فلا يهتم برأي غيره لمجرد أنه غير واثق من معرفته الخاصة، لأن ذلك يقوّض ثقته بنفسه واحترامه لذاته. وفي الجوهر، لا شيء سيئ في مثل هذه الأسئلة، بشرط أن يكون المرء في الوقت نفسه واعيا بفهمه الخاص للظروف قيد البحث. وهذا لا يعني أن على المرء أن يتشبث بشكل دوغمائي برؤيته للعالم وحدها؛ بل على العكس، فإن الاهتمام بمنظور الآخر يتيح له أن يقارنه بالقرارات التي اتخذها على أساس معرفته الخاصة، وهو في أثناء ذلك يصل دائما إلى وجهة نظر جديدة مختلفة تماما عن سابقتها.

على الرغم من كل ذلك، ينبغي أن يُفهم أن التلاميذ يطرحون أسئلة خاطئة في حيرتهم فقط لأنهم يتوقون إلى غاية ما بدلا من أن يقنعوا بالعناية بكون كل فعل فعلا معصوما. ونتيجة لذلك يتغلب نفاد الصبر: فيطير الدفتر إلى الحائط، ويكاد الكرسي يتداعى من ركلة عاتية، وتُفرك الساق المصابة بعنف، وتُنقل كل الإهانات اللفظية الموجّهة إلى الناغوال إلى الحيوان الأليف في البيت. ومع ذلك، فالتلميذ نفسه هو وحده المسؤول عن كل ذلك.

قلّة نادرة من الناس من يتأملون ولو مرة واحدة في أن حياتهم كلها قائمة على أسئلتهم الخاطئة وعلى دوافعهم غير المعصومة التي تدفعهم إلى طرح تلك الأسئلة. وهكذا، بدلا من أن يستخدموا أي ظرف من ظروف الحياة لتكديس المعرفة والقوة، يبدّدون حياتهم هباء، ويلعبون لعبة الاتهامات المتبادلة، وكأنهم نصبوا لأنفسهم هدفا أن يصيروا أبلها من كل من حولهم. قد يبدو الجهل للبعض نعمة، ولكن أليس من المفارقة الساخرة أن هذا «الجهل المبارك» نفسه يصبح في الوقت ذاته دعامة للاتهامات المتبادلة؟ فهو نفسه يقود إلى عبارات لا تنتهي: «ألا ترى أن الأمر شاق عليّ؟ لماذا لا تساعدني؟»، أو: «ما بك؟ ألا أشرح لك:…»، أو: «لماذا تنظر إليّ هكذا؟ هل فعلت شيئا خطأ؟». ومع أن هذه الحالة الجاهلة منتشرة في كل مكان، فإنها لن تقود الإنسان أبدا إلى أسئلة من قبيل: «أي عطايا من القوة سأنال إن فعلت هذا بنفسي؟»، أو «هم لا يفهمونني — لعل السبب في أنني أشرح شرحا رديئا؟»، أو «ما الذي في سلوكي جعله ينظر إليّ بتلك النظرة الاستنكارية؟».

وبالمثل، يدفع التلاميذ أنفسهم باستمرار نحو تحقيق غاية لا وجود لها إلا في رؤوسهم. وإذ يعقدون العزم على أن يصيروا محاربين، فإنهم يرهقون أنفسهم باستمرار بالسؤال: «لماذا لا ينجح معي شيء؟» وفي كل مرة يطرح التلميذ على نفسه سؤالا كهذا، فإنه لا يفعل سوى أن يقنع نفسه مرة أخرى بغبائه وانعدام قيمته وعجزه عن إنجاز أي شيء. غير أنه كي يدرك أنه عاقل لا غبي، وكي يشعر بأنه جدير لا عديم القيمة، وكي يثق بأنه قادر على تحقيق شيء ما، يكفيه أن يطرح على نفسه سؤالا كهذا: «ما الذي تعلمته للتو؟». إن هذا الإزاحة البسيطة للتركيز تبدو فعلا بالغ القوة وال تشجيع إلى حد أنها قد تبدو أسهل جزء في تدريب التلميذ. غير أنها في الممارسة العملية تجعل كل تلميذ يخوض صراعا لا ينقطع من أجل إزاحة كهذه، والسبب في ذلك فقط أنها تبدو بسيطة أكثر من أن تُؤخذ بجدية. فإذ يبقون في فخ الرغبة في أن يكونوا على حق أو في السعي إلى فعل كل شيء على نحو صحيح، يظل التلاميذ يبخسون باستمرار قيمة ما تعلموه في اللحظة الراهنة، وبالتالي لا يجسدون أبدا في الممارسة الفكرة العامة لما يعنيه أن يكون المرء محاربا.

من وقت إلى آخر يسأل الناغوال التلميذ عما تعلمه وهل ينصف نفسه على هذه الإنجازات الكبيرة، لكنه كلما فعل ذلك ينظر التلميذ إلى الناغوال كما لو أنه فقد عقله. وأساس هذا السلوك من جانب التلميذ هو أنه يرى أنه لم يبلغ هدفه بعد، ولذلك يشك في أن لأفعاله الصحيحة أي معنى. فهل يمكن لمهارة تقشير البطاطس بإتقان أن تمنحه معرفة عن عالم السحرة؟ وهل يمكن للإخفاقات الواضحة أن تكون علامات على تعلم حقيقي؟

المحارب الحقيقي يكتفي بمراقبة حماقة سلوكه هو، ويتذكر كفاحه هو من أجل القدرة على إزاحة البؤرة، وينطلق دون تذمر لتقشير البطاطس. ومثل هذا المحارب يفهم تماماً من تجربته هو أنه فقط بعد أن يتعب التلميذ نهائياً من السعي وراء هدفه، سيدرك أخيراً أنه في الواقع عليه أن يبدأ في العيش كمحارب لا أن يحاول أن يصير محارباً. ومع ذلك، وكم هو متناقض، فإن هذه بالضبط هي أعظم صعوبة يتعين مواجهتها على طريق المحارب. وكما ذُكر في «عودة المحاربين»، فإن الصعوبة الحقيقية لطريق المحارب لا تكمن في التعقيد الأكاديمي بل في البساطة الصريحة. ومع أن هذا الطريق يحمل كثيراً من الظواهر القادرة على إرباك أشد العقول ذكاءً، فإن أي صعوبة أكاديمية فيه تنشأ فقط لأن العقل العقلاني ينصرف بكليته إلى هدف ما، ونتيجة لذلك يسعى أبداً إلى الحركة الخطية إلى الأمام الناجمة عن الانفصال، مضحياً بذلك بالتوسع الدائري الذي هو سمة الشمول.

في سعيهم إلى الحركة الخطية إلى الأمام، يظل التلاميذ على الدوام على خلاف مع العالم المحيط لسبب بسيط هو أن تفكيرهم يبقى تفكيراً فاصلاً، وهم يشعرون باستمرار كأنما ينبغي أن يكونوا في مكان آخر وبجانب أشخاص آخرين ويمارسون عملاً مختلفاً تماماً. وقلما يدركون أن القوة تكمن في اللحظة الراهنة؛ ونتيجة لذلك يعتقدون أنهم لا يستطيعون بأي حال أن يكونوا في المكان الصحيح وبجانب الشخص الصحيح وأن يكرسوا أنفسهم للعمل الصحيح. وبالنسبة لهؤلاء التلاميذ لا تكون للحاضر أي تبعات. وفي محاولاتهم الهروب من الذي يحدث هنا والآن بالضبط، يطرحون سؤالاً واحداً باستمرار: «لماذا يحدث لي هذا بالضبط؟» وبالطبع الجواب بسيط جداً. إن ما يحدث هنا والآن هو تذكرتنا إلى الحرية ومعبرنا إلى القوة، لكن إذا كنتم تنوون الانتفاع بحكمة من عطية القوة، فعليكم أن تطالبوا بحقكم فيها لا أن تشتكوا من الذي يحدث.

إن القدرة على المطالبة بحق المرء في عطايا القوة تعني قبل كل شيء القدرة على تمييز هذه العطية، ثم الاعتراف بأن لك حق أخذها. وبلوغ هذا الوضوح لا يعني فقط العيش في اللحظة الراهنة، بل يتطلب أيضاً الاستعداد لأن يصير المرء شاملاً لا أن يبقى منفصلاً. وبعبارة أخرى، بدلاً من أن يحاول المرء تجنب ما يحدث في الحياة، عليه أن يصير شاملاً إلى حد يستخرج به من كل موقف أكبر قدر ممكن من الدروس، لأن هذا النهج وحده هو ما يتيح تجاوز ضرورة هذه الظروف الحياتية بالذات تجاوزاً حقيقياً. وينبغي إدراك أنه حالما يكتسب المرء المعرفة اللازمة، أو القوة الكامنة في أي ظروف من ظروف حياته، فإنه لم يعد بحاجة على الإطلاق إلى أن يعيش ثانية الموقف نفسه.

يبدو هذا منطقياً تماماً، لكن الأكثر إثارة للدهشة هو إلى أي حد يظل الناس يحاولون عبثاً التهرب من اختباراتهم رغم فهمهم التام لكل ما سبق. وفي أغلب الحالات ليس سبب ذلك هو عدم الرغبة في التعلم، بل بالأحرى عدم الاستعداد لأن يصير المرء شاملاً — فبعض التلاميذ يكافحون من أجل هذا المبدأ بيأس ولفترة طويلة بشكل لا يصدق فقط لأنهم يفتقرون إلى ما يكفي من الصحو. وفي غياب الصحو لا يستطيع مثل هذا التلميذ أن يميز بموضوعية بين الأفعال الناجمة عن الرغبات والأفعال التي لا يكون سببها إلا أنها توافق طريقه ذا القلب.

الرغبة في فعل شيء ما تفترض وجود دافع: إذا كان هذا الدافع نقياً، فسيكون الفعل طيباً. غير أنه ينبغي إدراك أن الدافع إنما يحل محل القلب فحسب. أي فعل يدفع إليه القلب يبقى غير مشروط، ولذلك لا يحتاج إلى دوافع.

يدخل جميع التلاميذ طريق المحارب انطلاقاً من دوافع ما، لأن هذه الدوافع تشكل جزءاً من أمتعتهم. بعضها نقي بما فيه الكفاية، لكن بعضها الآخر قد يكون كابوسياً إلى حد بعيد! غير أن القوة لا تميز بين التلاميذ على أساس عدم لياقة دوافعهم. فمهما كانت دوافع التلاميذ الأولية، يمكنهم جميعاً أن يعملوا على تجسيد إمكاناتهم الكامنة في الواقع، وأن يطالبوا بحقهم في القوة باتباع طريق المحارب. ومع ذلك، في تدريب أولئك التلاميذ الذين يميلون إلى طريق الحرية، تأتي لحظة تتحداهم فيها القوة، فترغمهم على الاختيار بين طريق الحرية وطريق المغامرة الكبرى. فإذا كان التلميذ قد دخل طريق المحارب في البداية بدافع نقي هو بلوغ الحرية، فسيقوم دون عناء كبير بذلك الاختيار الذي ينقله إلى أرض طريق الحرية الصلبة. وفي المقابل، إذا كان التلميذ قد أتى إلى طريق المحارب بدوافع غير نقية ولم يتمكن خلال الوقت المنقضي من التخلص منها، فسيواجه لحظة تحول حقيقية، وستنتهي تلك الأزمة إما بـ«شفاء» التلميذ وإما بإنهاء تدريبه.

لا يستطيع أي إنسان أن يبلغ الحرية بمجرد أن يرغب في أن يصير حراً. إن العبارة المذكورة أعلاه تبرز بجلاء أن كل رغبة تفترض دافعاً، وأن كل دافع، كم يبدو ذلك متناقضاً للوهلة الأولى، يصير دائماً عقبة. فهل يمكن أن يكون المرء حراً وهو يواجه العوائق؟ يجب أن تكون الحرية الحقيقية غير مشروطة، وإلا فلن تكون أصيلة. لكن كل دافع مشروط، ولهذا السبب بالضبط يُعلَّم التلاميذ يوماً بعد يوم أن قرارهم باتباع طريق المحارب يجب أن يتحرر نهائياً من الخوف والطموح، لأن كل الدوافع تستند إما إلى شكل ما من الخوف وإما إلى الزهو. وفي هذا الصدد من المهم إدراك أن الفحص الدقيق يتيح العثور على الخوف أو الطموح حتى في أنقى الدوافع.

وهكذا، فلكي يبلغ المرء الحرية لا يكفي أن تكون لديه دوافع نقية فحسب. إن بلوغ الحرية يعني ألا تبقى للإنسان على الإطلاق أي دوافع — وفي هذا بالضبط يكمن الفرق الأصيل بين طريق المغامرة الكبرى وطريق الحرية. إن جميع إخواننا الذين انحرفوا إلى طريق المغامرة الكبرى بدأوا طريقهم من أنقى الدوافع، لكن لأنهم لم يتمكنوا — أو لم يريدوا — التخلي عن هذه الدوافع، كان عليهم أن يتخلوا عن الحرية.

التخلي عن دوافع المرء من ناحية، أمر بالغ الصعوبة، ومن ناحية أخرى، بسيط إلى حد لا يصدق. يكمن السر في مستوى كافٍ من الصفاء الذهني، يتيح إدراك الفرق بين اتباع طريق المحارب انطلاقًا من دوافع معينة، وبين العيش ببساطة وفقًا لطريق المحارب، لأنه هو الطريق الذي له قلب بالنسبة للإنسان. عندما يتبع الإنسان طريق المحارب بدوافع محددة، تُبقيه هذه الدوافع راسخًا في أفكار حول هدف معين هو التحول إلى محارب، ويصبح هذا الهدف دائمًا أهم من الرحلة نفسها؛ ونتيجة لذلك ينتقل الإنسان لا إراديًا إلى حالة وعي فاصلة واستبعادية، لأنه لا شيء أهم بالنسبة له من الهدف.

بالنسبة لتلميذ كهذا، الغاية تبرر الوسيلة دائمًا، ولذلك لا ينجح في تعلم فتح قلبه. وبعد أن تثبت أفكاره على تحقيق هدفه، يبدأ في استمداد قوة متزايدة من وعيه الفطري، الذي له طبيعة خطية. ونتيجة لذلك يصبح الوعي المتطور أقل أهمية بالنسبة للتلميذ، لأن مصدر قوته أصبح مضمون الوعي الفطري. وعندما تتغلب القوة المحركة لهذا الوعي عليه، يتعرض التلميذ أكثر فأكثر لقوة الدفع نحو الحركة الخطية إلى الأمام. والتلميذ كهذا، بصرف النظر عن جنسه، يرفع ببطء ولكن بثبات المبدأ الذكوري فوق المبدأ الأنثوي، إذ لا ينبغي أن ننسى أن الوعي الفطري يؤدي دور المبدأ الذكوري إزاء الوعي المتطور. وبعبارة أخرى، يُحرم تلميذ كهذا من التعاون العقلاني بين المبدأين الداخليين الذكوري والأنثوي، بين الوعي الفطري والوعي المتطور — وبدلًا من ذلك، يقتل مبدؤه الذكوري المبدأ الأنثوي تدريجيًا.

قيل في «صرخة العقاب» إن قوة الوعي المتطور هي التي تحني الوعي الفطري وتجعله ينقلب على نفسه، مما يولّد عنصر الشمولية، الذي هو ليس فقط تعبيرًا عن النية الكونية وبالتالي تجليًا لقدر الناغوال، بل أيضًا تعبيرًا عما يُسمى في الكتابات المسيحية بمبدأ المسيح، وعند التولتيك بالقلب. وهذا يسمح باستنتاج أن القدر الحقيقي للناغوال لا يكمن في تدمير المبدأ الأنثوي، بل في تأكيد التعاون العقلاني بين المبدأين الذكوري والأنثوي، بين الوعي الفطري والوعي المتطور؛ وبفضل ذلك يمكن أن يستمر تطور الوعي العام في ظروف الشمولية، لأنه بهذه الطريقة وحدها يمكن لللامعروف أن يتدفق إلى المعروف، مما يتيح إمكانية بلوغ كمال الجوهر.

غير أن التلميذ لا يستطيع ببساطة أن يسمح لنفسه بالبقاء هادفًا لكي تنشأ الشمولية. عاجلًا أو آجلًا يجب أن تفسح كل الأهداف المجال لمتعة الرحلة نفسها، ولا يستطيع التلميذ تحقيق ذلك إلا بطريقة واحدة: تطوير التعاون العقلاني بين الوعي الفطري والوعي المتطور، بين المبدأ الذكوري والمبدأ الأنثوي. وفقط بعد أن يبدأ التلميذ في القناعة بالبقاء حيث يحاول أن يستوعب تمامًا كل ما يحدث هنا والآن مباشرة، تستطيع قوة الشمولية أن تولّد التحرر بواسطة النية، عبر التوسع الدائري. وهكذا، بدلًا من إضاعة عطايا القوة التي تجلبها للإنسان اختباراته — وهذا بالتحديد ما يحدث عندما يستهدف التلميذ الحركة الخطية إلى الأمام — ينبغي للتلميذ أن يلاقي هذه الاختبارات بانفتاح، وأن يستوعب كل عطايا القوة؛ ونتيجة لذلك، وبفضل قوة الشمولية، سيتمكن بالمعنى الحرفي للكلمة من النمو متجاوزًا هذه الاختبارات في توسعه الدائري. وإذا حدث هذا، تختفي كل الدوافع من تلقاء نفسها، لأن الدوافع لا يمكن أن توجد إلا عندما يكون لدى الإنسان هدف.

لفهم كل هذا بوضوح، ينبغي إدراك أن الهدف هو حتى السعي إلى الحرية، ووجود الهدف بدوره يفترض دوافع معينة. وبعبارة أخرى، في البداية تمامًا ينطلق كل تلميذ من دوافع كذا أو كذا، ولكن حتى لو كانت هذه الدوافع مرتبطة بالرغبة في بلوغ الحرية، فإنها تظل دوافع، ولذلك يظل التلاميذ ذوو أنقى الدوافع هادفين. ولا يمكن أن يتغير هذا الوضع إلا بعد أن يبدأ التلميذ في فهم حماقة دوافعه وهدفه. ومع ذلك، لكي يبلغ هذا الصفاء الذهني، لا بد من إيصال التلميذ إلى مستوى يتمكن منه من الفهم الواضح للفرق بين اتباع طريق المحارب بصرف النظر عن مدى إتقان ذلك، وبين الحياة وفقًا لطريق له قلب.

في البداية تمامًا، لا يمتلك أي تلميذ أبدًا ما يكفي من الصفاء الذهني لإجراء مثل هذه التمييزات، ولذلك يبدأ جميع الناس تدريبهم باتباع طريق المحارب بحماسة وعزيمة رائعتين حقًا، قد تكونان في بعض الأحيان، بعبارة ملطفة، بلا رحمة. غير أن أي تلميذ يبدأ عاجلًا أو آجلًا في التعب من الصراع الدائم من أجل تحقيق هدف معين يزداد نسيانًا مع كل خطوة جديدة. إنهم يشبهون تلك الأرواح التائهة من الحكايات القديمة التي تحاول الإمساك بأضواء عابرة؛ وفي هذه الفترة بالتحديد، عندما يبلغ التلميذ أقصى درجات الإنهاك، يبدأ في التساؤل عما إذا كانت تعاليم التولتيك ليست سوى أسطورة حقيقية. هذه هي اللحظة المفصلية التي ذُكرت آنفًا، وكل تلميذ يواجهها عاجلًا أو آجلًا.

عندما تحل مثل هذه الأزمة ويكون لدى التلميذ ما يكفي من الصفاء الذهني ليدرك دون ظل شك أنه لا يستطيع العودة إلى نمط حياته السابق، يجد نفسه محاصرًا في الأسطورة، شاء ذلك أم أبى. ومع ذلك ينبغي إدراك أنه نتيجة لبدء التلميذ في اعتبار التعاليم شيئًا لا يختلف كثيرًا عن الأسطورة، يضطر إلى التخلص من أي سعي إلى الإنجازات. لم يعد يأمل في الوصول إلى أي مكان — وبالتالي إلى أي مكافآت. وهذا يعني أن التلميذ قد بلغ أخيرًا الحافة الخارجية للقوة. وبالمعنى الحرفي للكلمة، وجد نفسه على عتبة حياة مختلفة تمامًا. ويقوم تلميذ كهذا بأحد أمرين ممكنين. فمن ناحية، يمكنه أن يتراجع أمام نقص الصفاء الذهني وأن يتخلى عن كل محاولاته بطريقة أو بأخرى. وإذا كان تلميذ كهذا يمر بتدريب تحت إشراف ناغوال مخلص لطريق الحرية، فإن تلمذته تنتهي ببساطة. ومن ناحية أخرى، يمكن للتلميذ أن يصل إلى إدراك حقيقة أنه بما أنه، على ما يبدو، لا يذهب إلى أي مكان، فإنه يستطيع على الأقل أن يحاول ويبذل كل قواه في أن يعيش وفقًا لطريق له قلب، مهما كلف الأمر. ومع أن التلميذ نفسه يبدأ في فهم هذا لاحقًا فقط، بعد ذلك بكثير، فإنه في هذه اللحظة لا يفارق فقط تلك الدوافع التي قادته إلى طريق المحارب، بل يحصل أيضًا، ويا للمفارقة، على مكافأته — الحرية!

حالما يبلغ التلميذ هذه المرحلة في تدريبه، لا يبقى شيء يمكن أن يكبح تطوره اللاحق. وإذ يبذل كل قواه ليعيش حياة المحارب بلا لوم، يغرق في التطبيق العملي الدائم والمثابر للتعاليم إلى حد تصير فيه هذه الممارسة طبيعته الثانية: فبدلا من أن يحاول العيش كالمحارب، يبدأ التلميذ، دون أن يلاحظ، ببساطة في العيش كمحارب. وبعبارة أخرى، ما بدأ بالفعل الواعي المتمثل في عدم الفعل يتحول إلى واقع غير واعٍ؛ وإذ فقد أي آمال أو دوافع، يفعل التلميذ الشيء الوحيد الذي يقدر عليه — يبدأ في الانفتاح تجاه العالم المحيط.

دون أن يدرك ذلك، يبدأ التلميذ في فتح قلبه وتوليد قوة الاحتواء الشامل؛ وهو في أثناء ذلك يصير أسطورة دون وعي — يتحول إلى محارب! ومع ذلك فإن التلميذ نفسه لا يزال غير مدرك لهذا التحول، وفقط بعد أن تأتيه القوة من تلقاء نفسها، يتبدى له فجأة أن التلمذة قد انتهت، وأنه صار محاربا وأن القوة الآن تحت تصرفه.

حين تحل في حياة التلميذ تلك اللحظة، يجتاحه دائما شعور لا يوصف البتة بقوته بإحساس التواضع الأصيل — ذلك التواضع الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بفتح القلب على مصراعيه أوسع. وفي هذه اللحظة بالذات يخطو المحارب خطوة إلى الوراء ويحني رأسه، لأنه يدرك أن أي إنجاز للإنسان بوصفه كائنا بشريا لا يستطيع أن يقربه خطوة واحدة من التحول إلى محارب، — فمفتاح التحول إلى محارب، أي قوة الاحتواء الشامل، يكمن فقط في الاعتراف بمحدودية بشريته الخاصة. ولا شيء يثير تواضعا أكثر تجريدا من هذا الوعي، وفي هذه اللحظة يُحرم كل محارب إلى الأبد من السعي إلى أي شيء غير الحرية الأصيلة — الحرية من كل ما يمنعه من فتح أعمق زوايا قلبه وأكثرها حراسة سابقة.

هذه هي الطبيعة الحقيقية لطريق الحرية، وهذه هي طبيعة حياة الطريق ذي القلب. لكي يجد الإنسان الحرية، عليه أن يبلغ لحظة الفراق مع التصور نفسه لما يعنيه أن يكون حرا، ولهذا السبب بالذات لا يقدر أي إنسان على أن يصير محاربا بطريق بسيط أو بطريق خادع — فالتظاهر بأن المرء محارب أمر مستحيل ببساطة. وحال المحارب تنبع من القلب وتستلزم حياة الطريق ذي القلب. أما أن يحب المرء بشرط ما فهو أيسر شيء في العالم، لكن الحب غير المشروط لا يتاح إلا للمحاربين.

في حبه غير المشروط لكل ما هو حي، يلتقي المحارب برفاقه وسط تجليات حماقتهم، ومع أنه لا يدعم هذه الحماقة، فإنه يفهم أيضا أن الناس لا يمكن لومهم عليها. وإذ تمكن من تمييز ما هو عليه حقا في جنون هذا النوم، يعرف المحارب دون ظل شك أن كائنات مثله هي أجزاء لا تتجزأ من نوم واحد وحماقة واحدة وحياة واحدة. ونتيجة لذلك لم يعد المحارب بحاجة إلى فرض إرادته على الآخرين في محاولات للارتفاع فوق المحيطين؛ بل يكرس نفسه لمهمة تحويل العالم من خلال السعي الدائم إلى رفع نفسه على نحو يرتفع فيه، في الوقت نفسه، كل ما حوله.

في محاولاته للخروج من حدود ذلك الجنون الذي يرسم حدود النوم، يحتوي المحارب ببطء لكن بثقة جزءا أكبر وأكبر من هذا الجنون؛ فكلما اتسع فيه الجنون أكثر، حوّل المحارب منه جزءا أكبر إلى جمال وسلام، ثم إلى انسجام في النهاية. وبعبارة غير المتخصصين، بفضل احتوائه الشامل يصير المحارب كل شيء في كل شيء، ونتيجة لذلك يفقد التماهي القائم على الانفصال، فينال بدلا منه بذور ما سيصير مع الوقت تلك الحال من الوعي، ذلك التماهي الذي يسمى اكتمال الجوهر. غير أن المحارب، إذ فقد التماهي الجامد وصار كل شيء في كل شيء، يكتسب أيضا وجوها كثيرة.

للمحارب الحقيقي، بالمعنى الحرفي للكلمة، وجه خاص لكل إنسان ولكل حالة، إذ لا وجود لأشخاص متطابقين ولا لأحداث متشابهة تماما؛ ولأن في حياة المحارب كل الناس وكل الظواهر متساوون في القيمة، فهم يستحقون كل ما تحدده احتياجاتهم. ولهذا فإن وجوه المحارب المتنوعة ليست أقنعة يختفي وراءها، بل تعبيرات عن ميوله الخفية إلى التواضع والحب غير المشروط.

ومع ذلك فإن حماقة البشرية تؤدي إلى أن وجوها مختلفة تستدعي، مرارا وتكرارا، لدى رفاق المحارب أشد الاستجابات تعقيدا — استجابات تجعل المحارب نفسه ينفجر ضحكا صادقا. غير أن هذه الضحكة لا تتحول أبدا إلى سخرية من المحيطين، لأنها ليست سوى نتيجة حب المحارب غير المشروط لكل ما هو حي. وعلى مدى جهوده ليصير محاربا، بكى من الدموع ما جعل هذا النحيب، مع الوقت، يفضي إلى نشوء فراغ معين في داخله — انعدام الدوافع، انعدام الآمال — وامتلأ هذا الفراغ بقوة الاحتواء الشامل، بقوة الحب غير المشروط. ويمكن لمحارب كهذا أن يسمح لنفسه بالضحك، لأن في ضحكه لا حقد ولا نوايا سيئة — بل روح المشاركة مع أولئك الغارقين في حماقة النوم. غير أن المحارب الآن، وقد تمكن من رؤية حماقة كل ما يجري، قادر على أن يفهم أيضا حماقة دعم أي تماهٍ وحمايته. وبسبب ذلك لا معنى لأن يتماهى المحارب مع أي شيء كان، ونتيجة لذلك يواصل صيرورته أكثر احتواء شمولية في سعيه إلى اكتمال الجوهر — لا لأن دافعا إلى التقدم إلى الأمام يحثه، بل فقط لأن في هذا الطريق من القلب ما يجعله يتحول إلى أبهج فرح في العالم.

إذا كان هذا الفرح وحده هو ما يشغل الإنسان، فهل سيهتم بجهة الوصول أو بالهدف حتى في لحظات المحن الشديدة أو الحزن أو السعادة؟ هنا والآن مباشرة يمكن العثور على فرح كاف تماما، ففي نهاية المطاف الرحلة نفسها هي التي تجلب الفرح، لأن أي هدف، حين يبلغه المرء، لا يؤدي إلا إلى نوع من خيبات الأمل. غير أن المحارب الذي يفهم حماقة التماهي الجامد يجد في وجوده هو أعظم ألغاز كل الأسرار، وهذه الفكرة تجعله، بطبيعتها، يغرق مرارا وتكرارا في أطروحات التتبع الأربع. وهكذا، إذ ليس أمامه خيار سوى التتبع الدائم لإدراكه لذاته، يجد المحارب الحقيقي نفسه يلعب لعبة لا تتوقف أبدا. يا لها من متعة أن يلعب مرارا وتكرارا لعبة الحياة، وأن يتجمد في كل مرة من فرح صادق، إذ ينكشف أمام ناظريك كل جمالها!

المحارب هو من تعلم أن يحب الحياة، وكل ذلك الوفرة التي تجلبها له، وقبل كل شيء ذلك الطريق الذي يسير فيه. لا فرح أكبر للمحارب من السير في الطريق ذي القلب. إنه يتبع هذا الطريق، مبعوثا بعجائبها، وفي سعادته يشكر من كل قلبه على هذا الامتياز العجيب. وبمحبة وامتنان يعانق كل ما يلقاه في الطريق.

  • مقدمة
  • الجزء الأول الحلم
  • الفصل الأول أربعة مسلمات للستالكر
  • الفصل الثاني الحماقة المنضبطة
  • الجزء الثاني قاعدة الستالكر
  • الفصل الثالث. الاستيقاظ في الحلم
  • الفصل الرابع كرامة المحارب
  • الفصل الخامس خطوة نحو المجهول
  • الفصل السادس تحول بؤرة التركيز
  • الفصل السابع تمشيط الظلال
  • الفصل الثامن خلف حجاب الزمن
  • الفصل التاسع حماقة التماهي
  • الجزء الثالث عالم السحرة
  • الفصل العاشر بإيجاز عن البعد الرابع
  • الفصل الحادي عشر واحد وعشرون جوهرة
  • ملاحظات